إدجار ألان بو ( 1809 _ 1849) .. حياته وشعره وقصصه ونقده

حماد صبح

لا يزال بو من أكثر الكتاب الأميركيين شعبية بعد مضي ما يزيد على قرن لرحيله ، بل إن الطبعات الشعبية المتجددة لكتاباته ما فتئت تشيع من أكشاك الصحف ، وهو ، على خلاف الكتاب  الأكثر شعبية وانتشارا ، ما زال له تأثير دائم على أكثرية الكتاب  والنقاد ، وتتميز كتاباته بأنها موجهة إلى الميول الإنسانية الشاملة التي لا تتبدل ، إن تبدلت ، إلا قليلا مع توالي الزمن وتعاقب الحِدْثان . لقد أثر بو في مسار الكتابات الإبداعية والنقد بترسيخ قيم الفن الذي يحرك العقل والوجدان في وقت واحد ، وبالتوكيد على أن العمل الفني ليس جزءا من حياة الكاتب الشخصية ، ولا معينا لتحقيق غرض وعظي ، وإنما هو شيء مخلوق للجمال في ذاته الذي حدده في أوسع تجلياته الروحية ، وفي رأيه ، فإن هذا العمل الخلاق يتضمن أقصى مستويات التركيز والوحدة متضافرين مع أقصى درجات الإحكام والدقة في استخدام اللغة . 

وكان تعريفه للحساسية الأدبية متعارضا تعارضا مباشرا مع وجهة النظر السائدة في الأدب الأميركي زمن جيله مثلما تبدو في كتابات إيمرسون وهوثورن ولونجفيلو ووتيير وهولمز الذين ولدوا في سنوات ما بين 1803 _ 1809 ؛ فقد تطلع أولئك الأدباء إلى الشاعر الإنجليزي وردزورث ، بينما اتخذ هو من الشاعر الإنجليزي كوليردج نجما قطبيا له يهتدي به في بحثه عن نظرية فنية ثابتة . وتربط  رمزية هوثورن بينه وبين بو إلا أن دوافع هوثورن الأدبية كانت دائما وعظية بينما لم يقدم بو في أدبه دروسا أخلاقية ، واكتفي فيه بمبدأ الجمال . ولا نجد نفس حساسية التعبير الرمزي الخاصة ببو قبل الحرب الأهلية إلا عند ملفيل دون سائر الكتاب . وأدى تراث بو الأدبي الذي رعته الرمزية الأوروبية ، خاصة في فرنسا ، دورا واضحا في صياغة روح أدبنا في القرن العشرين خاصة في سعيه إلى التحليل العقلي ، وإدراكه  المتزن للوعي العاطفي . وتخالف أسطورة بو المعروفة شخصيته الحقيقية ، فعقب أن ألفى نفسه  في صراع مع روح عصره السائدة لاذ بأسطورة الشاعر بايرون عن الروح الوحيدة التي يسيء الناس فهمها . والحق أن شخصيته العصابية شابهت أحيانا شخصياته القصصية الخيالية . ويسهل علينا الآن كثيرا ، أكثر مما كان في زمانه ، أن نفهم مدى التسامي البعيد الذي أضفي على الأحداث الحقيقية التي أوحت إليه بداءةً كتابة غنائيته " إلى هيلين " ، أو " ليجيا " .  

                                      *** 

ولد إدجار لممثلين متطوفين في بوسطون في 19 يناير 1809 . وهجر والده ديفيد أمه بعد ولادته  ، واختفى قرابة ثمانية عشر شهرا . وماتت والدته إليزابيث أرنولد بو الممثلة الإنجليزية الأصل في 1811 خلال رحلة في ريتشموند ، فانتقل ابنها الصغير إلى رعاية أسرة ألان التي لم تتبنه قانونيا . وكان رب الأسرة جون ألان مُصدِرَ دخان كبيرا اسكتلندي المحتد ، فأغدقت زوجته التي لا تنجب ، والتي كان هو قليل الوفاء لها ، على الشاعر الصغير حبها المسرف الغرابة ما أسفر عن توترات وألوان من الغيرة باعدت دون توقف بين بو وأبيه الراعي له . على أنه تمتع في شبابه بتربية مهذبة حصيفة فاقت كل التوقعات لشاب مهذب من  فيرجينيا . ودعت ألان مصالحه التجارية إلى السفر إلى الخارج ، فعاش بو مع الأسرة في إنجلترا وأسكتلندا من 1815 إلى 1820 التحق إبانها بمدرسة إعدادية تقليدية راقية في ستوك نيونجتن ثلاث سنوات . حتى إذا بلغ الحادية عشرة عادت الأسرة إلى ريتشموند التي واصل فيها دراسته في أكاديمية محلية . وألهمه حبه المبكر لجين ستيث ستانارد والدة أحد زملاء دراسته الشابة كتابة قصيدته الغنائية " إلى هيلين " وفق اعترافه . واعتبر نفسه في ذلك الأوان خطيبا لسارة إلميرا  رويستر إلا أن رفض والدها تزويجها من غلام حدث لا مستقبل له في رأيه ؛ أدى إلى خطبتها لشخص آخر حين كان بو طالبا في جامعة فرجينيا في 1826 . وقادت ديونه الناجمة عن لعبه القمار ألان إلى إخراجه من الجامعة رغم كفاءته البينة في الدراسة .  

