النّعمان بن مُقَرِّن، صاحب النبي صلّى الله عليه وسلّم وقائد فَتْح الفتوح

م. محمد عادل فارس

ما أعظم صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم! ما تذكر أحدَهم إلا ازدحمت عليك سجاياه. وهذا ليس مقتصراً على خواصهم كأبي بكر وعمر.. ومعاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود.. وخديجة وعائشة... بل يشمل أسماء ممن لم يسمع بها بعضنا. والنعمان واحد من هؤلاء العظماء رضي الله عنهم جميعاً.

إنه النعمان بن مقرّن، من قبيلة مُزَينة التي تقطن قرب المدينة المنورة، على طريق مكة المكرمة.

فعندما هاجر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلى المدينة بدأت أخباره تشيع فيما حولها، وهي تحمل الخير والبركة والبر والعدل والرحمة والوفاء... وفي ذات ليلة جمع سيّدُ مزينة النعمانُ بن مقرن الملأ من قبيلته وقال لهم: "يا قوم، واللهِ ما علمنا عن محمّد إلا خيراً، ولا سمعنا عن دعوته إلا مَرْحَمةً وعدلاً. فما بالُنا نُبطئ عنه، والناس إليه يُسرعون؟!... أما أنا فقد عزمتُ على أن أغدوَ عليه إذا أصبحتُ، فمَن شاء منكم أن يكون معي فليتجهّز".

وكأن القوم كانوا ينتظرون مثل هذه الكلمة، فقد امتلأت قلوبهم ونفوسهم شوقاً لهذا الدين القويم. فما طلع الصباح حتى كان إخوته العشرة وأربع مئة من فرسان مُزَينة قد جهزوا أنفسهم.

ولكن هل يليق بهذا الوفد أن يقدُم بأيادٍ فارغة؟. لقد كانت السنة مجدبة لم تترك لمزينة ضرعاً ولا زرعاً! لذلك طاف النعمان ببيوت أهله وإخوته وجمع ما وجده من غنيمات وساقها أمامه، تحيةً لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأعلن إسلامه، وكان ذلك فتحاً عظيماً، اهتزت له المدينة المنورة وابتهجت، ونزلت فيه آية في كتاب الله، تُتلى إلى يوم القيامة: (ومِنَ الأعرابِ مَن يؤمنُ باللّهِ واليوم الآخر، ويتّخذُ ما يُنفقُ قُربات عند الله، وصلوات الرسول. ألا إنها قربة لهم...). {سورة التوبة: 99}.

وراح التاريخ يسجّل للنعمان مشاهد العزّ والتضحية، فما ترك غزوة مع النبي صلّى الله عليه وسلّم إلا شارك فيها، ثم كان من قادة المعارك في حروب الردّة مع أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، ثم كان رئيس الوفد الذي أرسله سعد بن أبي وقاص قبل القادسية إلى كسرى يزدجرد وقال له، فيما قال:

"إنّ الله رحمنا فأرسل إلينا رسولاً يدلّنا على الخير، ويأمرنا به... وقد أمرنا أن ندعو الناس إلى ما فيه خيرهم، فنحن ندعوكم إلى الدخول في ديننا، وهو دين حسّنَ الحسَن كله وحضّ عليه، وقبّح القبيح كله وحذّر منه... فإن أجبتمونا إلى الإسلام خلّفنا فيكم كتاب الله، وأقمناكم عليه، على أن تحكُموا بأحكامه، ورجعنا عنكم، وتركناكم وشأنكم".

ثم كانت المعركة، فأبلى فيها النعمان بلاءً حسناً، وكانت نصراً موزّراً لأهل الإسلام. لكن الفرس عادوا وحشدوا حشوداً كثيرة في مدينة "نهاوند". وتدارس عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع وجوه الصحابة واقترح عليهم تولية النعمان وقال: "والله لأولِّينّ على جند المسلمين رجلاً يكون إذا التقى الجمعان أشدَّ من الأسِنّة، هو النعمان بن مقرّن المُزَني. فقالوا: هو والله لها!.

وانطلق النعمان حتى شارف نهاوند، فإذا خيول المسلمين تتوقف، وإذا الفُرس قد نثروا في الدروب حَسَك الحديد فكانت تدخل في حوافر الخيل. فابتكر النعمان حيلةً بأن أمر جنوده أن يبقوا في أماكنهم، وأن يوقدوا النيران في الليل ليراهم الفُرس، ثم يتظاهروا بالانسحاب، وعندئذ انطلت الحيلة على الفُرس، فأرسلوا عمّالهم لإزالة الحسك من الطرق، وعاد المسلمون واحتلّوا تلك الدروب. وعزم النعمان على مباغتة العدو، فأعلم جنوده أنه سيُكبّر ثلاث تكبيرات... فإذا كبّرَ الثالثة فإنه سيحمل على العدو، ولْينطلق الجنود من ورائه.

ونشِبت معركة رائعة بين جيش المسلمين الذي يبلغ ثلاثين ألفاً وجيش المجوس الذي يبلغ مئة وخمسين ألفاً.

وكان للنعمان موعد مع الجنّة، فزلق جواده في الدماء. واستشهد النعمان، فأخذ أخوه حذيفة الرايةَ، وسجّاه ببردة، وكتم أمر مصرعه عن الجيش حتى اكتمل النصر المبين، في هذه المعركة التي سُميت: فتح الفتوح.

وجاء خبر استشهاد النعمان إلى أمير المؤمنين عمر، فصعد المنبر ونعاه إلى المسلمين وبكى.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: إن للإيمان بيوتاً، وللنفاق بيوتاً، وإن بيت ابن مقرّن من بيوت الإيمان.

اللهم ارضَ عن النعمان وعن أصحاب نبيّك صلّى الله عليه وسلّم جميعاً، وارزقنا التأسّي بهم، وارزقنا قادة يسيرون بنا إلى نصر يرضيك ويشفي صدورنا من أعدائك.