في الصوم خيرٌ للنفس أيضا

إيمان قاسم

لاشك في أن الصائم يشعر بالجوع والعطش ،  وربما يشعر بميله إلى مامنعه الصوم عنه ، وقد يؤجل بعضُ الصائمين بعضَ أعمالهم ومهامهم إلى مابعد الإفطار  . ونرى الصائم يصبر على ذلك  ، رغبةً في طاعة الله تبارك وتعالى ، كفريضة واجبة على المسلم والمسلمة إن لم يكونا مسافرين أو مريضين أو يوجد أسباب أخرى  تمنحهما فرصة الإفطار  ، ليؤديا الأيام التي أفطراها فيما بعد . وأحكام الصيام ومفطراته شرعا ماعادت تخفى على أحد ولله الحمد .

وهنا نأتي إلى النفس البشرية التي تحب مايروق لها من طعام وشراب ومن جميع ماوهبها الله من الطيبات في هذه الحياة الدنيا .  ولكن نراها تحجم وبكل عزم وإصرار على الامتناع عما يروق لها إلا إذا حان موعد الإفطار . هو أمر إلهي لامناص عن تنفيذه ، بل ينفذه الصائم بكل صدق وبمزيد من الرغبة . ولكن ماذا وراء ذلك .

الإنسان يعيش عمره المحدود ، ويموت في يومه الموعود  ، ويُبعث يوم القيامة حيث الحساب ، ثم الثواب لأهله ، أو العقاب لأهله أيضا ، وهي الجنَّة أو النار . وببشارة من الله على أيدي ملائكته تسعد النفس ـــ التي صامت طاعة لله وابتغاء عفوه وثوابه ـــ ساعةَ مغادرتِها حياتَها الدنيا . تسعد النفس ويالها من سعادة أبدية ، حين يكافئُها الله الذي صامت له جلَّ وعلا . فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أنه قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللــه عليــه وســلم: ( قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَسْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ) متفق عليه، واللفظ لمسلم . وفي هذا الأثر المبارك  نجد الحث على بعض الآداب السامية ، والبشارات الغالية ، ولكن الذي نريده للنفس التي صامت هو : ( كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ) . وهل أجلُّ وأغلى من تلك البشرى التي تأخذ بالألباب ، فلو دعاها رجل محسن ليعطيها مكافأة مـا ، أو دعاها ملك من ملوك الدنيا ليمنحها شيئا نفيسا وغاليا ، فما عسى أن يكون !  وإنما الواهب هنا هو الله الجواد الذي له ملك السماوات والأرض ، إنه العطاء الذي لايمكن لنا نحن البشر أن نتخيله ، إنها الجنان  ، وبابها الريان ، ودرجاتها بين الدرجة والأخرى كما بين الأرض والسماء ، وإنه الخلود الأبدي فيما لاعين رأت ولا أُذُن سمعت ولا خطر على قلب بشر . ناهيك عن ثوابها ـــ أي تلك النفس ـــ  إذا أدركت ليلة القدر  ، حيث يُغفرُ لها ماتقدَّم من ذنوبها . فإن النفس البشرية التي تؤثر ماعند الله على شهواتها ، ورغبت فيما عند الله عمَّــا توفر لها من نعيم الدنيا ، وتعلم علم اليقين بأنَّ ماوعدَ اللهُ سبحانه ، أو بشَّر به رسولُه الكريمُ صلى الله عليه وسلم ، هو الحق الذي لاريب فيه ،  فعند ذلك تعلم النفس قيمة هذه الحياة الدنيا التي أشغلت الناس بزخرفها الزائل ، ونعيمها الذي تنغصه نوازل الدهر ، ورزايا الأيام .

وفي الصوم وفضائله ومزاياه ، وما لأهله في جنات الخلود آيات كثيرات جليلات ، وأحاديث شريفات عظيمات  ، وهو مبثوثة في كتاب الله الكريم ، وفي سُنَّة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم  ، فما أحرانا بالعودة  إلى مراتع الفضل والسؤدد والفخر والاعتزاز  لديننا القويم ، فنهذب نفوسَنا ، ونسمو بأرواحنا ، ونعرف المقاصد الجليلة من فرض الصلاة والصوم وأداء الزكاة والحج وغير ذلك مما أمر الله به الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام حين بعثهم للخلق ... هداية ورحمة كي يفوز بكرم الله منهم مَن آمن بالله واليوم الآخر وأشغل نفسَه بالطاعات والباقيات الصالحات . فللصوم فضائل عديدة من تزكية للنفس ، ومن ثواب جزيل ، ومن كرم إلهي كثير على أعمال قليلة ، ومن بُعدٍ عن السجايا المستقبَحَةِ كالغيبة والكذب وشهادة الزور  والنميمة ، وهاهنا تقويم للسان الذي يأتي بكل هذه المحرمات التي تودي بنفس صاحبها في النار . ونختم بهذا الحديث الشريف الذي يحث المسلمين على الأخذ بقيم الصوم العظيمة من خلال ترغيبهم بما أكرمهم الله به وهم في حياتهم الدنيوية ،

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين، ومردة الجن، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة، فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك كل ليلة) رواه الترمذي .