حارث بن سليمان بن ضاري آل محمود الزوبعي

محمد علي شاهين

إنّ أهل السنّة في العراق رقم صعب، ولا يمكن أن تكون أي معادلة سياسيّة بدونهم

(1360/1941 ـ 1436/2015)

محمد علي شاهين

m_ali_shahee[email protected]

الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق، أستاذ الحديث في عدد من الجامعات العربيّة، أحد رموز النضال الوطني العراقي.

ينتمي إلى قبيلة الزوبع من عشائر العراق، وهي فرع من (الحريث) من (طيء) اشتهرت بمقاومة الاحتلال البريطاني، وكان جدّه الشيخ ضاري المحمود أحد قادة ثورة العراق الكبرى سنة 1920، وهو الذي ظفر بقائد المنطقة الغربية في الجيش البريطاني الكولونيل لوجمان.

ولد الشيخ حارث بمنطقة حمضاي في أبو غريب في ضواحي بغداد، قرأ القرآن الكريم في قريته على الشيخ طيّب السرحان، في سن مبكرة، ثم التحق بمدرسة التربية الإسلاميّة في بغداد، ثم انتقل إلى المدرسة العلميّة الدينيّة في الفلوجة، ثم واصل دراسته في بغداد، وتلقّى على الشيخ فؤاد الآلوسي، والشيخ عبد القادر الخطيب، والشيخ نجم الدين الواعظ، وعيّن إماماً في في مسجد المدني بالكرخ سنة 1962، وبعد حصوله على الشهادة الثانوية، التحق بجامعة الأزهر عام 1963، حيث حصل على شهادة الليسانس العالية بكلية أصول الدين والحديث والتفسير، ثم دخل الدراسات العليا وحصل على شهادة الماجستير في التفسير عام 1969.  

الشيخ حارث الضاري

عيّن مفتشاً في وزارة الأوقاف سنة 1969، ومعيداً في كليّة الإمام الأعظم سنة 1970، وبعدها سجّل في شعبة الحديث بجامعة الأزهر، ونال منها أيضاً شهادة الماجستير عام 1971، ونال درجة الدكتوراه عام 1978، وبعدها عاد إلى العراق وعمل في الأوقاف مفتشاً، ثم نُقل إلى جامعة بغداد وتدرّج إلى رتبة أستاذ.   

قضى في التعليم الجامعي أكثر من 32 عاماً، متنقّلاً بين عدد من الجامعات العربيّة، كجامعة اليرموك في الأردن، وجامعة عجمان في الإمارات المتحدة، وكلية الدراسات الإسلاميّة والعربيّة في دبي أيضاً بالإمارات العربيّة.

ألّف كتباً منها: (الإمام الزهري واثره في السنّة) و(التعارض بين الأحاديث وكيفيّة دفعه عند المحدّثين) و(التدليس وحكمه عند المحدّثين) و(الإدراج، درجته وحكمه عند المحدثين) و(الإسناد نشأته وأهميّته) و(الإمام مجد الدين بن الأثير وجهوده في الحديث الشريف).

عاد إلى العراق بعد احتلاله في 1/7/2003 ليعزّز صمود أهل السنّة في مواجهة المخطّطات المشبوهة التي تستهدف العراق أرضاً وحضارة.

وترأس (هيئة علماء المسلمين في العراق) فكانت وعاءً عاماً انضوى تحته علماء السنّة، وربطها بعلاقات وطيدة مع رموز الشيعة، وحفل نشاطه تعميراً للمساجد وتوعيةً بمخاطر استهداف الوطن قيماً وأرضاً ووحدةً، فجسّدت المرجعية الشرعيّة للسنة ولعبت الدور السياسي والثقافي والاجتماعي في مختلف مناطق ما اصطلح على تسميته بالمثلث السني.

ولم تختلط على الرجل والهيئة إستراتيجيّات التوجّه ولا تكتيكات المرحلة، فأكّد على المقاومة حقاً مشروعاً وواجباً لا ينتظر الفتوى، وشارك في العمل السياسي رفداً للجهود الأخرى ودرءاً لمفاسد الانعزال عن ساحة أراد الاحتلال من أوّل يوم تهميش القطاع الذي تمثله الهيئة والرجل.

خوّلته فصائل المقاومة العراقية ليكون متحدثاً باسمها، ومفاوضاً عنها في الأمور السياسية، ونائباً عنها في المحافل الدوليّة.

ووقف في وجه مخطّطات الاحتلال الأمريكي بعد سقوط نظام البعث العراقي، وطالب برحيله عن بلاد الرافدين، ووجد في التعاون معه عيباً ونقصاً في الدين والوطنيّة، ودعا بتسليم الحكم إلى حكومة وطنيّة منتخبة تتوفّر فيها النزاهة والحياد، وقال: نحن لا نقاطع الانتخابات ولكن لا نعترف بها، وينبغي أن يرحل الاحتلال قبل أن تجرى الانتخابات، وأن أهل السنّة يوافقون على أن يتسلّم السلطة من تفرزه الانتخابات النزيهة، وإنّنا نقبل حكماً إسلاميّاً ولكن ليس بولاية الفقيه.

