رأي أعلم في الشيخوخة والهرم

محمد شركي

جرت عادة الناس في مختلف المجتمعات، والثقافات، والمعتقدات أن  يهتموا بفترات من عمر الإنسان ، وتحظى بعنايتهم و كبير اهتمامهم  من صبى  يكون أول عهد بالحياة ، ومن شباب يليه ، ويكنون عن هذا الأخير بربيع العمر تشبيها له بأزهى، وأخصب فصول السنة  التي تزّين فيه الطبيعة ، وتبلغ أوج فتوتها، وجمالها، وزخرفها ، وفي المقابل يهملون فترة الشيخوخة والهرم، ويكنون عنها بخريف العمر تشبيها لها أيضا بفصل موات الأرض وجدبها ، ويتشاءمون  ، ويشمئزون منها ، ويطلقون عليها أسماء تعكس هذا التشاؤم والاشمئزاز ،من قبيل  الشيخوخة وتعني التقدم في السن أو العمر ، وهي كبر ـ بكسر الكاف وفتح الباءـ أي زيادة وتقدم  في العمر  أو تعمير  ، والهرم ، وهو بلوغ منتهى الكبر ،  والشيب أو الشيبة أو المشيب حين يكتسح الهامة بياض ،  الوهن، وهو ضعف حين تفتر قوة العظم ، والخرف حين تتعطل قوى العقل ، والعشو أو العشي  حين يضعف البصر ... إلى غير ذلك من الأوصاف والنعوت التي تلتقي كلها عند شيء تأنف منه النفوس، وليس بعدها سوى الهلاك ، والرحيل من دار الفناء إلى دار البقاء .

ومع ما يبديه الناس من شفقة على من تدركه الشيخوخة ،ويبلغ من العمر عتيا ، وهم في الحقيقة إنما يشفقون على أنفسهم من بلوغه، فأنهم يتعوذون  بالله عز وجل من بلوغها خصوصا مبلغ  أرذل العمر ، وهو منتهاه  حيت يخمد وهج البصيرة، فيزول علم  من يدركه ، ويصير لا يعلم بعده شيئا .

ومعلوم أن أول ما يرجع إليه للحديث عن الشيخوخة هو أصدق الحديث ، وهو كتاب الله عز وجل ، وحديث رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن ذلك قوله تعالى : (( ومن نعمره ننكسه في الخلق )) ،والانتكاس هو الانقلاب رأسا على عقب  ، ويقال:" نكس الجنين إذا خرجت رجلاه قبل رأسه" ، والمقصود في الآية الكريمة  انقلاب من قوة إلى ضعف بدنيا ، وعقليا ، ونفسيا ، وقوله تعالى أيضا : (( ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا )) ،والرذالة رداءة  وقبح ، وهي ذهاب  البصيرة وامحاؤها، وقوله تعالى أيضا : (( الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير )) ، وهذه الآية تصف الدورة البشرية ـ إن صح التعبير ـ  بدايتها ضعف تليه قوة ويعقبها ضعف مرة أخرى علامته الشيب وذلك أشبه ما  تكون بالدورة الطبيعية  خريف يليه ربيع ثم  يعقبه خريف مرة أخرى ، ولا غرابة أن تتشابه الدورتان والإنسان ابن الأرض  قد خلق من ترابها . ومما يؤكد قول الله عز وجل في الشيخوخة ما جاء في كتابه الكريم على لسان نبيّين كريمين إبراهيم الخليل و زكرياء عليهما السلام إذا قال الأول  للملائكة وقد بشر بإسحاق عليه السلام وهو شيخ  : ((  أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون )) ، وهو يستغرب  الإنجاب وقد شاخ وكبر ، وقال الثاني  حين بشر ربه أيضا  على كبره  ييحيى عليه السلام : ((  رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا )) وقد استغرب هو الآخر الإنجاب مع وهن وشيب . وقد استغربت ذلك أيضا زوجتاهم عليهما السلام .

