مكافحة الإرهاب: نعم.. ولكن

باتت كلمة " الإرهاب " تمثل العنوان الرئيسي اليوم في معظم العلاقات والصراعات الدولية ، ولا سيما بعد أن تم تحويل مقولة " العصابات المسلحة " التي دمغ بها بشار الأسد آلوف الشباب السوريين والشابات السوريات الذين نزلوا إلى شوارع المدن السورية بعد ١٨ آذار ٢٠١١ ، ليطالبوا بالأصالة عن أنفسهم والنيابة عن آبائهم وأمهاتهم بحق الشعب السوري المشروع في " الحرية والكرامة " اللتين غيبهما نظام الأسد منذ استيلاء حافظ ( الأب ) على السلطة في سوريا ، جزئيا عام ١٩٦٣ وكلياً عام 1970 :

 احتلال روسيا لسوريا يأخذ مشروعيته من مكافحة الإرهاب،

والاحتلال الإيراني لسوريا يأخذ مشروعيته بدوره من مكافحة الإرهاب،

وسكوت الدول الكبرى على تواجد " حزب الله" اللبناني في سوريا ، فلأنه إنما جاء إلى سورية من أجل مكافحة الإرهاب،

 التواجد العسكري للدول الكبرى ، في سماء وأرض ومياه سوريا ، إنما هو من أجل مكافحة الإرهاب ،

شراء السعودية أسلحة أمريكية ب ١١٠ مليارات دولار ، إنما هو من أجل مكافحة الإرهاب

إن المؤتمر " العربي – الإسلامي " الذي عقد في الرياض بتاريخ ٢١ ماي الفائت بحضور الرئيس ترامب، إنما هو مؤتمر لمكافحة الإرهاب ،

إن هجمة المملكة السعودية وشركائها على إمارة قطر إنما هي (الهجمة) اتهام قطر بأنها متقاعسة في مكافحة الإرهاب .

يستند الدفاع الأمريكي والأوروبي عن قطر ، إلى أنها - على العكس مما تتهم به تقف معهم (!!) في مكافحة الإرهاب،

يقف العالم متفرجا وأخرساً أمام المجازر الوحشية والهمجية التي يرتكبها نظام بشار الأسد في سوريا ، وذلك تحت ذريعة أنه يقوم نيابة عنهم في مكافحة الإرهاب ،

إن سكوت الدول المعروفة ب " الديموقراطية " على انقلاب عبد الفتاح السيسي العسكري على نظام محمد مرسي المدني و المنتخب إنما يعود إلى طرح السيسي نفسه لهم كشريك لهم في مكافحة الإرهاب،

إن سكوت الدول الكبرى على التدخل العسكري المصري في ليبيا ، لدعم حفتر ، إنما بسبب اعتقادهم بأن حفتر يشاركهم الرأي والموقف في مكافحة الإرهاب ،

إن سكوت الدول الكبرى عن الدور السلبي الذي يلعبه حفتر في إفشال اتفاق الصخيرات إنما يعود إلى اعتقادهم في أن حفتر يشاركهم الرأي والموقف في مكافحة الإرهاب ،

إن سكوت بشار الأسد على الطائرات الإسرائيلية التي تسرح وتمرح في سماء سوريا إنما يعود لأنها شريكته وشريكة شركائه -حسب زعمهم- في مكافحة الإرهاب

إن قتل مئات ألوف المدنيين العزل والأبرياء، في مدينة الموصل والذين أكثر من نصفهم من الأطفال ، إنما يعود لأن عبادي بغداد وحشده الطائفي برئاسة هادي العامري يريدون أن يقدموا أنفسهم لولي الفقيه في طهران كأبطال في مكافحة الإرهاب .

