د. محمد أبو الفضل بدران: لن أغير لهجتي ولن أخلع جلباب أبي

عبد الرحمن هاشم

للحديث مع شاعر وناقد أدبي، أبدع " النوارس تحكي غربتها"، و"أدبيات الكرامة الصوفية"، و " قضايا النقد والبلاغة في تراث أبي العلاء المعري"، والعديد من القصائد المترجمة إلى الألمانية، طعم خاص.

وإذا أضيف إلى ذلك، إبداع آخر، لا يقل أهمية عن الإبداع الأول، ألا وهو الإبداع الإداري، الذي خبرته كليات الصعيد وجامعاتها، وخبره أخيراً المجلس الأعلى للثقافة، فإن حديثنا لا بد أن يتناول شؤون الإبداعين معاً، الأدبي والإداري.

والدكتور محمد أبو الفضل بدران الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة الذي نحسبه قد حاز الإبداعين، التقيته بمقر مكتبه بالقاهرة، لأحاوره في الجديد الذي يطرحه المجلس الأعلى للثقافة على الساحة الثقافية، وغير ذلك من أمور تخص الإبداع والجماعة الثقافية في مصر، فإلى نص الحوار..

ـ بداية، كيف ترى تأثير النشأة في رحلتك الأدبية والثقافية؟

نشأت في قرية في صعيد مصر هي قرية العويضات التابعة لمركز قفط محافظة قنا، وهي القرية التي أنجبت أمل دنقل وعبد الرحمن الأبنودي وعبد الرحيم منصور وهناك عدد كبير من الشعراء الذين لم تسطع عليهم أضواء الشهرة أمثال الوزير القفطي جمال الدين وعلي النابي ويوسف النابي وللأسف هؤلاء ضاع معظم تراثهم فأنا نشأت في بيئة قروية شاعرية.

ـ بماذا ترد على من يطعن في هذه النشأة؟

ليس من عادتي الرد على من يهاجمني لشخصي، وأرى أن الردود عليه كانت من الكثرة ما جعلني أشفق عليه، وبخاصة بعد أن تبرأ من هجومه وسبابه شقيقه وشقيقته وهذا يكفي.

وإذا كان ينقم عليّ أنني ابن القرية فيحق لي أن أفتخر بذلك، وبأني لن أغير من لهجتي ولن أغير جلباب أبي، وانما أنا ألبس هذا الجلباب، وكنت أعتز وما زلت أعتز بموقف محمد مستجاب هذا الأديب الكبير الذي حافظ على هذا الجلباب وأصر يوماً على أن يدخل به دار الأوبرا في حفل يحضره الوزير وحين وصل الأمر إلى الوزير قال لحرس الأوبرا لا تمنعوا مستجاب لا نريد مشاكل!

إذن، أنا ابن القرية، وأعتقد أن القرية والمدينة لا يختلفان في المباديء والقيم التي للأسف قد تكون بعيدة عن بعض الناس.

ـ ألم يأن للاعتراك الناشب بين جماعة المثقفين أن يضع أوزاره؟

أنظر إلى هذا الاعتراك كما سميته أنت من منظور إيجابي، فقد أثمر لنا المقالات الرائعة التي كتبها جمال الغيطاني وبخاصة مقالته الشهيرة "عنصرية قاهرية"، وما كتبه فتحي عبد السميع وعزت الطيري ويحيى القزاز وغيرهم.

وإذا كنا نثمن الحرية، فهذا الهجوم، والهجوم المضاد له، يعد في نظري تكريساً لهذه الحرية التي ندعو إليها، والتي ينبغي أن نتحملها، لأنها تعني أنه لا أحد فوق المساءلة والنقد.

ومع ذلك، كنت أتمنى أن يكون عراكنا من أجل حرية الإبداع وقضايا الوطن الكبرى وليس صغائر الأمور أو سفاسفها.

قضايا ثقافية كبرى مثل محاربة التطرف والغلو والأمية ينبغي أن تأخذ من وقت المفكرين والكتاب والأدباء والمبدعين الكثير والكثير.

