ضرورة قرع أجراس الخطر من أجل إنقاذ منظومة الأخلاق الإسلامية المشرفة على الإفلاس

محمد شركي

 من المعلوم أن الله  سبحانه وتعالى قد أنعم على العالمين بمنظومة أخلاق إسلامية بلغت أوج كمالها في الرسالة الخاتمة المنزلة على أشرف خلقه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وهي الرسالة العالمية المصدقة لما بين يديها من الرسالات والمهيمنة عليها . ولقد نوه سبحانه وتعالى  بهذه المنظومة  بقوله عز من قائل مخاطبا رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام : (( وإنك لعلى خلق عظيم )) باعتباره مجسّدها في ما صدر عنه من أقوال وأفعال وتقريرات .

ولقد كشفت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها سر هذا التجسيد النبوي لمنظومة الأخلاق  الإسلامية التي ارتضاها الله عز وجل للبشرية قاطبة عندما سئلت عن خلقه عليه الصلاة والسلام بقولها : " كان خلقه القرآن "، وهي مقولة ألهمها الله تعالى إياها لتكون دليل الأمة الإسلامية إلى منظومة أخلاقها الإسلامية الراقية  واللائقة بتكريم الله تعالى لبني آدم .

ولقد جعل الله تعالى مجسد تلك المنظومة عليه الصلاة والسلام إسوة وقدوة للناس جميعا إلى قيام الساعة ، وجعل التأسي والاقتداء به وسيلة لتنزيل ما أودعه سبحانه وتعالى في كتابه الكريم من خلق كريم .

ولقد تفاوت تنزيل الناس لمنظومة الأخلاق الإسلامية  حيث اختلفت في ذلك القرون أو الأجيال إذ  كان القرن المعاصر للرسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل القرون تنزيلا لخلق القرآن الكريم لقرب الإسوة والقدوة عليه الصلاة والسلام  منه حيث كان الأخذ عنه مباشرة ، وهو قرن خلف للقرون التي تلته منظومة أخلاق نموذجية ، ثم توالت القرون بعد ذلك متفاوتة في النهل من  منظومة الأخلاق النبوية المتممة لمكارم الأخلاق ،والتي اكتملت باكتمال الدين مع الرسالة الخاتمة.

ومع تراخي الزمن  وتقليد الأمة الإسلامية غيرها من الأمم والذي فعل  فعله في منظومة أخلاقها الإسلامية  فطالها الفساد بسبب ذلك ، ووقع خلط وتلفيق بينها وبين غيرها من  منظومات أخلاق وضعية مخالفة للفطرة التي فطر الله عز وجل الناس عليها  .

ومازالت شرائح عريضة من المسلمين تحاكي غيرها ممن لا يدينون بدينها الإسلام أو ممن لا دين لهم أصلا حتى انتهى الأمر بمنظومة أخلاقهم الإسلامية  إلى شبه إفلاس لولا وجود شرائح أخرى، وهي في حكم القلة لا زالت تحافظ عليها من خلال النهل من كتاب الله عز وجل ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

ولو شئنا سرد صور إفلاس هذه المنظومة في زماننا هذا وفي مجتمعنا تحديدا لاسترسل بنا الحديث وطال لكننا سنعرض لبعض أمهات الإفلاس عسى أن يحصل بذلك وعي الأمة بما هي  مقبلة عليه من إفلاس منظومة أخلاقها الإسلامية  التي ارتضاها لها خالقها سبحانه وتعالى .

وأول خطوة في طريق هذا الإفلاس هي تعطيل اللقاح الواقي منه والمتمثل في إقامة  عبادة الصلاة الناهية عن مسبباته . ومع أن الصلاة تقام في مجتمعنا ولله الحمد إلا أنه مع شديد الأسف تعطلها شريحة عريضة  في المجتمع ، بينما  تقيمها  شريحة أخرى  لكن دون تشربها للاستفادة منها كلقاح أو علاج  . وبسبب تعطيلها  أو بسبب عدم تشربها دب الإفلاس إلى منظومة أخلاقنا الإسلامية ، و بهذا صدقت علينا نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل : " يصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتى يقال إن في بني فلان رجلا أمينا " وقد صرنا نردد هذا القول  في زماننا هذا بلسان المقال والحال معا.