إن الأمثلة التي أتينا على ذكرها أعلاه ، لاتدع مجالا للشك في ان مقولة " مكافحة الإرهاب"

باتت تمثل كلمة السر التي تحكم العلاقات الدولية بعد قيام ثورات الربيع العربي في مطلع عام ٢٠١١ ، أي أنها باتت تمثل السلاح النوعي الجديد بيد الثورات المضادة لثورات الربيع العربي ، وبالتالي فقد باتت تمثل البديل السياسي والاجتماعي والأيديولوجي لكل من الديموقراطية وحقوق الإنسان ولا سيما حقوق المرأة والطفل اللذين ( الديموقراطية وحقوق الإنسان ) كانا سابقا هما الناظم لهذه العلاقات . إن مقايضة النظام العالمي الجديد ، مكافحة الإرهاب بالديموقراطية وحقوق الإنسان هو - بنظرنا - سقطة أخلاقية لهذا النظام، بل وللمجتمع الدولي كله ، ذلك المجتمع الذي وقف و يقف متفرجا وساكتاً على المجازر الجماعية التي ترتكب هنا وهناك في عالم اليوم ، والتي ذهب ويذهب ضحيتها مئات ألوف الأطفال والنساء والشيوخ ، والتبرير الوحيد لهذا السكوت وهذا التفرج ، هو فقط كون القاتل والمجرم يختبئ تحت عباءة مكافحة الإرهاب .

إن " مكافحة الإرهاب " غير المقترنة بالقيم الأخلاقية و بالديموقراطية و بحقوق الإنسان ، وغير المقترنة بتعريف وتحديد علمي دقيق لمفهوم " الإرهاب" ، إنما هي عملية زائفة ، هذا إذا لم نقل مصنوعة ، الهدف منها سيطرة القوي على الضعيف ، واعتماد الكذب والتدليس في السياسة الدولية والسكوت عن الحق ، وتسليط من يمتلك الآلة ( التكنولوجيا ) المتطورة على من لا يملكها..

مكافحة الإرهاب نعم ... ولكن بعد تحديد المفهوم العلمي الدقيق للإرهاب ، والذي بواسطته فقط وفقط يمكن معرفة الإرهابي من غير الإرهابي في هذا العالم ، وإلاّ فسينطبق على هذا النظام العالمي الجديد قول الشاعر:

قتل امرؤ في غابة جريمة لا تغتفر وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر

لقد بلغ عدد شهداء الثورة السورية المليون ، والذين أكثر من نصفهم من الأمهات والأطفال ، ومايزال مجلس الأمن ، ينتظر من محرقة بشار وأعوانه ـ على مايبدوـ المزيد من الأرواح .

يعمد البعض ، إلى مماهاة مفهوم " الإرهاب " بمفهوم " داعش " ومن ثم إلصاق هذا المفهوم بالدين الإسلامي ككل ، إنها مماهاة غير عادلة ولا تعكس الحقيقة التي ترى أن " داعش" إنما هي صناعة غير إسلامية أصلاً ، بل وغير عربية ، وإنما أوجدها من أوجدها لتشويه سمعة وصورة الإسلام ، وبالذات الإسلام السني ، بما هو إسلام وسطي عادل ومعتدل ، والذي قال فيه أحد صحابة رسول الله (ص) " لاتلزموا أولادكم على أخلاقكم ، فلقد ولدوا لزمان غير زمانكم" مشيراً بذلك إلى التغير الإجتماعي الذي يمكن أن يحصل بين جيل الآباء وجيل الأبناء ، أي خلال جيل واحد ( حدده ابن خلدون بأربعين سنة )فقط ، فهل يحق لداعش، أو لولي الفقيه أيضاً( !!) أن يلزموا أبناء القرن الواحد والعشرين بأخلاق القرن السابع الميلادي متجاهلين35 جيلاً بين هذين التاريخين ؟!. إن من يرى أو يفعل مثل ذلك ، لايمكن أن يكون مسلماً حقيقيا ـ وفق رؤيتنا الخاصة للإسلام ـ والله أعلم

ومن جهة أخرى ، فإن التركيز على إرهاب داعش المثير للاشمئزاز، هو أمر صحيح ومشروع ،بل وضروري ، ولكن داعش برأينا يمثل فقط " الإرهاب الأصغر " الذي يجب ألاً يحجب عن أعيننا أو ينسينا "الإرهاب الأكبر" أو السبب الأساسي الذي أوجد إرهاب داعش ألا وهو" إرهاب الدولة " والذي يعتبرـ واقعياً ـ المسؤول عن زرع وإنبات مثل هذه الفيروسات الغريبة ( داعش ، حزب الله ، الخ ) في جسد الأمة العربية ، وجسد الشعوب الإسلامية . نعم ، إن " إرهاب الدولة " ولاسيما في فلسطين وسوريا والعراق ومصر ، هو من أوجد داعش ، وهو من يستفيد من وجودها. والله أعلم .

وسوم: العدد 724