قتلوه لأنه مصري

يحيى مصطفى كامل

حين جأرت أم جوليو ريجيني (أحد أشهر ضحايا النظام المصري حتى وقتنا) بكلمتها التي اشتهرت بعد ذاك «عذبوه وقتلوه كما لو كان مصرياً»، على الأغلب لم تكن لتدرك أو لتحدس وقع الكلمة على نفوسنا ومدى إيلامها؛ لكن الأمض والأكثر إيجاعاً أنها لا تعرف ولم تر حقيقة ما يحدث للمصريين الأصلاء، فعدا مشاهير المساجين الذين لا يحظون بعُشر الاهتمام، فإن أحداً لا يسمع بالمصريين الذين يقبعون في السجون ليتآكلوا ويذووا في صمتٍ معذب، أو ليُصفوا ضرباً بالرصاص، ثم يُزعم أنهم إرهابيون فينشر الإعلام صورهم مقيدي الأيدي وبجوارهم أسلحةٌ ملقاة في إخراجٍ رديء يلائم ويليق برداءة النظام العامة في لفتة انسجامٍ واتساقٍ نادرة.

لذا، فحين كتبت إبان عودة الموضوع للصدارة متزامناً مع توجيه الادعاء الإيطالي الاتهامات بالضلوع في جريمة تعذيب جوليو وقتله إلى أربعة ضباطٍ مصريين، أكدت على هذا التفاوت بين المصريين الكثر ضحايا النظام والإيطالي، وذكّرت الجميع بالأربعة أو الخمسة ضحايا الميكروباص الذين قُتلوا بدمٍ بارد للتغطية على الجريمة تحت ادعاء تشكيلهم عصابة لسرقة الأجانب.

أي أن النظام باختصار لم يجد أي مشكلةٍ أو غضاضةً في التغطية على جريمةٍ بجريمةٍ أخرى تفوقها من حيث عدد الضحايا، طالما كانوا مصريين من طبقةٍ اجتماعيةٍ أدنى من أحزمة الفقر، ووهاد العوز العديدة التي تحيط بجزر الوفرة الضيقة في مصر.

ولأن النظام هو..هو والعقلية الحاكمة لم تتغير، يظل الطارئ أو المتحرك الوحيد هو احتدام أزمته الاقتصادية التي لن ينجح في ردمها بالتجاهل أو الادعاء بعدم وجودها أو الإلقاء بلائمتها على الحرب في أوكرانيا، أو التصحر في أستراليا، وتظل آلياته كما هي: العنف، إما ضرباً أو إسكاتاً بالحبس، أو الإسكات الأبدي بالتصفية وتدمير المادة البشرية، فالموتى حتى آخر علمي لا يتكلمون، على الأقل ليس الآن، لا ينتقدون ولا يشيرون إلى مواطن الخلل والتقصير.

من بوابة انفلات العنف الدموي بقدر ما هو عبثي لا يخضع لأي منطقٍ أو جدوى، تلك البوابة الواسعة المؤدية إلى جحيمٍ أرضي، عبرت جريمة قتل الباحث الاقتصادي أيمن هدهود، تلك الجريمة المفزعة بقدر ما هي كاشفة، والتي لا تزيدها تفاصيلها من العنف والبشاعة والقسوة إلا إرهاباً وإرعاباً. لمن لا يعرفه، فالراحل باحثٌ اقتصاديٌ مرموق، وكان عضواً بالهيئة العليا لحزب الإصلاح والتنمية الذي يرأسه (أو يملكه في الحقيقة فليس هناك فرق) محمد أنور السادات. ثمة تفاصيل نعرفها يقيناً، فقد أُلقي القبض عليه في الخامس من فبراير الماضي من قبل جهاز الأمن الوطني لتتلقى أسرته اتصالاً هاتفياً في التاسع من إبريل تخبرهم بوفاته، وتطلب منهم الحضور لاستلام جثته من مشرحة مستشفى العباسية للأمراض النفسية، ليتبين لهم أنه لقي حتفه في الخامس من مارس، أي منذ ما يزيد على الشهر! لم تكن تلك بالمفاجأة الوحيدة المزعجة، بل المرعبة، فالقصة كلها ملأى بمفاجآتٍ كلها مرعبة وعبثية تماماً، فبين القبض عليه واستلام جثته سلسلة كاملة من الكذب والتلفيق والتشويه والتضارب بينها جميعاً من قبل أجهزة الأمن والنيابة ومستشفى العباسية.