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه يتعوذ بالله تعالى من الهرم  ، وهو انتكاس ، ورذالة ورداءة ، ووهن عظم ، وعشو أو عشي ، وشيب  ، وضعف عقل  أو عطله ، وذلك  إيذان بانتهاء التكليف، وليس بعده سوى انتقال من دار عمل وسعي إلى دار جزاء .ومع تعوذه صلى الله عليه وسلم بالله  من الهرم ، فإنه امتدحه أيضا  حين يقترن بطاعة الله عز وجل حيث قال : "  من شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورا يوم القيامة "

ولا شك أن نفور الناس  من الشيخوخة والهرم له أصل في دين الله عز وجل وعلة ذلك أو سببه  الضعف والعجز  والانتكاس جسدا وعقلا ومشاعر ، وهذه مجتمعة  هي  منتهى المعاناة.

ومما جاء في  الثقافة العربية عن الشيخوخة بعض الأقوال شعرا ونثرا ، نذكر منها على  سبيل الذكر لا الحصر قول الشاعر  زهير ابن ابي سلمى :

سئمت تكاليف الحياة ومن يعش = ثمانين حولا لا أبا لك يسأم

وقد ربط ههنا  بين السأم من الحياة، وهي التي لا يسأم منها في مقتبل العمر وبين الشيخوخة  ، وكفى بذكر السآمة مؤشرا على ذم الهرم والشيخوخة .

وقول الشاعر  أبي العتاهية :

أيا ليت الشباب يعود يوما = فأخبره بما فعل المشيب

وهذا البيت عبارة عن تحسّر على ربيع العمر وذم لخريفه .

وقول الشاعر المعري :

 وإذا الشيخ قال أف فما ملّ = حياة وإنما الضعف ملا

آلة العيش وصحة وشباب   = فإذا وليّا عن المرء ولّى

وهذا أيضا تحسر على الشباب ، وذم للشيخوخة.

ومما ينسب إلى الإمام علي كرّم الله وجهه قوله :

ذهب الشباب فما له من عودة = وأتى المشيب فأين منه المهرب

ضيف ألم إليك لم تحفل به       = فترى له أسفا ودمعا يسكب

 وهذا أيضا من الأسى والحسرة على الشباب والفتوة  لأنهما فترة العطاء ، وذم للشيخوخة والهرم لأنهما فترة عجز .

وقول المتنبي :

فاقصر جهلي اليوم وارتد باطلي = عن الجهل لمّا ابيضّ مني الغدائر

ويشذ المتنبي  في  بيته هذا عما سبق إذ يرى الشيخوخة رزانة واتزان بعد جهل الشباب ، ولا يستغرب منه ذلك ، وهو الشاعر متضخمة أناه وهو المشهور بقوله  الذي كان سبب حتفه :

الليل والخيل  والبيداء تعرفني  = والسيف والرمح والقرطاس والقلم

ومن كان هذا شأنه يكون رأيه  في الشيخوخة لا محالة مخالفا لما درج الناس عليه من ذمها.

أما ما جاء من أقوال عن الشيخوخة في النثر، فكثير يغني عنه ما سبق ذكره من أشعار، وهي أبلغ ، وأوفى بالمراد .

وبعد هذا الذي ذكرنا لا بد من تنبيه إلى من يشيخ ويهرم ويشيب ،لا تكون نظرته إلى نفسه كنظرة الناس إليه ، فهم يرونه شيخا هرما كساه الشيب ، ووهن عظمه ، وتقوس ظهره ، وضعف بصره وسمعه مشفقين عليه، لكنهم لا يدركون نظرته إلى نفسه، ذلك أن ما يختزنه في ذاكرته من ذكريات الصبا والشباب والفتوة يظل ملازما له حتى أنه يقر في نفسه أن الذي تغير منه هو ضعفه الحسي مع يقينه بمحافظته على  كامل قوته المعنوية ، وهو بقدر ما يتأسف على أفول شبابه، يسعد باستحضار ذكرياته الماضوية  ، وقد يقول إن كان الشيب كسا الهامة ، والوهن سكن العظم ، والعشو غشى البصر ، فإني ما زلت في قمة  شبيبتي العقلية والنفسية ، وقد يقال له ذلك ، فيطربه له أشد الطرب ، وإنه ليحن إلى ما كان يصدر عنه في صباه وشبابه ، وهو ما يعتبره غيره تصابيا ،وهو تكلف الصبا، و قد يعيّر به إلا أنه لا يراه كذلك . ومن يدرك شيئا من هذا الذي  يحس به الشيخ قد يكون أقرب من فهم أو تفهم ما لا يدركه أغلب الناس عنه . وإن من الشيوخ والعجائز من يغضبه الإشفاق ، ويرى فيه سبة وإهانة بل منهم من يأبى التصريح بحقيقة عمره ، وقد يحاول طمس معالم الشيخوخة بتسويد الشيب ، ومعالجة تجاعيد الوجه  واليدين ، ويحاول محاكاة الشباب في حركاتهم ، وهيئاتهم وهندامهم أو لباسهم ، ويبالغ في ذلك كرد فعل على شفقة لا يرضاها لنفسه .

