ليبيا: فاتورة توقف النفط والفواتير السياسية وأمل الليبيين في حل سريع ومرتقب

علي عبد اللطيف اللافي

لا خلاف في أن موجة الإغلاقات الجديدة والتي طاولت العديد من الحقول والموانئ النفطية الليبية خلال الأسابيع الأخيرة، قد زادت في تأزيم الوضع الليبي على أزماته السابقة والتي وجدت وترتبت على حالة الانقسام القائمة منذ 2014 رغم الحوار والخارطة الأممية ومسارات الحل الأربع (مسار سياسي- مسار اقتصادي – مسار 5 زائد العسكري – مسار دستوري)، ومعلوم للجميع أن مكونات اجتماعية وبدفع خفي وغير مباشر  من حفتر وقواته وبأشكال واجهية مختلفة  وخاصة في الجنوب والوسط قد عَمدت الى ذلك الغلق المرتب والممنهج، وهو الأمر الذي دعا في الأخير  مؤسسة النفط الوطنية لإعلان حالة القوة القاهرة على ميناءين وحقلين نفطيين توقفا عن العمل والإنتاج، ومنذ أيام توقف أيضا الإنتاجفي حقلي “الشرارة” و”الفيل”، بعدما أقفل مسلحون صمامات مؤدية لموانئ التصدير، وكل ذلك أدى إلى فقدان 330 ألف برميل في اليوم، وخسارة يومية تتجاوز 160 مليون دينار ليبي (حوالي 35 مليون دولار)، وقد أعلن المسلحون أن الإغلاق جاء لعدم امتثال رئيس مؤسسة النفط “مصطفى صنع الله”، للتحذيرات من تحويل إيرادات النفط لحكومة الوحدة الوطنية التي يرأسها عبدالحميد الدبيبة، والتي أعلنت استلامها 6 مليارات دولار على دفعتين لحساب وزارة المالية في مصرف ليبيا المركزي، فماهي الخيوط الناظمة بين فاتورة النفط وبين الفواتير السياسية والتي دفعتها ليبيا منذ سبتمبر 1969 والتي ازدادت حجما وتفاصيلا منذ بدايات 2015 وحتى اليوم، وماهي فرص أمل الحل المرتقب والجاري ترتيبه وتنزيله في قادم الأسابيع ولتجسيده بين جوان/يونيو القادم وبين منتصف 2023 وعبر خارطة طريق جديدة ولكن هل هي قابلة للتنفيذ فعلا؟  

فاتورة النفط والفواتير السياسية وآمال الليبيين الكبيرة

ومن المؤكد أيضا أن انخفاض الإنتاج الليبي الناجم عن ذلك التوقف قد يُعرقل تحقيق المزيد من الانخفاضات المرجوة للأسعار، خاصة إذا انتقلت الصراعات الليبية الداخلية إلى المزيد من الموانئ والحقول النفطية وبما يعني المزيد من انخفاض الإنتاج،

ومعلوم أن سفارة واشنطن لدى ليبيا قد نشرت منذ أيام قليلة عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك فحوى مباحثات هاتفية دارت ما بين السفير الأميركي لدى ليبيا “ريتشارد نورلاند” ونائب مساعد وزير الخزانة الأميركية “إريك ماير” مع محافظ مصرف ليبيا المركزي، عبرت فيها الولايات المتحدة عن قلقها بشأن “توقف نصف إنتاج النفط الليبي، وقد نقل البيان عن نورلاند أيضا قوله إن “الاضطرابات القسرية والممتدة في إنتاج النفط تؤدّي إلى خلق ظروف عصيبة للشعب، بما في ذلك انقطاع الكهرباء ومشاكل إمدادات المياه ونقص الوقود وتدمير البنية التحتية للنفط، ممّا يهدّد مستقبل قطاع الطاقة الليبي وقدرته على الاستمرار في توليد الإيرادات”، وبغض النظر أن الانزعاج الأميركي والغربي الأكبر قائم فقط على  التخوف من الارتفاع مجدداً في الأسعار او يتجاوزه لأهداف أخرى من بينها مصالحها الاستراتيجية مع ليبيا والليبيين[1]، خاصة وأن الارتفاع في أسعار النفط سيتسبب في المزيد من ارتفاع الأسعار على مستهلكي تلك الدول بعد وصولها لأرقام قياسية تسببت في موجة من التظاهرات المنددة بتلك الارتفاعات، خاصة أنها تُهدد التكاليف الإنتاجية لكل السلع الأخرى بما يعني تَغذيتها لارتفاع جديد في معدلات التضخم التي تتوالى أرقامها القياسية حول العالم.