نحن في القرن الحادي والعشرين وما زالت الأمية الأبجدية سرطان يسري في المصريين.. هذه ساحة معركة تنتظر فرسان المثقفين.

كنت أتمنى أن تكون معاركنا وعراكنا من أجل توصيل التنوير إلى شبابنا في الجامعات وفي القرى وفي النجوع.

ـ كيف ترى دور المجلس الأعلى للثقافة في الفترة الحالية.. هل حقق مستهدفاته؟

أترك تقييم الدور للمثقفين وللمصريين أجمعين، وقد قيل ضمن ما قيل إن ما أقامه المجلس من فعاليات في هذه الفترة فاق ما أقامه المجلس طوال عام، وربما يكون هذا التقييم صحيحاً وربما يكون غير ذلك.. هذا ما أتركه للمتلقي، لكن الأعمال دائماً تأتي دون الآمال، ونحن في حاجة إلى التطوير الذي يليق بالمجلس الأعلى للثقافة.

ـ أتوجه بسؤالي إلى المبدع محمد أبو الفضل بدران.. ما تقييمك للقصة الشاعرة كجنس أدبي جديد؟

شاركت مؤخراً في ملتقى السرد العربي بالشارقة وألقيت الكلمة الافتتاحية ولاحظت أن معظم الورقات كانت عن القصة الشاعرة وقلت ضمن ما قلت في كلمتي للمؤتمرين إن القصة الشاعرة أتت في وقتها كي توقظ الشعر من ثباته وكي تبعث فيه روح التجديد والمنافسة.

ـ لكن اعذرني سيدي أو اسمح لي أن أقول إن هناك من الكتاب من لا يستطيع التفرقة بين القصة الشاعرة والقصة الشعرية؟

هذا الخطأ لا يعود إليهم بل إلى النقاد، لأن نقاد الأدب عندما يكتبون فهم إما يكتبون في مجلات دورية محكمة، وهي كما تعرف لا توزع إلا في نطاق الجامعات ولا تخرج إلى المتلقي العادي، وإما يكتبون بلغة لا يستطيع رجل الشارع العادي فهمها، ولذلك نشأ عداء بينه وبين مقالات النقد.

ومن هنا، نطالب النقاد بأن يتبسطوا في المقالات النقدية فيكتبوها بلغة سهلة بسيطة تفهم القارىء غير المتخصص، وعليهم أن يكتبوا باللغة الأكاديمية في كتبهم كما يشاءون.

ـ إذن، كيف ترى الخطاب الثقافي النقدي.. هل هو في تطور أم اضمحلال؟

الخطاب الثقافي النقدي في تطور، وتطوره يكمن في انخراط نسبة لا يستهان بها من الشباب على مستوى العالم العربي، وهذه زاوية جديدة للرؤية لم تكن متاحة من قبل.

وللمجلس دور في تبني هؤلاء الشباب وتشجيعهم، لأن الفكرة إذا كانت واضحة في أذهانهم، فإنهم ـ بهذا الوضوح ـ يستطيعون الوصول بسهولة إلى المتلقي، تماماً كما كان يقول لي أستاذي الدكتور طاهر مكي أمد الله في عمره.

ـ هل ثمة تغيير في استراتيجية المجلس الأعلى للثقافة؟

استراتيجية المجلس الأعلى للثقافة قائمة على ثلاثة ثوابت:

أولاً: حرية الإبداع، ثانياً: حماية الملكية الفكرية، ثالثاً: إيصال الثقافة إلى الجميع.

وهذه المرتكزات يجب أن تكون متوافرة في جميع أنشطة المجلس ولجانه، ولا يستطيع شخص مهما كان بمفرده وضع استراتيجية للمجلس، لكننا في طور تكوين اللجان في أواخر أكتوبر المقبل، فهي بأعضائها تستطيع طرح رؤى التطوير والتجديد، ولدينا بحمد الله 28 لجنة قد تصل في التشكيل الجديد إلى 30 لجنة بإذن الله.