وعلى العكس من ذلك فئة من الشيوخ والعجائز يرتاحون إلى ما يلاقونه من توقير واحترام ، وهو ما يجعلهم يربئون بأنفسهم عن محاكاة الشباب صيانة لوقارهم كما هو حال  الشاعر أبو المظفر القائل  :

عيّرتني بالشيب وهو وقار  = ليتها عيّرتني بما هو عار

إن تكن شابت الذوائب مني = فالليالي تنيرها الأقمار

ولا زال الشيوخ دائما  يرددون قوله هذا حتى صار موالا  يغنى ، ويسلون به أنفسهم ويعزونها إذا ما بدر من أحد ما يعيب شيبهم  وشيخوختهم .

ومما يحتفظ به الشيب ، ويحاولون التكتم عليه ما وسعهم ذلك هاجس فراق الدنيا  الذي يؤرقهم ، وهو ما لم يكن يخطر لهم على بال وهم شباب لطول الأمل في الحياة حينئذ . وقد يظهر بعضهم شيئا من الشجاعة المتكلفة وهو يعبر عن استعداده للرحيل عنها غير هيّاب ولا وجل لأنه يكره أن يظهر من ذلك شيئا يعاب عليه .

ويحتفظ الشيب فيما بينهم بأحاديث لا يطلعون عليها غيرهم حذر الكشف عنها لأنها مما يسرونه ويكتمونه ولا يبدونه ، وهو خليط من الأسى على الشباب حين تسترجع الذكريات الخالية ، وقد يتندرون بذلك للترويح على النفس ، وما هي في الحقيقة  بمرتاحة والرؤوس مشتعلة شيبا ، والعظام قد وهنت ، والسمع والبصر قد ضعفا ، والذاكرة اعتراها الضعف .

ويميل الشيب إلى أحاديث الحكمة مع الشباب ، ويطربهم إعجاب هؤلاء بها إلا أن بعضهم يحرص على مشاركتهم أحاديث شبيبتهم ليؤكد لهم أن الذي شاب إنما هو شعر الهامة وقد وعت عقلا وهاجا يفيض إشعاعا ، وهو ما يجعل الشباب يميل إلى أحاديثهم وهم بين إعجاب به لا يخلو  من تندر بهم إذا ما خلا هؤلاء إلى بعضهم البعض ، وهو ما يحز في نفوس الشيب إذا ما أحسوا بشيء من ذلك .

ويميل الشيب إلى عرض صورهم وهم شباب فيما يشبه عزاء لأنفسهم ، وهم بذلك يبررون ما  فعلته الشيخوخة بهم ، ويطربون لما يبديه غيرهم من إعجاب بتلك الصور المشعة فتوة وشبابا ووسامة .

هذا رأي أعم في الشيخوخة والهرم و قد شهد  به شاهد من أهله ، وقد تكون لغيره من الشهود آراء وشهادات أخرى طريفة يكون فيها للشباب عبرة  كقول الذي صار قوله ينقش على شواهد المقابر :

قف واعتبر يا من يرى = قبري وما بي قد جرى

بالأمس كنت نظيركم   = واليوم يحويني الثرى

والشيب أحياء وأموات سيّان في مثل هذا القول .