م. عبد الله زيزان

الرسائل موجهة لفئة محددة

لم يكن خطاب بشار الأخير في 26 من تموز الحالي خطاباً عادياً كسابقاته من الخطابات الطويلة المملة، ففي هذه الكلمة الكثير من المستجدات والاعترافات يستحق الوقوف عندها وفهمها بالشكل الصحيح، فقد احتوى الخطاب لأول مرة، جملة من التبريرات للهزائم العسكرية والاقتصادية والسياسية، لم يكن ليعترف بها قبل شهور قليلة...

لقد كان لافتاً في محتوى الكلمة أنها موجهة بشكل مباشر لمؤيدي النظام عموماً وأبناء طائفته خصوصاً، فكانت جُلّ رسائله لهم، وقد بدا وكأنّه يُهيئ هذه الفئة لما هو أسوأ في المرحلة القادمة، مرحلة قد تحتوي مزيداً من التراجعات والهزائم، التي قد تطال معاقل النظام وطائفته في دمشق وحتى في الساحل..

الهزائم العسكرية للنظام

أفرد بشار في خطابه مساحة كبيرة للحديث عن الأعمال العسكرية في البلاد عموماً، وكان أكثر جرأة هذه المرة في الحديث عن الهزائم التي يمنى بها جيشه وميليشياته، وحتى مرتزقته من لبنان حتى طهران، وكان في وضع المدافع عن تلك الهزائم، مبرراً إياها بحجم الدعم الهائل الذي يتلقاه الثوار من عدة دول في العالم، ثم يستدرك حديثه ليدخل في تناقض هزيل حين يتحدث أنّ الثوار يستجدون دول العالم للحصول على الدعم والعالم يرفض ذلك، وهذا التناقض المضحك الذي وقع فيه بفاصل دقائق في خطابه، يشير إلى مدى الارتباك الذي يعيشه النظام ككل، ومن خلفهم الدول الداعمة لهم...

إنّ المصطلحات العسكرية الجديدة التي استخدمها بشار في خطابه من حيث تقسيم سورية إلى مناطق هامة وأخرى غير هامة، يشير لأول مرة إلى إقرار النظام بخسارة مناطق واسعة من البلاد، ومن جهة أخرى الاستعداد لتسليم مناطق أخرى، ولا يخلو الأمر من إشارة إلى تقسيم سورية على أساس طائفي وعرقي، كورقة أخيرة يمكن للنظام اللعب عليها..

الميليشيات الطائفية

عند الحديث عن وقاحة الأسد في الخطاب الأخير، لا بد من الإشارة بالإشادة التي خصّ بها ميليشيات حزب الله، حيث اعترف الأسد بأن تلك العصابات تقاتل على الأرض السورية، وأنّه لولا جهودهم لخرجت المزيد من الأراضي من سيطرة النظام، وهذا يشير بكل وضوح إلى مدى الانهيار الذي تعيشه القوات النظامية..

فحزب الله، مهما بلغ تعداد مقاتليه اللبنانيين فهم لا يشكلون فرقة من جيش نظامي، فإذا كان اعتماد نظام كامل على مثل تلك الميليشيات، فهذا اعتراف مهم بانهيار الجيش وكامل المؤسسات الأمنية، وهو ما يجبرهم على الاعتماد على مرتزقة من مختلف بلاد العالم للدفاع عن النظام، وقد أشار بشار أيضاً إلى ذلك حين أكدّ أنّ سورية لمن يدافع عنها، وليست فقط للسوريين، خاصة مع اعترافه بهروب الكثير من المؤيدين من الالتحاق بصفوف الجيش..

الحل السياسي

في ظل انفصام الشخصية التي يعيشها الأسد وقد تجلت بخطابه، يبدو أنّ الرجل والنظام السوري لا زالوا يشعرون بقدرتهم على حسم المعركة عسكرياً، رغم الحديث عن مناطق مهمة سيركز عليها الجيش وأخرى غير مهمة سيتخلى عنها الجيش، وهذا يدل إما على الفشل في قراءة الواقع العسكري، أو التعمد في السير بهذا الطريق لاستمرار الاستنزاف الحاصل في البلاد، وصولاً إلى التقسيم الذي هو غاية النظام وغاية الإيرانيين الذين يجيدون قراءة الواقع..

والشعور بالقدرة على الحسم العسكري دفع الأسد للسخرية من الحل السياسي الذي تطرحه جهات دولية مختلفة، والتأكيد أن لا حلاً سياسياً سيقبل به الأسد ومن حوله، وهو ما يضع المجتمع الدولي على المحك، فإصرار الغرب على إقحام المعارضة في مفاوضات للحل السياسي يجب أن يتوقف الآن بناء على الكلام الأخير، فإذا كان الطرف الآخر المتمثل بالنظام يرفض الحلول السياسية، ويصر على الحلول العسكرية، فلماذا الضغط على المعارضة والشعب السوري على السواء للقبول بمثل تلك الحلول العرجاء؟

خطاب المودع

مجمل الحديث الذي أدلى به الأسد وتناول فيه الملفات الهامة، العسكرية والاقتصادية والسياسية، وحتى الاجتماعية، تشير بمجموعها إلى أنّ هذا الخطاب هو خطاب المودع، الذي يبرر فيه خساراته على جميع الأصعدة، ويمهد فيه لمزيد من التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية، لا سيما التدخل الإيراني، الذي تبجح الأسد في الحديث عنه...

لا يمكننا التنبؤ إن كان ظهور الأسد سيكون الأخير أم لا، إلا أنّ طريقة عرض الأسد للوقائع في البلاد، تُشعر المتابع بأنّ الخطاب ربما سيكون الأخير، ففيه الكثير من التطمينات لمؤيديه، وتبرير للتراجع والانحسار، وإعداد نفسي لأولئك للقبول بما ستؤول إليه الأوضاع في البلاد في الأسابيع وربما الأشهر القادمة، والأيام القادمة ستكون الفيصل في ذلك كله...