وهرب إلى بوسطون بعد عجزه عن التوافق مع ألان الذي أراد تشغيله في مهنة . ونشر ديوان "تامرلين وقصائد أخرى " في 1827 ، ومما له مدلوله أنه وقع الديوان باسم " مواطن من بوسطون " ، ثم تستر في الجيش باسم " إدجار . أ . بِري " . وأفضت به وفاة السيدة ألان إلى مصالحة مؤقتة مع زوجها الذي عرض على الرقيب أول الشاب تعيينه في كلية وست  بوينت العسكرية . وبعد ذلك حصل على تفريغ من الجيش ، ونشر ديوان " الأعراف وتامرلين وقصائد قليلة " في 1829 . وقبل التحاقه بوست بوينت في 1830 اختلف اختلافا عنيفا مع ألان الذي كان ما فتىء عاجزا عن تأمين مستقبله  . وصرف من الأكاديمية العسكرية لانتهاك الواجب بعد أن ألفى نفسه غير ملائم للحياة فيها ،ثم فارقها قبل 6 مارس 1830 بعد أن طوي قيده فيها طيا رسميا . وأبى آلان الذي كان تزوج ثانية مصادقته مجددا ، ثم قضت وفاته بعد عامين على كل آمال بو . و في تلك الأثناء كان نشر في نيويورك ديوان " قصائد " في 1830 ، ومرة أخرى دون نتيجة تبشر بإمكان عيشه معتمدا على كتابته . وعاش من 1831 إلى 1835 كاتبا بالقطعة مع خالته الحنون مانا بو كلِم التي صارت ابنتها فيرجينيا زوجة له . وهذه المرحلة من الفقر والكفاح تكاد تكون نقطة بيضاء رحيمة في سجله . وفي 1832 نشرت صحيفة " فيلادلفيا ستر دى " له خمس قصص " ، كانت جزءا من " قصص نادي المخطوطة " . وفي 1833 نالت أول قصة  قصيرة متميزة له تمزج العلم الزائف بالرعب جائزة بخمسين دولارا مع حق نشرها في صحيفة " بالتيمور ستردي فزيتور"  في 12 أكتوبر من ذلك العام  ، وهي قصة " السيدة التي وجدوها في زجاجة " التي بشرت بنجاح فن القصة الشعبية التي كان بو ينميها في أناة بدراسته الوثيقة لأدب الدوريات الصحفية . وأكسبته القصة أصدقاء جددا ، وصيرته مساعد تحرير في صحيفة " سذن ليتراري مسنجر " في ريتشموند بين 1835 _ 1837 . وتزوج سرا فرجينيا كلم  ابنة عمته، وأعيد حفل الزفاف علنا في ريتشموند بعد ثمانية أشهر حين كانت فرجينيا لا تتجاوز الرابعة عشرة . وسنت تجربة بو مع مجلة " مسنجر " نمطا قدر له أن بتواصل مع قليل من الاختلافات في المشاركات التحريرية التالية . والحق أنه كان محررا ذكيا متألقا كسب للمجلة   عددا كبيرا من المشتركين ، وجذب الانتباه إليه بمقالاته النقدية ، ولكن اضطرابه الشخصي قاده إلى الإخفاق ، وقلل فقدانه للشعور بالأمن الذي ليس له تفسير مقنع من وفائه لفرجينيا ، وكانت له نوبات شجار باعدت بينه وبين  زملائه المحررين ، ومن الواضح أنه ترك " مسنجر " برضاه خلال توتر علاقته بمحرريها . وكان في باله مشروع مجلة خاصة طال تعلقه به دون نتيجة . ووصل إلى أعظم إنجازاته في فيلادلفيا بين أعوام 1838 _ 1844 عقب أشهر قليلة أمضاها في نيويورك حين صار محررا أو شريكا في تحرير مجلة " بورتون جنتلمان " في 1839 ، و" مجلة جراهام " في 1841 _  1842 ، و " ستردي ميوزيَم " في 1843 . وأصبح معروفا جدا في الدوائر الأدبية بفضل حيوية مقالاته الأدبية التي كانت عملا مضافا إلى وظائفه التحريرية ، وكذلك بفضل نشره قصائد جديدة ونصوصا منقحة لقصائد قديمة ، وبفضل نشر بعض أعظم قصصه في " مجلة جراهام " . وجمع من الدوريات القديمة مجموعته " قصص الغرائب والزخارف الفنية العربية " في مجلدين في 1840 . وأكدت قصة " البقة الباردة " شهرته حين حاز بها جائزة من مائة دولار قدمتها في 1843 صحيفة " دولار نيوز بيبر "  في فيلادلفيا . ونراه بعد عجزه عن الحصول على عمل تحريري دائم   في فيلادلفيا ؛ يعود في   1844 إلى نيويورك التي وجد فيه عملا متقطعا في صحيفة " إيفننج ميرور " و " برودواي جورنال " . واستبان بعض الحين أن زوجته فرجينيا على شفا الموت سلا ، فضاعف هم احتمال وفاتها وفقره القاسي  من غرابة تصرفاته وشذوذها . وما كان للياذه المتقطع بالكحول ليجدي مع إنسان يمكن أن يحطمه انغماس معتدل في العمل . وساءت سمعته في تلك السنوات من حياته ، وزادت آراؤه الصريحة ومقالاته النقدية من عدد أعدائه الذين لوثوا سمعته بالنميمة حول عدد من الأديبات اللاتي كانت علاقاته بهن متهورة محمقة إلا أنها  كانت بريئة . وانتهى في 1847 إلى ذروة حياته الأدبية بنشره قصيدة " الزاغ " ( غراب فاحم السواد . المترجم ) في صحيفة " المرآة " ،  ثم ديوان " الزاغ  وقصائد أخرى " الذي يعد ديوانه الأكبر . وظهرت مجموعته "قصص " في نيويورك ولندن . ووجد 1846مع زوجته كوخا في فوردهام التي هي الآن حي من نيويورك  ، وتوفيت فيها فرجينيا في يناير التالي . وانهمك  بو  انهماكا محموما في1848 في  كتابة " وجدتها ! " التي صنفت عقب كتابتها نتاجا لعقل مجنون إلا أن لها الآن قيمتها الهامة بحسبانها " قصيدة نثر " حاول بو فيها الجمع بين قوانين العلم الطبيعي وحقيقة الجمال . وانتهت حياته نهاية تتفق مع نوعية معيشته ، أي بأحداث غريبة كأنه هو الذي ابتدعها . ولما علم في 1849 أن حبيبة صباه سارة إلميرا رويستر ترملت ؛ زار ريتشموند وفاز برضاها للزواج منه . وبعد حوالي شهرين قصد فيلادلفيا لارتباطه فيها بعمل ،  ووجدوه بعد ستة أيام مغشيا عليه في أحد شوارع بالتيمور ، ومات بعد أربعة أيام ، في 7 أكتوبر ، هاذيا .  

                                        *** 

وضع بو في حياة قصيرة من الفقر والقلق والمأساة الفائقة الأساس لشعر رمزي جديد بثمانٍ وأربعين قصيدة ، وصاغ شكل القصة القصيرة الجديدة ، وابتدع قصة التحري والأسرار ، ووسع القصة العلمية ، وأسس قصة التحليل النفسي الجديدة ، وطور بتأنٍ في مراحل متنوعة نظرية نقدية هامة ، وأرسى مبدأ النقد التحليلي .  

                                    *** 

من قصيدة " النائم " : 

أقف منتصف الليل في حزيران   

في ظل القمر الغامض . 

حافته الذهبية تتنفس ضبابا  مخدرا ، 

نديا ، غَبِشا ، 

ينحدر رقيقا متقطرا  إلى قمة الجبل الساكن ، 

ويتهادى منها ناعسا مموسقا إلى الوادي الرحيب . 

*الترجمة موزونة :  

في حزيران تراني واقفا تحت القمر  

فأرى منه ضبابا فوق طود مشمخر  

يتهادى في انسياب نحو وادٍ مشتجر  

*عن كتاب " التراث الأميركي في الأدب " .