عينان مطفأتان ، وقلب بصير(10)

عبد الله الطنطاوي

عينان مطفأتان، وقلبٌ بصير

    عبد الله الطنطاوي  

[email protected]

  

الفصل العاشر

كان توفيق الله حليف العاملين في المركز، فقد كانوا يعملون بجدٍّ وإخلاص من أجل إسعاد الناس البسطاء الفقراء الذين توافدوا إلى مركز الأبرار، وكانوا مثاليين في الجدّ والاجتهاد والانضباط، فقد شعروا بإخلاص العاملـين فيه، من الوزير الذي يرأسه، إلى الإمام الذي يتولى شؤونه الإدارية والتعليمية، إلى اللجنة الوقفية التي تبذل جهوداً مضنية لتأمين أكبر قدر من الأوقاف للمركز، لتضمن له المستقبل والصمود في وجه العواصف التي قد يتعرض لها في المستقبل القريب أو البعيد.. إلى الشيخ صالح الذي يعدّ المحرك الأساسي للعاملين في المركز، والبركة التي تجلب التوفيق والإعانات والأوقاف، والثناء الحسن للمركز..

كان العاملون في مركز الأبرار يسعون لتخليص المنتسبين إليه من سائر ألوان الظلم، مهما كلّفهم هذا من جهد ومال وسهر ونَصَب.

كانوا يعملون بصدق لتنمية قدرات أولئك البائسين، ليتغلّبوا على متاعب الحياة ومشكلاتها، وكان كل واحد من أعضاء اللجنة العليا للمركز، قدوة لأبناء المركز، في الحبّ، والتعاطف والتعاون فيما بينهم، حتى صاروا مضرب المثل في التعاون والتحابّ والتوادّ، لا تكاد تجد مشكلة ذات قيمة تعكّر صفوهم.. صاروا كالجسد الواحد حقيقة، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد، بالسهر على تخليص ذلك العضو مما يشكو منه من الحالات المرضيّة، الماديّة والمعنوية.

وكانت توجيهات الشيخ صالح، وتوجيهات الإمام، ذات أثر فعّال في نفوس أبناء المركز عامة، والمكفوفين خاصة.

كان الشيخ صالح يعرض الحقائق الجديدة عن الإنسانية للمكفوفين، وعن طبيعة علاقتهم بالعالم، عرضاً واضحاً محبّباً يعينهم على مواجهة حياتهم الصعبة في هذه الحياة. كان يزرع فيهم الروح الإنسانية، ويرى أنها عندما تتحقق فيهم، فإنها سوف تضفي قيمة جديدة على تجاربهم الحياتية، وكثيراً ما يضرب لهم الأمثال من تاريخنا الناصع، من سيرة سيّد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، وسيرة أصحابه الكرام، رضوان الله عليهم، ومن سير الصالحين من التابعين وتابعيهم، إلى العصر الحديث.. كان ينتقي من تلك السير ما يناسبهم، ويمنحهم الثقة بأنفسهم، ليعتمدوا عليها، بعد اعتمادهم على الله الرحمن الرحيم، في سائر أحوالهم، وكان يسعى جاهداً من أجل تأهيلهم ليعيشوا حياة طبيعية في مجتمعاتهم، دون عُقَدٍ، أو مركّبات نقص.. وكان يستخرج مهاراتهم، ويصقلها، حتى تبدو للعيان على خير صورة.

كانت دروسه للمكفوفين مثالية، حضرها الوزير مرات، وكان في كل مرة يبدي إعجابه بأسلوب الشيخ صالح المثير للانتباه، ولحبّ الاستطلاع الذي يجرّهم إلى طرح أسئلة كثيرة، ومثيرة، وكان الشيخ صالح يجيبهم عليها بعقلانية مدهشة، وعندما سأله أحدهم، والوزير جالس في الصف، يستمع إلى الشيخ صالح:

- من أين لك كل هذا العلم والاطلاع يا شيخ صالح؟

أجابه بثقة عالية بنفسه:

- من المثابرة على المطالعة يا صديقي..

قال آخر:

- أنت، يا شيخ صالح، عندك من الآلات والأجهزة والناس ما يساعدك على القراءة والكتابة، أما نحن، فليس عندنا سوى هذه المسطرة، وهذا المخرز.

