د. أحمد الخميسي

الذين لم يعيشوا لحظات نكسة 67، سيتصورون في يونيو 2017 ولهم الحق في ذلك أن النكسة حدث وقع في زمن بعيد، منذ خمسين عاما، أما الذين عاشوا تلك الأيام، ساعة بساعة، ولحظة بلحظة، فإن النكسة في قرارة نفوسهم تتحرك كأنها وقعت بالأمس، أو أنها تقع اليوم،أو توشك الآن على الوقوع، فهي حدث مستمر داخل النفس، ممزوج بالمرارة والتخبط الأليم وعدم القدرة أو الرغبة في التصديق. كان صلاح جاهين أبلغ الجميع تعبيرا عن استمرارية اللحظة في النفوس حين قال:" ضربة صابت.. وضربة خابت.. وضربة وقفت بالشريط في وضع ثابت". في داخل من عاشوا النكسة شريط يعرض بدون توقف الصور ذاتها خارج أي زمان وأي مكان، بالأبطال أنفسهم، وحتى بدرجة حرارة الجو في يونيو، وبظلال البشر المحترقة في الشوارع، وبالذهول المراق في الأعين حينما أدركنا أننا خسرنا كل شيء. ولم تكن الخسارة في عدد الدبابات التي دمرت أو الطائرات التي قصفت قبل أن تحلق، أو حتى عدد الشهداء، الخسارة كانت أفدح من حديد السلاح ودانات المدافع، كان ذلك خسران حلم كبير أبهج الروح لحظة وانطفأ. لقد عبرت لطيفة الزيات عن الشعور العام بمصر قبل النكسة بقولها:"كنا نثق حينذاك أن بوسعنا أن نغير العالم بأسره". بهذه الثقة في قدراتنا عشنا عشر سنوات تقريبا قبل النكسة، منذ اندحار العدوان الثلاثي في 1956، حتى 1967، هي بالضبط الفترة التي تربي فيها جيل نما من العاشرة إلي العشرين وهو يستمع إلي أغنيات نجاح سلام " اليوم اليوم يوم النصر.. عصرنا قلب الأعدا عصر.. شنوا علينا الحرب نشن.. عين بعين وسن بسن"، وأغنية محمد سلمان " لبيك إن عطش اللوا سكب الشباب له الدما"، وعبد الحليم " صحيت الشرق بحاله ، وديانه ويا جباله "، كان لدينا شعور أن مصر قد غرزت كرامتها في عين العالم،

تابع القراءة