ولفظة " يتبابعون "  الواردة في هذا الحديث النبوي الشريف تحيل على مختلف المعاملات  تماما كما تحيل عليها  لفظة " بيع " الواردة في قول الله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ))

ومعلوم أن المحافظة على منظومة الأخلاق الإسلامية تقاس من خلال سلامة المعاملات المادية منها والمعنوية ،علما بأنها هي التي تفيئهم الأفراد إلى فئات وتصنفهم  إلى أصناف حسب طبيعة تلك المعاملات ذلك أن منهم التاجر، والفلاح ،والصانع، والحرفي ، والموظف، والمربي، والعالم ... إلى غير ذلك من الفئات والأصناف. ومعلوم أن المطلوب في كل المعاملات هو خلق الأمانة الذي  ربطه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبايع الناس وهو خلق تتسع دلالته لتشمل أخلاقا أخرى تتقاطع معه  كالصدق، والإخلاص، والوفاء ،والحفظ ، والرعاية ، والنزاهة ، ذلك أن الأمين صادق، ومخلص، ووفي، وحافظ  ،وراع ، ونزيه بالضرورة ، وثمة أخلاق أخرى أيضا يستدعيها خلق الأمانة . ويرتبط هذا الخلق بالمسؤولية لأن كل من يكون طرفا في معاملة من المعاملات يعتبر بالضرورة مسؤولا عنها لأنه توكل إليه أمانتها ورعايتها على الوجه الذي يحفظها من الضياع .

وعندما نستعرض ما آلت إليه أحوال مختلف المعاملات في مجتمعنا في هذا العصر نجدها قد انهارت بسبب آفات منها آ فة الغش، والتدليس ، والتقصير ،والخيانة ... ولنأخذ كأمثلة على ذلك ما يلي :

1 ـ  آ فات المعاملات التجارية ، وهي على رأس المعاملات، لأن معاش الناس يتوقف عليها وقد أصابتها آفات منها  الغش ، والاحتكار ، والتدليس من خلال خلط الرديء من السلع بالجيد ، والتطفيف في كيلها ، والمغالاة في أثمنتها ،وكفى بهذه ناسفة لمنظومة الأخلاق الإسلامية في المجال التجاري  .

2 ـ  آفات المعاملات الفلاحية  والزراعية وهي كالمعاملات التجارية من حيث الأهمية لتوقف معاش الناس عليها أيضا ،وقد أصابها  ما أصاب المعاملات التجارية من آفة الغش حيث صارت المنتوجات الفلاحية والزراعية ترش بأخطر أنواع المبيدات الحشرية بطرق فوق ما تدعو إليه الخبرة ، وقد أصبحت بسبب ذلك تشكل خطرا محدقا بصحة الإنسان ، كما أنها  صارت تسمد بأنواع من الأسمدة المغيرة من طبيعتها ومن قيمتها الغذائية، وهي لا تقل خطورتها عن خطورة المبيدات ،والأدهى من ذلك سقيها بالمياه العادمة التي تجعها  منتوجات موبوءة . وكفى بهذه أيضا ناسفة لمنظومة الأخلاق الإسلامية  لدى الفلاحين والزراع  .ويلحق بهؤلاء في إفسادهم  مربو المواشي الذين  يقدمون لها أنواعا من العلف غير الطبيعي والنافق لتسمينها  وهو ما يجعل استهلاك لحومها مضرا بالصحة . ويلحق بهؤلاء أيضا من ينحرونها ويسوقونها وهي غير صالحة للاستهلاك  . ويلحق بهؤلاء أيضا النحالون الذي يطعمون النحل مواد سكرية تعطي غير ما يخرج من بطونه من شراب  الأصل أنه فيه شفاء للناس ، فيصير  بسبب  سوء تغذيته دون  فائدة فدائية أو شفائية ، والأدهى من ذلك  تزويره  شراب العسل الحقيقي من خلال تقديم بدائل  مصنعة عنه  يكون النحل بريئا منها براءة الذئب من دم يوسف  كما يقال  ولكن المدلسين من النحالين ينسبونها له . ويضاف إلى هؤلاء أيضا اللبانون الذين يتفننون في الغش من خلال تغيير تركيز الألبان عن طريق خلطها بالماء، وتسويق عوضا عن سمنها  زبدة نباتية مع الحلف بأغلظ الأيام أنها مدرّ ألبان  ذوات الظلف والخف  .  