قال صالح:

- كأنك تريد أن تسمع مطالبك لمعالي الوزير.. على أيّ حال، معاليه يجيبك على هذا الكلام.

نهض الوزير عن كرسيّه، وتنحنح ليلفت انتباه المكفوفين، ثم قال:

- ما رأيك يا شيخ صالح في كلام الأخ؟

قال صالح:

- طلباته كلّها في محلّها، فالذي هيأتموه لي يا معالي الوزير، هم محرومون منه.

قال الوزير:

- اطمئنّوا يا أولادي.. سوف نؤمّن لكم كل ما يساعدكم على متاعب الحياة.

فهتف المكفوفون للوزير، ودعوا له بطول العمر، مع الصحة والعافية، وهبَّ أحدهم قائماً ورفع كلتا يديه إلى السماء ودعا:

- اللهمّ حقّق لمعالي الوزير ما يصبو إليه في هذه الحياة.

وأمَّن الآخرون، وأمّن معهم صالح:

- آمين.. آمين.. آمين.. يا رب العالمين.

ابتسم الوزير وقال:

- بارك الله فيكم يا أولادي.. ولكني أرجوكم أن تدعوا لي بحسن الختام، فقد صار مستقبلي خلف ظهري، وقد أعطاني الله الكريم أكثر مما أستحقّ والحمد لله على كل حال.

قال صالح في تأثر:

- بارك الله فيكم، يا معالي الوزير، وأطال عمركم، وبارك لكم في أهلكم، وأوقاتكم، وأموالكم، يا أبا الفقراء والضعفاء والمساكين.

قال الوزير:

- البركة فيك يا شيخ صالح يا ولدي.. وإذا داهمني الموت، فسوف يكون هؤلاء الشباب أمانة في عنقك. أرجو أن تؤمّن لهم كلّ ما يحتاجون إليه، وإذا كانت ميزانية المركز لا تسمح، أو لا تفي بالمطلوب، فأنا جاهز.. خبّرني يا ولدي لأؤمّن لك ما تطلب ويطلبون.

علت هتافات الأكفّاء من جديد، فلم يملك الوزير دموعه ثم ودّع صالحاً وتلاميذه، وغادر الصفّ، وهو في غاية التأثر الذي لم يخف على صالح وتلاميذه المكفوفين الذين شعروا بحال الوزير، فهتفوا له، وعلا هتافهم حتى وصل إلى مسامع من في الخارج، فأعلموا الإمام، وجاء الإمام على عجل، ليرى منظراً عجباً.. تقدّم من صالح، وسأله عمّا يجري في الصف، فلم يستطع صالح الردّ عليه، لأنه كان في غاية الانفعال، فسحبه من يده، وخرج به من الصف، وترك التلاميذ في حالهم.

في غرفة الإدارة، قصّ صالح على الإمام ما كان من أمر الوزير والتلاميذ، ثم قال:

- كيف ترى صحة الوزير؟

- على ما يرام.. لكن.. لمَ هذا السؤال؟

قال:

- كان كلامه كلام مودّع.. هكذا شعرت.

استنكر الإمام هذا الكلام من صالح، وأنّبه عليه، وقال:

- صحّة معالي الوزير خير من صحّتي وصحّتك.. إنه شابّ وإن كان في الستين من عمره.

- أرجو ذلك..

ورفع يديه إلى السماء وابتهل:

- اللهمّ إنك تعلم أنّ هذا الرجل الطيّب قطعٌ نادرٌ في هذا الزمان، وأنت تعلم يا ربي مدى حاجة المركز والقرية والضعفاء والمساكين إليه من بعدك.

اللهمّ فأطلْ عمره، وبارك له في أهله وماله ووقته، ولا تحرمنا من وجوده ومن حياته معنا يا ربّ العالمين، يا ناصر المستضعفين، ياألله.

كان الشيخ محمد يؤمّن على ابتهالات الشيخ صالح، وعندما انتهى الشيخ صالح من دعائه، ومسح وجهه بكفيه، قال له:

- والله، يا شيخ صالح، هذا الوزير لا مثيل له، وقد سمعت أنه ينوي بيع القصر، بعد أن وقف المزرعة للمركز.

