أهلا شهر الخير

إيمان قاسم

لاينكر أحد مافي شهر رمضان المبارك من الخير . الخير في الإقبال على الله سبحانه وتعالى ، وتجديد الإيمان وتقوية اليقين ، والتقرب إليه سبحان بالصوم والصلاة وتلاوة القرآن الكريم ، والاستزادة من ذكر الله تعالى آناء الليل وأطراف النهار . الخير  في مدِّ يد البر للمحتاجين ، والبحث عن الأسر المستورة التي تكاد تحسبها في حالة من الغنى وعدم العوز . الخير في تصفية القلوب ومسامحة الناس ، والاعتذار إلى مَن أخطأ الإنسان في حقهم ، وإخراج مافي الصدور من حقد وحسد وضغينة ، فَخُلُقُ المسلم صورة من أخلاق الإسلام العظيم ، ولا أظنها تخفى على أحد ، ولها فصول وأبواب مكتبتنا الإسلامية الوارفة الظلال بمزايا الأخلاق الإسلامية العالية مشرعة لمَن يرجو رحمة الله ورضاه ، ويغذي روحه بعد جوارحه من نسائم المغفرة ، ومن عُلُو الدرجات  . الخير في محافظة الإنسان على صحته ، وعلى أهله وذويه من فساد هذا العصر ومغرياته المزيفة ، فللنفس حقوق وللأهل حقوق ولعامة الناس حقوق ، والواجب أن يُعطَى كلُّ ذي حق حقه ، يقول نبيُّنا صلى الله عليه وسلم : ( إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فآت كل ذي حقٍ حقه ) . الخير  في أن نجعل هذا الشهر الأغر الميمون قوةً جارفةً لكل الخلل الذي أصاب أمتنا وأنفسنا وواقعنا المرير ، وأن نرد سطوة وسائل الإعلام الفاسدة  المفسدة عن طهارة أبنائنا وبناتنا ، وسائر المسلمين الذين يكيد لهم الأعداء باسم التقدمية وباسم الرفاهية ،  وبما تقدمه وسائل الإعلام المتنوعة التي دخلت البيوت ، ووصلت إلى كل عين وأُذن ، بل وإلى القلوب التي لم تعد سليمة كما أرادها لنا شهر الصوم بقيمه الروحية العالية . فالصوم الحقيقي ليس في كف البطن عن طعامها وشرابها ، ولكنه يرقى بالإنسان على مدارج الكمال قدر استطاعته ، فيحفظ عينه عن النظر الحرام ، وأذنه عن أن تستمع  لِما حرَّم الله سماعه ، ولسانه عن البذاءة والغيبة والنميمة والكذب وشهادة الزور ، واللسان وما أدراك مايلحق الإنسان من شرور  وذنوب من لسانه إن لم يَصُنْه ، وقلبه عن أن يقع في مستنقعات الأهواء والإغواء ، وأن لايغره الشيطان الرجيم فيجعله في حالة من العمى وعدم إدراك العواقب . الخير في أن يجدد تلك المعاني المغدقات بأسباب السعادة الأبدية ، وأن يرجع إلى معجمها الرباني العظيم ... التقوى ، قيام الليل ، صدقة السر ، تلاوة القرآن الكريم ، النظر في كتب السُّنَّة المطهرة لأئمتنا الكرام البخاري ومسلم وابن ماجة والنسائي  وغيرهم من أهل الحديث جزاهم الله خيرا وغير ذلك من مفردات أخرى في هذا المجال وهي كثيرة . كما يتحرى الصائم أوقات السَّحر ، وساعة الإفطار فيبتهل إلى الله عزَّ وجلَّ ويدعوه ويلح في الدعاء لنفسه ولأهله ولأمته ولمَن غادروا الدنيا وهم الآن في عالم البرزخ  عند الله رب العالمين . الخير في أقوالنا وأفعالنا ساعات الليل والنهار  ، والبعد كل البعد عن سلوك خاطئ ، وقول جارح ، وتصرُّف قبيح ... حيث تُستقبح تلك المنكرات ، وتزيد الخلل في حياتنا الاجتماعية التي أفسدتها حضارة العصر الزائفة ، حضارة السفور والفجور  والتفلت الأعمى في كل الأمور . أين فضائل أمتنا ، وأين أخلاق أجدادنا الذين فتحوا أصقاع الأرض بأخلاقهم قبل قتال الطواغيت أعوان الشيطان .

إن للصوم مزايا ، وله العديد من الدلالات التي بينها لنا رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فحريٌّ بنا أن نعيد إلى حياتنا الاجتماعية ما كان لها من إرشاد وقيم وثواب ولعلنا في هذه العجالة نقرأ الحديث النبوي الشريف : قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الصيامُ والقُرآنُ يَشفَعانِ للعَبدِ؛ يقولُ الصيامُ: ربِّ، إنِّي منَعْتُه الطعامَ والشَّهَواتِ بالنَّهارِ فشَفِّعْني فيه، ويقولُ القُرآنُ: منَعْتُه النومَ باللَّيلِ فيُشَفَّعانِ). إنها الشفاعة التي يتمناها كل مخلوق يوم العرض على الله ، وهي الآن بين يَدَي كل مسلم وكل مسلمة . ويقول صلى الله عليه وسلم عن ربه سبحانه : (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له إلَّا الصَّوْمَ، فإنَّه لي وأنا أجْزِي به، ولَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ). هنا نهاية الكرم الذي يكاد الصائم يطير فرحا لو أيقن بوعد الله الكريم : ( إلا  الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ) . فطوبى لأهل الصوم صومهم ، وطوبى لهم عطايا ربِّهم في جنات الخلود .