في البداية استُدعي أشقاؤه من قبل الأمن الوطني لتوجيه عدة أسئلةٍ عن أخيهم المعتقل مؤكداً احتجازه لديهم، ثم بعد وساطاتٍ وتساؤلاتٍ استغلت فيها الأسرة كل علاقاتها مؤثرةً تلك السبل على الطرق الرسمية، خوفاً من البطش بأخيهم، توصلوا إلى أنه نقل إلى مستشفى الأمراض العصبية، التي أكد المسؤولون فيها وجوده لديهم، وإن منعوا من زيارته متذرعين بالأوامر الأمنية (وهو الأغلب لدينا) ثم أنكروا وجوده، ومن ثم عادوا للاعتراف به مشترطين إذناً من النيابة العامة للسماح بزيارته! أثناء ذلك، لم يتوقف طواف الأهل على النيابة العامة والمعارف ومحمد أنور السادات، الذي ما فتئ يضطلع بالقيام بدور الوسيط مع أجهزة أمن النظام في شأن المعتقلين والمختفين قسرياً، وكل ذلك من دون جدوى. أثناء ذلك أيضاً تم الادعاء بأن الراحل بدت عليه أعراض اضطرابٍ نفسي، وأنه كان يلاحق سيدةً في مكانٍ ما، بل اتُهم بمحاولة سرقة سيارة في مدينةٍ ريفية شمال القاهرة! ثم تسلمت أسرته جثته من ثلاجة المستشفى.

استلمتها وقد ظهرت عليها أعراض التعفن، لكنها لم تخفِ آثار عنفٍ وضربٍ وكسورٍ في الجمجمة، بيد أن المفاجآت لم تنته إذ اكتشفوا أن تصريح الدفن يحدد مقابر الصدقة كونه مجهول الهوية، مع العلم أن بطاقته الشخصية كانت بحوزته!

على بشاعة التفاصيل التي تفعم النفس بالغضب والحزن، إلا أن العقل المتسائل بطبعه وجبلته، لن يلبث أن يلاحظ التضارب ويطرح الأسئلة، وعلى رأسها: لماذا كل هذا؟ لماذا قتلوا أيمن هدهود؟ ما التهديد الذي يشكله شخصٌ مثله على النظام؟ فهو كما نعلم شخصٌ «رسمي» تماماً، لم يُعرف عنه لا علو الصوت ولا النقد اللاذع ولا توجيه السباب للنظام (على الرغم من استحقاقه لذلك في نظرنا) لم يكن متطرفاً في أي شيءٍ ولم ينضم لحزبٍ سري، ثم أنه يكتب ويتكلم في الاقتصاد، وهو مضمارٌ على خطورته لا يفهم جل الناس فيه وقد يجدون (وأنا منهم) عباراته ومصطلحاته جافةً نوعاً ما، وبالتأكيد ليست مُلهبةً، وقد تتنبأ بكوارث بصيغٍ علمية عن معدلات الدين وميزان المدفوعات تفوت على أغلب الناس، أي أن الراحل لم يكن قيادياً سياسياً شعبوياً ذائع الصيت منتشراً في وسائل الإعلام، ومن ثم معروفاً للجمهور ينعق عن الخراب المقبل (وهو مقبل بالمناسبة ) ويندد بجرائم النظام.

الأغلب والمرجح لدينا، أنه ربما، وأؤكد ربما، أعرب عن استيائه من السياسة الاقتصادية، بطريقةٍ فاترةٍ ولطيفةٍ توائم ما يصلنا من انطباعٍ عنه، وفق اختياراتٍ على رأسها انتماؤه الحزبي، إلا أنها لم ترُق لمن وصلتهم من ضباط الأمن؛ وعلى الأرجح أيضاً أنهم لم يريدوا قتله، وأن الذي تولى التحقيق معه (ربما من الأدق أن نقول التبكيت والتعنيف والبهدلة إذ لا مجال للتحقيق) احتد عليه لسببٍ ما فأفلت الغضب الكامن من زمامه ورغبة الانتقام القديمة الراسخة في نفس ضباط الأمن من «الثورجية»، أي كل من تحمس أو آمن بيناير و»الأفندية»، أي المثقفين فقتله، لكن لما كان الراحل ليس بنكرة، وينتمي إلى وسطٍ اجتماعي مرموق وقامت أسرته بتحريك كل علاقاتها واتصالاتها، فلم يتيسر دفنه وإخفاؤه تماماً فظهرت الحقيقة.