3 ـ آفات معاملات الوظائف ،وهي أيضا مما تقتضيه ظروف الحياة ، وعن هذه الآفات يطول الحديث ، و لكن يكفي أن نركز على أخطرها وهي التقصير بحيث لا  يؤدي كثير من الموظفين في مختلف القطاعات  مقابل ما يتقاضونه من أجور، ومقابل  ذلك لا تقدم الإدارات التي توظفهم  الأجور المكافئة  لأعمالهم ووظائفهم  ولجهود الكثير منهم ، وبذلك يكون التقصير من الطرفين ، و غالبا ما يكون تقصير الإدارات مشجعا على التقصير من الموظفين . وإلى جانب آفة التقصير في الواجب والتراخي في العمل توجد آفة خطيرة أيضا هي الرشوة، ذلك السرطان الخبيث الذي ينخر منظومة الأخلاق الإسلامية حيث تتحول واجبات الموظفين والمرتبطة  في نفس الوقت بحقوق المواطنين  إلى  شبه بضاعة تسوق  في الأسواق السوداء حيث يضطر أصحاب الحقوق المستحقة إلى دفع مقابل للحصول عليها ، وقد يطمعون  أحيانا  في حقوق غيرهم، فيحصلون عليها ظلما وغصبا  ودون وجه حق مقابل رشوة يرشون بها موظفين. وأكثر الحقوق ضياعا في مجتمعنا هي حقوق الوطن حيث لا يؤدي كثير من المواطنين ما في ذمتهم له من ضرائب أو مخالفات ...ويفضلون عوضا عن ذلك  دفع الرشى للتملص منها ، ويجدون في الموظفين المرتشين من يسهل لهم ذلك ويزينه لهم . ومن آفات الوظيفة أيضا المحسوبية والزبونية ، ذلك أن من لا يجد ضالته في الرشوة للحصول على ما يريد  يراهن عليهما ،وبذلك  تضيع  الفرص على المستحقين من ذوي الكفاءات  ، والأدهى من ذلك قد تدفع  الأعراض  ثمنا للحصول على المبتغى . ومن الآفات أيضا استباحة المال العام ، وكذا استباحة الممتلكات والتجهيزات والوسائل العامة على اختلاف أنواعها واختلاف قيمتها ،  وهذا غيض من فيض مما يمكن أن يلحظ من آفات في مجال الوظائف، وكلها مدمرة لمنظومة الأخلاق الإسلامية .

4 ـ  آفات المعاملات الصناعية والمهنية والحرفية  ، وهي أيضا مما تقتضيه ظروف الحياة ، ومنها على وجه الخصوص الغش المستشري في مختلف المصنوعات حتى صار الناس يصنفونها إلى مصنوعات جيدة من الدرجة الأولى وأخرى رديئة  من الدرجة الثانية مع أن المطلوب  فيها أن تكون كلها جيدة ، لأن خلق الإتقان من مكونات منظومة الأخلاق الإسلامية . ونفس الآفة تسود مختلف الحرف من بناء، وصباغة، وتجبيص، وتبليط ،وحدادة ،ونجارة ، وكهربة   ...  إلى غير ذلك من الحرف والمهن  حيث كثرت أحاديث الناس عن تفشي الغش فيها  حتى صاروا يرددون ما تنبأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول بعضهم لبعض: " إن في المكان الفلاني بنّاء أو صبّاغ أو جبّاص أو حدّاد ... أمين "، ولا يوجد مواطن في مجتمعنا ليس له حكاية مع غش كان ضحيته مع  صناع وحرفيين