سأل صالح:

- ممن سمعتَ هذا؟ ولماذا يبيع القصر؟

- من أجل المركز، وقد أرسلت زوجته رسالة إليّ مع السائق، أخبرتني فيها بما ينوي الوزير فعله، وترجوني أن أتدخل أنا وأنت من أجل منعه من بيع القصر.

نهض صالح وهو يقول:

- الله أكبر.. الله أكبر.. وماذا تنوي أن تعمل يا شيخ محمد؟

- أنا أريد رأيك يا شيخ صالح.

قال صالح:

- لقد قدّم الوزير الكثير، وأرجو أن يسمع نصيحتنا بعدم بيع القصر الذي يسكنه هو وأهله.

قال الإمام:

- سمعت أنه لم يعد يملك شيئاً ذا بال، سوى راتبه التقاعديّ، والقصر.

- ومع ذلك أمرني بتأمين ما يطلبه الأكفّاء في المركز، وقال: إذا لم تسمح ميزانية المركز، أو لم تف بالمطلوب، فأعلمني لأؤمن لك المطلوب.

اتفق الشيخان على ثني الوزير عما يفكّر به، وقرّّرا أن يفاتحا الحاج فاتحاً بذلك، لعله يساعدهما.

وكان الحلّ عند الحاج فاتح بأن يتركا له هذا الأمر، وسوف يحسن التصرف فيه، ولن يسمح للوزير ببيع القصر، فليطمئنوا زوجته.

وقال الحاج فاتح:

- ثروتي المتواضعة كلّها تحت تصرّف هذا الرجل النبيل.

- بارك الله فيك يا عمي الحاج، وبارك لك في ثروتك.

نقّل الحاج فاتح نظره بين الشيخ محمد والشيخ صالح، كأنما يدور في رأسه أمر مهم يريد أن يفضي به، ولكنه يتردد في البوح به، حتى استحثّه الشيخ محمد بقوله:

- في فمك كلام يا حاج فاتح تريد أن تقوله، ما هو؟ نحن أصدقاؤك.

قال الحاج فاتح في تلجلج:

- هذا صحيح..

- إذن.. هات ما عندك يا عمي.

قال الحاج فاتح:

- والله لا يحملني على عرضي الذي سأعرضه عليك يا شيخ صالح، إلا حبّي لك، وإعجابي بأخلاقك ودينك وطيب أصلك.

قال صالح في حياء:

- أستغفر الله يا عمي.. حبّك لي لا يقلّ عن حبي لك، وإعجابي بك يا أبا المروءات يا عمي، بلا حدود.

قال الحاج فاتح:

- بنتي (غالية) غالية جداً عليّ، وليس فيها عيب، فهي متعلمة ، وديّنة، وعلى خلق كريم والله، وجمالها فوق الوسط.

قال الإمام:

- تكلمْ يا حاج.. لماذا سكتَّ؟

قال الحاج فاتح:

- يقولون: المعروض مذلول، ولكني سأعرض بنتي على ولدي الشيخ صالح ليتزوجها إن أحبّ.

ظهر العرق على جبهة صالح كحبات اللؤلؤ، واحمرّ وجهه والتهبت أذناه من شدّة الحياء، فقال الإمام:

- مالك يا شيخ صالح؟ الحاج فاتح في مقام الوالد والأخ الكبير، وما قاله يوزن بماء الذهب.

فقال صالح:

- خسئ الذهب وماء الذهب أمام كلام عمّي الحبيب الغالي الحاج فاتح، يحفظه الله وأهله الكرام ويرعاهم.

قال الإمام:

- توكلنا على الله.

قال صالح:

- على مهلك يا شيخ محمد، فلا بدّ من بعض الاستفسارات إذا سمح عمّي الرائع الحاج فاتح.

قال الحاج فاتح:

- كل الذي تريد قوله معروف عندي، فأنا أعرف حساسيتك المفرطة يا ولدي.

- بارك الله فيك يا عمّي، وأرجو أن يتسع صدرك لأسئلتي.

- تفضّلْ يا ولدي.

اعتدل الشيخ صالح في جلسته، ومسح العرق عن رأسه وجبينه ووجنتيه، ثم قال:

- أليست الكفاءة شرطاً من شروط صحّة الزواج؟

- وأنت كفؤ لأفضل بنت في هذا البلد.

قال صالح:

- حبّك لي يا عمي يجعلك تقول هذا.