وقال: إنّ أهل السنّة رقم صعب، ولا يمكن أن تكون أي معادلة سياسيّة بدونهم، وهم لا يخشون التهميش، وإنّ الطائفيّة لا تجلب للعراق خيراً، وقد استفاد الاحتلال من الفرقة، وأشار في حوار له مع قناة الجزيرة أنّ نسبة السنّة في العراق 58% من عدد السكان البالغ 24 مليون و475 ألف عراقي، ولا حساسيّة عندنا من ناحية القلّة والكثرة، ونحن لا نتضايق من كون الرئيس سنيّاً أو شيعيّاً أو كرديّاً، نحن نرفض الدكتاتوريّة القائمة على الأغلبيّة، ونقبل ما تفرزه الانتخابات الحياديّة أي عراقي مؤمن مخلص للعراق.

وتحدّث عن المقاومة العراقيّة للاحتلال فقال: العراق كلّه مقاوم للاحتلال، المقاومة عراقيّة صافية ولا وجود لعناصر مقاتلة من خارج العراق، المقاومة عراقيّة صافية، ووطنيّة تسعى لتحرير وطنها ودفع الاحتلال عنه، وهذا حق طبيعي، ونحن نؤيّد المقاومة لأنّ شرعنا يأمرنا بمقاومة الأعداء.

وانتقد مجلس الحكم العراقي الذي شكّله مندوب الاحتلال (بريمر) وقال: نحن نرفض كل قراراته ومشاريعه، وقد أبلغت قرارات الهيئة إلى بعض أعضاء المجلس، وينبغي أن تؤجّل القضايا الهامّة إلى مجلس منتخب ؛ وقال: أكّدنا للأمريكان حق شعبنا في المقاومة لأنهم قوات احتلال وأن المقاومة لن تنتهي ما بقي الاحتلال.

وأنّ الاحتلال لن يدوم وسيبقى العراق دائماً رمزاً للعروبة والإسلام، ثم إنّ هذه المحاولة ليست الأولى في تاريخ العراق؛ حيث عمل البريطانيون والفرس على تذويب هذه الهوية ولم يفلحوا أبداً وكذلك سيفشل الأمريكان والصهاينة وعملاؤهم.

وأكّد وحدة الشعب العراقي فقال: لقد امتزجت عواطف الجميع كما امتزجت دموعهم على ما حدث في هذه المدن (الفلوجة والنجف) وتعاونوا مع بعضهم البعض تعاوناً أذهل الكثيرين من الذين كانوا يراهنون على الخلاف بين الطرفين لتحقيق مصالحهم ومؤامراتهم على العراق ويسعون لإشعال حرب أهلية بين السنّة والشيعة، ولكن ظنونهم خابت وتوحّد أبناء العراق جميعاً ضدّ الاحتلال وأذنابه، وقد رأيت بعيني العديد من الشيعة يتبرّعون بأموالهم وما تجود به أيديهم ومنهم من يبكون على شهداء الفلّوجة ويتمنّون أن يواجهوا نفس مصيرهم، كما أن النصارى في العراق قد أبدوا من الشعور الطيب تجاه إخوانهم في الفلّوجة والنجف، وهو ما يؤكّد وحدة الشعب العراقي، ويعيد إلى الأذهان ثورة 1920 ضد الاحتلال البريطاني والتي وحّدت العراقيّين عرباً وأكراداً، سنّة وشيعة، تركماناً وأكراداً. وقال: الاحتلال سيشد الرحال ويرحل عن بلدنا إن عاجلاً أو آجلاً، لأن الشعب العراقي كغيره من شعوب العالم لا يقبل أن يُحتل بلده، وأن تداس كرامته، وأن تلغى سيادته من قِبَل أعداء محتلّين ساقتهم أطماعهم وأحقادهم إلى احتلال هذا البلد، ويقيني أنّ هذا الاحتلال سيرحل ـ وإن طال مكثه ـ في النهاية إن شاء الله تعالى.