5 ـ آ فات التعامل في المجال العلمي والمعرفي وعلى رأسها الغش أيضا بحيث يعمد من لا ضمائر لهم من المربين ـ ياحسرتاه ـ  إلى تخريب المنظومة التربوية . ومقابل غش وتقصير هؤلاء تقابل الناشئة المتعلمة تقصيرهم وغشهم بتقصير وغش مماثلين قد تلقوهما عنهم ، فلا يجدّون ولا يجتهدون ولكنهم في المقابل بارعون في  أنواع  الغش وأساليبه ، فيحصلون على علامات وعلى شواهد تؤهلهم للحصول على وظائف وتولي ومسؤوليات ليسوا أهلا لها ، فينقلون إليها آفة  الغش الذي درجوا على ممارسته أثناء تمدرسهم  . ومن آفات قطاع التعليم أيضا المحسوبية والزبونية حيث تعامل الناشئة المتعلمة  بتمييز فيما بينها دون اعتماد الاستحقاق والكفاءة في النجاح والانتقال ، فيحصل من لا يستحقون على علامات  متميزة تبوؤهم مراتب يكون غيرهم أولى وأجدر بها . وقد تتدخل العصبيات والنعرات العرقية والطائفية  والحزبية والإيديولوجية  في قطاع التعليم  العالي على وجه الخصوص  حيث يتم التمكين لطلبة  دون غيرهم من الالتحاق  بشعب دراسات عليا  ومن تقديم أطروحات  كل ذلك على أساس المحسوبية والزبونية أو على أساس مساومة الأعراض واستباحتها . ولطلاب التعليم العالي حكايات  وشهادات على فضائح استغلال الأعراض  مقابل النقط والشواهد والفوز ، ولو فتحت تحقيقات في هذا الموضوع  لانكشف ما خفي وهو أعظم  في هذا  القطاع  الحيوي الذي يعتبرـ ياحسرتاه ـ  رافعة التنمية في مجتمعنا  .

6 ـ آفات التعامل في المجال الديني وعلى رأسها آفة الانتهازية واستغلال الدين من طرف بعض المحسوبين عليه حيث أصبح عندهم نوعا من أنواع الريع ع .ولقد استغنى بعضهم بسبب التمادي في استغلاله  ، وصارت لهم مشاريع كبرى  وراكموا ثراء فاحشا . ومن هؤلاء من يعرضون إمامتهم الناس في  عبادة صلاة التراويح خلال شهر الصيام  كما تعرض البضائع أو الصنائع ، ويحددون لها أسعارا ، وقد تناولت  مؤخرا وسائل التواصل الاجتماعي  تسجيلا لحوار دار بين أحد المتاجرين بالدين  وبين شخص دعاه إلى صلاة التراويح في الديار الأوروبية ، فأخذ يغالي في السعر مقابل  أدائها وهو يصف تراويحه بأنها ذات تصنيف أعلى تماما كما تصنف البضائع  بغرض تسويقها . وأخبار الذين يرتزقون بصلاة التراويح ودروس الوعظ في شهر الصيام يندى لها الجبين.

ومن المحسوبين على المجال الديني أيضا بغض  فاسدي الأخلاق ومفسدي منظومة الأخلاق الإسلامية من يمتهنون ما يسمى بالرقي والتطبيب ،ويضفون عليهما الشرعية الدينية لأكل أموال  الناس بالباطل ، وربما تعدى الأمر ذلك إلى حد انتهاك الأعراض  تحت غطاء أو ذريعة الرقية الشرعية ، وهذه من أسوإ الآفات الهادمة لمنظومة الأخلاق الإسلامية .

7 ـ آفات ملحوظة في سلوكيات التعامل اليومي ، وهي لا حصر لها نكتفي بسرد بغضها من قبيل شيوع الغيبة ،والنميمة، والزور ، والبهتان ،والكذب ، والسخرية ، والاستهزاء ، والشتم ، واللعن ، والأثرة ، والأنانية ، وقلة الحياء ، وغياب توقير الكبار ، وغياب الرأفة بالصغار ، والتحرش الجنسي ، واستباحة ما نهى الله عز وجل عن النظر إليه ، والكشف عما نهى عن الكشف عنه من العورات ، وبذاءة اللسان ، وكثرة العدوان والإجرام ، واستباحة هدر الدماء وإزهاق الأرواح ، والسرقة ، والسطو واستباحة  المحرم من الأموال والأغراض ، والمجاهرة بالفواحش ، والسكر والتخدير العلنيين ... إلى غير ذلك مما يعد استهتارا بمنظومة الأخلاق الإسلامية التي توشك أن تنهار كليا لولا بقية من أناس فيهم صلاح  يتمسكون بها ،وهم بذلك كالماسكين على الجمر . والمثير للأسى والأسف والحسرة  الشديدة هو شيوع ظاهرة الاستخفاف بمنظومة الأخلاق الإسلامية  والتي لا مندوحة عنها، وذلك لدى شريحة عريضة تستهويها منظومات أخلاقية وضعية  تريدها بديلا عنها  .