ـ هناك استياء من احتكار أشخاص بأعينهم لعضوية بعض اللجان.. ما ردك؟

نشرف بأن يتقدم للعضوية كل من يجد في نفسه القدرة والكفاءة والالتزام وفي الوقت نفسه لا يحق لأحد أن يطالبنا بإقصاء القامات الكبيرة من أهل الخبرة بحجة وصولهم إلى سن معينة، لأننا كما نحتاج إلى ضخ الدماء الشابة الجديدة، نحتاج كذلك إلى حكمة هذه القامات وإلى خبرتها.

ـ بمناسبة زيادة عدد اللجان، ألا تحتاج القصة الشاعرة هذا الجنس الأدبي الجديد أن تشكل لجنة باسمها؟

مرحباً بمبدعيها، وعليهم أن يتقدموا بطلب التشكيل وسوف يدرس بكل عناية وآمل أن تكون القصة الشاعرة ممثلة في المجلس بلجنة مستقلة.

ـ في الختام، ما الجديد الذي تبشر به الساحة الثقافية؟

أبشر بالقوافل الثقافية التي سوف تجوب جميع الجامعات الحكومية والخاصة في الفترة المقبلة بهدف نقل التنوير وبثه في نفوس الطلاب والطالبات، ثم ننتقل بعدها إلى طلاب المعاهد ونحاول بإذن الله أن نصل بهذه القوافل إلى الأندية الرياضية ومراكز الشباب في مدن وقرى الجمهورية.

الدكتور محمد أبو الفضل بدران في سطور

 وُلد الدكتور محمد أبو الفضل بدران في قرية العُوَيْضَات مركز قِفْط بمحافظة قنا بجمهورية مصر العربية ، وأتم التعليم الابتدائي والإعدادي والثانوي بها ؛ ثم التحق بكلية الآداب بجامعة أسيوط وحصل على ليسانس الآداب الممتازة في مايو 1981. ثم التحق بالخدمة العسكرية حتى 1983 وعين مُعيدا بقسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب بقنا ( جامعة أسيوط ) وأتم دراسته لنيل درجة الماجستير بكلية الآداب بسوهاج حيث حصل على درجة الماجستير في 1985 بتقدير ممتاز وكان موضوع أطروحته ( دور الشعراء في تطور النقد الأدبي .( عمل مدرسا مساعدا بكلية الآداب بقنا  حيث بدأ التحضير لنيل درجة الدكتوراه حول موضوع (قضايا النقد والبلاغة في تراث أبي العلاء المعري) وسافر إلى ألمانيا في بعثة علمية للحصول على درجة الدكتوراه من جامعة بون بالاشتراك مع جامعة أسيوط وقد حصل على الدكتوراه عام 1990 ثم عمل بجامعة جنوب الوادي بمصر وجامعة Bochum بألمانيا ثم فاز بجائزة مؤسسة Humboldt همبولت العالمية حيث ظل من 1994 حتى 1996 أستاذا زائرا بكلية الآداب بجامعة Bonn بون بألمانيا ، ثم عاد إلى مصر حيث رقى إلى درجة أستاذ مساعد وشغل وظيفة رئيس قسم اللغة العربية بكلية الآداب(جامعة جنوب الوادي بقنا) ثم شغل وظيفة وكيل الكلية وفي عام 1998 أعير للعمل بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة الإمارات العربية المتحدة حتى 2006، وقد رُقي إلى درجة أستاذ النقد الأدبي منذ 2004. وفي سنة 2006 تولى عمادة كلية الآداب بقنا جامعة جنوب الوادي. 

أشرف على العديد من الرسائل العلمية لنيل الماجستير والدكتوراه وقد نشر ديوانين شعريين هما ( النوارس تحكي غربتها )  و( ديوان بدران ) وله عدد من المؤلفات المهمة مثل ( أدبيات الكرامة الصوفية ) ،(قضايا النقد والبلاغة في تراث أبي العلاء المعري ) وغيرها، وله عدة قصائد بالعربية والألمانية نُشرت بالصحف والمجلات العربية والألمانية؛وكُتبت دراسات وأبحاث ومقالات حول شعره وأمسياته الشعرية بالدول العربية وألمانيا.