على ألمنا الحارق لا بد من أن نرى عبر الراحل أيمن طبيعة هذا النظام ودولة الرعب والقتل المجاني التي شيدها السيسي، وفي القلب منها الآلة الأمنية المنفلتة تماماً، فهي تعمل في ظل ضوءٍ أخضر لا شك فيه ويقينٍ بأن أحداً لن يُلاحق أو يُحاسب على أي جريمة قتل في ملف أمن الدولة، كما أنه ليس هناك أي منطق أو فهم واضح لكل ما من شأنه أن يستفز تلك الآلة للوثوب والبطش كما أنه ليست هناك أية ضمانات.

شخصياً لم أربِ أية أوهامٍ عن طبيعة هذا النظام في أي وقتٍ من الأوقات ولم أرَ لإصلاحه سبيلاً، ولا ينفي ذلك أن قسوته وقبحه اللذين لا قاع لهما لم يزالا يدهشانني، لكن هذه الجريمة لا بد وأن تفتح عيون الناس على حقيقة الوهم الذي يؤمنون به (ربما خداعاً للنفس لكي يتمكنوا من الاستمرار) بأنه بالإمكان تفادي بطش النظام بتجنب الكلام في السياسة أو التعرض بالنقد أو السخرية من السيسي، فالثابت الآن أن المحظورات عباءةٌ واسعة ورحبة، تسع الكثير والكثير من الترهات والسخافات.

لقد زاد هذا النظام الباطش من رعب الناس، ومن ثم سلبيتهم، وزاد نفوسهم تشوهاً وبث الرعب في حياتهم والكوابيس في نوم بعضهم، حتى وصل القهر بالناس إلى تفضيل السكوت، مخافة أن يتعرض ذووهم للمزيد من العسف أو التصفية الجسدية، من جراء استفسارهم أو لا سمح الله طلب الرحمة أو إخراجهم. لقد فُرم أيمن وهرس تماماً واغتيل معنوياً ومادياً. لقد قتل أيمن لأنه مصري، لأنهم يقدرون على ذلك، بلا حساب ولا مساءلة، فهكذا يُعذب ويقتل المصريون من قبل نظامٍ يعتبر مواطنيه من أملاك الدولة ولا ثمن لهم. من ناحيةٍ أخرى، وفي مفارقةٍ سوداء، فلعل قتل أيمن كان أقل تكلفةً على الشعب المصري من ريجيني الذي صفوا بسببه أربعة أو خمسة مصريين بدمٍ بارد.

ليست هذه بالجريمة الأولى ويقيناً لن تكون الأخيرة، وغاية ما هنالك أنها التي عرفنا، على الأغلب بسبب خلفيته الطبقية والاجتماعية، ومن ثم سعة اتصالاته التي مكنت قصته من الوصول إلى منصات التواصل الاجتماعي، ومن ثم الشيوع على نطاق طبقةٍ تشعر بالتهديد المتزايد من آلة العنف المنفلتة، أما غيره، كالأربعة أو الخمسة الذين قتلوا في حادثة ريجيني فلم يحتفِ بهم الكثيرون وسرعان ما يطويهم النسيان، وغيرهم المئات، بل الآلاف يدفنون في مدافن الصدقة أو ربما في حفرٍ في الصحراء.

لذا فلئن كان الوهم في إصلاح هذا النظام ترفاً يقدر عليه البعض من قبل، وغفلةً قد نجد لها العذر فقد تحول الآن إلى تواطؤٍ على تدمير الذات وتصريحٍ بالقتل وأكاد أن أقول شراكةً في جريمة. لقد رخُص الدم ورفعت المحاذير ولم يعد للعنف سقف والسيسي ماضٍ في هذه الطريق استدانةً وتبذيراً وعنفاً حتى النهاية، فأما آن أن نفيق؟