 وصف النظام البائد بأنّه نظام علماني تسلّطي، فهو قد حارب العلماء وغيرهم، كل من عارضه حاربه، فكان من العلماء ثلة حاربت هذا النظام، بمعنى أنّها لم توافق على الكثير من مواقفه والكثير من إجراءاته، فلمّا علم بذلك اتخذ مواقف ضدها، مواقف تبدأ بالتخويف ثم بالسجن ثم بالقتل أو الاعتقال الطويل.. وما إلى ذلك، فكان العلماء، وهم جزء من أبناء الشعب، يتعرّضون لأذى هذا النظام لعدم رضاهم أو موافقتهم أو مماشاتهم لإجراءات النظام، ومن المعلوم أن الإجراءات التي كان يقوم بها النظام أغلبها غير مقبول لدى الشعب العراقي،لما كان فيها من الكثير من التعسف، وكان الكثير منها يخالف الثوابت، ويخالف القيم.. وما إلى ذلك، فكان النظام يقوم بمضايقة هؤلاء العلماء، وقد أدّى ذلك في بعض المراحل إلى قتل بعض العلماء السنّة والشيعة، فالنظام يعارض ويقاوم ويؤذي كلّ من لا يستجيب لطاعته، وكلّ من لا يخضع لأوامره، وكان العلماء جزءاً من هؤلاء الذين نالهم أذى هذا النظام، وأكّد على العلاقة الأخويّة بين العرب والأكراد من أهل السنّة، ووصفها بأنّها علاقة ودية وحميمة وأزلية.

وحذّر من الدعوة التي تصف الإسلام والإسلاميين جميعاً بالإرهاب، ودعا إلى التمييز بين ما هو إرهابي وبين ما هو مسلم محافظ على دينه.

ووصف الضاري العراق بأنه أصبح سجنا كبيرا، واتهم قوات الاحتلال بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان أكبر من التي سربت إلى وسائل الإعلام.

وامتنعت (هيئة علماء المسلمين) التي يرأسها عن المشاركة في المؤتمر الوطني العراقي، وأوضح الضاري أن من أهم الثوابت التي حافظت عليها الهيئة عدم المشاركة في تشكيل سياسي أو رسمي طالما ظل الاحتلال موجودا في العراق، وذلك حتى لا تعطي الهيئة شرعية لوجود الاحتلال.

طالب في وقت مبكّر بالإصلاح السياسي السلمي، فوجد أذناً صمّاء، فدعا لقيام ثورة شعبيّة سلميّة ضدّ الظلم والفساد، واتهم المالكي بالسعي إلى إنشاء دولة الحزب الواحد، والشخص الواحد، والمذهب الواحد، مثلما هو الشأن في إيران.

وتضمنت مبادئ مشروعه السياسي العام تجميع القوى السياسية بالإضافة إلى القوى المقاومة في الميدان على المبادئ التالية: تحرير العراق واستقلاله، والمحافظة على وحدة العراق أرضا وشعبا في إطار حدود العراق الطبيعية المعترف بها دوليا، والمحافظة على هوية العراق العربية الإسلامية، والمحافظة على أمن العراق واستقراره، والمحافظة على ثروات العراق ومقدراته، وأن يكون الحكم لكل أبناء العراق الرافضين للاحتلال من مقاومين وغيرهم، وتقودهم حكومة متفق عليها من كل الأطياف السياسية والفكرية والدينية والمذهبية.

وكان رحمه الله مثقفاً، واسع الأفق، خبيراً بشؤون العراق السياسيّة والاجتماعيّة، أحبّ العراق حباً ملك عليه فؤاده، وكانت القضيّة العراقيّة شغله الشاغل.

أقام في العاصمة الأردنية عمّان موفور الكرامة محاطاً بمحبة إخوانه، منذ عام 2007، توفي بعد معاناة مع المرض صباح 12/3/2015 في مدينة اسطنبول، ونقل في اليوم التالي إلى عمّان، حيث ووري الثرى في مقبرة سحاب الإسلاميّة.

رحم الله الشيخ الضاري رحمة واسعة وألهم آله وإخوانه الصبر والسلوان، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

               

(1) قناة الجزيرة القطريّة برنامج لا حدود، تاريخ 13/2/2004، حوار حول المستقبل السياسي للسنّة في العراق، حاوره أحمد منصور.

(2) الإسلام اليوم، محاور إعلاميّة، حاوره مصطفى الأزهري، تاريخ 17/5/2004.

(3) موقع البيان، حوار مع الشيخ حارث الضاري، حاوره عبد الغني الزهراني.

(4) إسلام أون لاين، مستقبل العراق ـ رؤية العلماء السنّة تاريخ 21/12/2003.

(5) شبكة الأنبار: حارث الضاري... نهوض في زمن السقوط، تاريخ 9/4/2003 المصدر: الجزيرة.

(6) الأعمال النثريّة الكاملة مدرسة أبي حنيفة تاريخها وتراجم شيوخها ومدرّسيها ص 1592 وليد الأعظمي.

(7) إسلام إأون لاين 4/5/2009 حارث الضاري: سفيرا أمريكا وإيران يحكمان العراق، حاوره محمد جمال عرفة. (8) الجزيرة نت 19/4/2012 حارث الضاري يدعو لثورة شعبية بالعراق.