ثالثا، لا شك وأن الليبيين وهم الذيم ملوا المعارك والخصومات والتباينات والتجاذبات وكل أنواع الصراعات قد استبشروا خيراً بمعاودة إنتاج النفط العام الماضي وتعويضه بعضاً من خسائره السابقة مع نهاية نفس العام – والذي تجاوزت فيه الإيرادات النفطية حوالي 21 مليار دولار- ولكن الثابت أن آمالهم تتجاوز ذلك وطالبوا في أكثر من تحرك جماهيري بضرورة التفات الحكومة الليبية للمشروعات التنموية المختلفة والمتوقفة منذ عدة سنوات بسبب الحرب، بل وتزايد ذلك التفاؤل بشدة بعد الارتفاعات القياسية لأسعار النفط والتوقعات بإيرادات تساهم في إحداث نقلة نوعية على مستوى البنية الأساسية والمرافق العامة التي طالت معاناة الليبيين من تراجع مستواها وعدم القدرة على تجديدها، وهنا لا يمكن تغييب حقيقة يعرفها العارفون بأبجديات وخصوصيات الاقتصاد الليبي وهي أهمية استخدام تلك الأموال في دعم ومنح الإعفاءات اللازمة للقطاع الخاص بهدف توجيهه الإنتاج بدلاً من استيراد السلع والخدمات ومراقبته وحمايته إضافة لإعادة تشغيل المصانع التي توقفت بسبب الصراعات والحروب سنة 2011 ثم بعد 2014 ومن ثم السعي لاستكمال المشروعات المتوقفة خاصة في قطاع الإسكان، وهي الإجراءات التي من شأنها العمل على تنويع أنشطة الاقتصاد والهروب من براثن الريعية التي يُعَاني منها.

ولكن سرعان ما تبخرت تلك التطلعات جراء عودة الخلافات السياسية ومعاودة إغلاق الحقول، وهو الأمر الذي من المؤكد أنه سيتسبب في خسائر كبيرة للشعب الليبي، لن تتوقف فقط عند حدود تأجيل الأحلام حول بنية أساسية محترمة تليق بالشعب وتتناسب مع موارده الضخمة، ولا عند تأجيل المشروعات التنموية المعطلة منذ سنوات، ولكن الخسائر ستمتد بداية إلى ضياع فرصة البيع بأسعار مرتفعة استثماراً للموجة الحالية عالمياً التي ربما لن تستمر طويلاً حال صدْق التوقعات بحدوث أزمة كساد دولية، كما أنه من المرجح أن تمتد الخسائر كذلك إلى حالة عدم اليقين حول صرف رواتب العاملين في الجهاز الحكومي للدولة في مواعيدها، وهي الأزمة التي طالت المعاناة منها سابقاً، في ظل الصراع بين مؤسسات الدولة ومحاولة تسييس واستغلال حق الموظفين والعاملين في القطاع العام وتوظيف حقوقهم الاقتصادية والقانونية لصالح بعض الفصائل المتصارعة على حساب البعض الآخر، وهو الأمر الذي شكل انتهاكاً صارخاً للحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، وتزداد خطورة احتمال عدم انتظام الرواتب في ظل موجة ارتفاع الأسعار العالمية خاصة أسعار السلع الغذائية الرئيسية جراء الحرب على أوكرانيا، واضطرار الحكومة لدفع المزيد من الأموال لدعم السلع التموينية المقدمة للمواطنين، خاصة الفقراء منهم والذين لا يمتلكون المال الكافي للشراء بالسعر السوقي السائد.

كُلفة الفواتير السياسية والأمل المتنامي في انهاء المرحلة الانتقالية سريعا