الشعب الفلسطيني في محنة فراغ قيادي وسياسي

حماد صبح

نفرح حين نقرأ خبرا عن تأييد لقضيتنا العادلة ، وتكون الفرحة كبيرة إن جاء التأييد من جهة مدنية في الغرب . ففي أميركا ، وقع نحو 2500 أميركي على عريضة تطالب توني بلينكن وزير الخارجية بوقف التطهير العرقي لمواطني النقب الفلسطينيين . وأطلقت العريضة المنظمة النسائية المؤيدة للحقوق الفلسطينية " كود بينك " . ولا يتوقف تأييد المنظمات المدنية والجامعات والشخصيات الاعتبارية في الغرب للحقوق الفلسطينية . وتأييدهم ليس سهلا ؛ إذ يعرضهم لاتهامات الجهات اليهودية لهم باللاسامية ، وبعضهم يفقد وظيفته أحيانا إذا كان في مؤسسة لليهود نفوذ فيها ، ولا يجدون أي مساندة فلسطينية أو عربية بخلاف مؤيدي إسرائيل الذين تساندهم بالمال وبكل ما يطلبونه في مهامهم للدفاع عنها . لكن فرحتنا بالتأييد لقضينا سرعان ما تنقلب إلى أسى وحرقة وغضب للفراغ القيادي والسياسي الذي يقاسي الشعب الفلسطيني محنته ، ولا يوفر أي جهد لاستثمار هذا التأييد الغربي المدني في الساحة الدولية وتوسيع دائرته . كثيرون في العالم يجهلون أساس القضية الفلسطينية ، ومن يطلع على بعض هذا الأساس المأساوي يبادر إلى تأييد الفلسطينيين والتعاطف معهم ، وينقم على إسرائيل ما سببته وما زالت تسببه لهم من ويلات وأهوال ، وهي تفعل هذا في مأمن من أي عقوبة رادعة توقف مسلسل جرائمها . من يشعر باحتراق قلب أفراد أسرة تخيرهم بين هدم بيتهم ذاتيا وهدم جرافات بلدياتها أو جيشها له  ، وفي الحالة الثانية تلزمهم بدفع أجرة هدمه التي غالبا ما تبلغ آلاف الدولارات تبعا لمساحة البيت وعدد طوابقه ،وحجتها الدائمة المنكرة أن البيت بني بلا ترخيص ، ومن البيوت ما سبق بناؤه وجودها المنحوس ، وإذا طلب الفلسطيني ترخيصا ترفض إعطاءه إياه ، وثمن الترخيص آلاف الدولارات . ومصدر أسانا وحرقتنا وغضبنا أنه لا وجود لقيادة فلسطينية ، مثلما أسلفنا ، تستثمر ما تناله قضيتنا ، أعدل قضية في العالم ، من تأييد . " القيادة " في رام الله منصرفة لحماية أمن المستوطنين والجنود الإسرائيليين ، والبلاء الذي يمطره هؤلاء المستوطنون والجنود على الفلسطينيين في الضفة والقدس لا تكلف نفسها لمواجهته إلا بيانات الشجب ، ودعوة المجتمع الدولي لوقفه .  ووقف تنسيقها الأمني مع إسرائيل يكفل وقفه أو إضعافه . تبحث عن الحل في غير موضعه ، أما أمن مستوطني إسرائيل وجنودها فهي تعلم موضعه ووسائله كامل العلم . ومنذ أيام ، ونتيجة لاجتماع عباس مع جانتس وزير الدفاع ،  أوقفت السلطة عمل اللجنة المختصة بتوثيق جرائم إسرائيل . جرائم إسرائيل لا ينقصها التوثيق ، ولو كانت السلطة جادة في هذا التوثيق وتقديمه لمحكمة الجنايات الدولية لقدمت سلاسل متلاحقة منه . وما توثقه منظمة بتسليم الإسرائيلية عن هذه الجرائم فيه ما يكفي لإدانة إسرائيل ، وربما معاقبتها ، ومصداقيته قوية قاطعة لإتيانه من جهة إسرائيلية لا تفتئت على دولتها . والسلطة الفلسطينية الفتحاوية كانت دائما ، وقبل أن تتشكل في الضفة وغزة ، همها الأساسي ألا يظهر منافس  آخر لها في قيادة الشعب الفلسطيني ، وانسجاما مع هذا الهم العارم رأت في حماس عدوا لها ، واستهدفت دائما إقصاءها من الساحة الفلسطينية ، والقضاء عليها بيدها أو بيد سواها منتهى مناها ، وينتابها شعور بالرعب عند تشكيل أي إطار قيادي لفلسطينيي الشتات  وعندما يرتفع صوت مؤيد للقضية الفلسطينية في أي مكان في العالم ينعدم سماع أي نشاط دبلوماسي لأي سفير فلسطيني أو لمكتب من مكاتب فتح للإفادة من هذا الصوت ، وتشجيع أصوات أخرى للسير في مساره . " البلاء في القيادة يا إخوان ! " هكذا حدد عضو في  أول مجلس تشريعي فلسطيني انتخب في 1996 ، وبعد أن ما  قال استقال وهو الذي حاز أكبر عدد من الأصوات في انتخابات ذلك المجلس . عبارة قالها عالم إنسان (أنثروبولوجيا ) كندي يهودي : " من حسن حظ الشعب اليهودي أن الله منحه قيادات صالحة ، وهو ما لم يمنحه الشعب الفلسطيني " .