- بل هذا هو الواقع، فأنت شاب متعلم، وسوف تحمل الماجستير والدكتوراه إن شاء الله، وسوف تكون أحسن أستاذ جامعي، بإذن الله، ولا تنقصك الصحة، ولا الوسامة والجمال يا ولدي. اللهم إلا إذا كنت ترى أن ابنتي غالية دونك.

سارع صالح إلى القول:

- أستغفر الله يا عمي.. أنا لا أرى في نفسي الكفاءة لها، فأنا أعمى، وابن فلاح مستور الحال.

قاطعه الحاج فاتح:

- كفَّ عن هذا الكلام يا ولدي، ولا أرى من المناسب لك أن تبقى في مثل هذه الحساسية.

فتدخل الإمام وقال:

- هل تسمحون لي بالتدخل؟

قال الحاج فاتح:

- بل كن حكماً عادلاً بيننا يا شيخ محمد، فوالله الذي لا إله إلا هو، لقد خطبها أربعة من أبناء كبار التجار، ورددت خطوبتهم، لأني لا أرى من يكافئها في العلم والفهم والدين والأخلاق إلا الشيخ صالح.

سأل الإمام:

- هل استشرت البنت يا حاج؟

- نعمْ.. شاورتُها، وشاورتُ أمّها، وسألتا بعض الأسئلة عن الشيخ صالح، وأجبتهما بصراحة.. أنا هكذا مع أولادي عامة، ومع (غالية) خاصة.. جلست معها على انفراد أكثر من مرّة، وناقشنا الأمر من جوانبه كلّها، وكانت موافقتها تامة.

- وموافقة أمّها؟

- تامة أيضاً.. فنحن لا نفكّر بالمال، فعندنا منه الكثير والحمد لله، ولا نفكّر بالجاه والسلطان.. نحن نفكّر بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وبتعاليمه السامية، ونحاول تطبيقها في حياتنا العملية.

قال الإمام:

- والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول:

"إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه" وأنا أشهد أنك يا شيخ صالح..

صاح صالح:

- لا تكمل أرجوك يا شيخ محمد.

قال الشيخ محمد:

- بل سأقول ما أعرفه عنك، فالمستشار مؤتمن، مع أن عمّنا الحاج فاتح لم يستشرني.. فأنا أشهد الله على أن ما على لساني هو في قلبي، وأشهد الله تعالى أيضاً، أنك يا شيخ صالح ذو خلق ودين، ولو كان لديّ أخت تليق بك، لخطبتك لها.

قال الحاج فاتح:

- يقولون عندنا: اخطب لبنتك، ولا تخطب لابنك.. ولذلك جئتك خاطباً يا ولدي.

قال الشيخ صالح:

- والله هذا شرف كبير لي ما كنت أحلم به.

رفع الشيخ محمد يديه وقال:

- يا ربِّ تمِّمْ بالخير يا كريم.

قال صالح:

- لا بدّ أن أستشير والدي ووالدتي يا عمّي الفاضل؟

قال الحاج فاتح:

- طبعاً لابدّ من مشاورتهما، وأخذ موافقتهما.

وتابع صالح:

- ولابدّ أن يذهبا إلى بيتكم العامر يا عمي، ليخطبا كريمتكم المصون.

قال الحاج فاتح:

- نحن ننتظر منكم مكالمة هاتفية، لتحديد موعد الزيارة، في حال موافقة الوالدين الصالحين، ليريا البنت، ويقرّرا ما يريانه مناسباً.

وفي المساء، جلس صالح بين أبويه وقال:

- عندي مفاجأة.

وقصّ عليهما ما جرى، فأطلقت أمّ صالح زغرودة مجلجلة، والشيخ صالح يرجوها أن تكفّ، ولكنها قالت:

- سأفرح.. سأزغرد.. كفاكم ما فعلتم بي.. لقد أعميتم قلبي.. أجدادك وجداتك يا صالح كانوا أتقى وأعلم منك ومن أبيك، ومع ذلك، كانوا يعبِّرون عن أفراحهم بالزغاريد والدّبْك والرقص بالسيف والتُّرْس، كما يعبْرون عن أحزانهم بالبكاء.. فاتركوني أفرح ولو مرة واحدة في عمري الذي انتهى.

وأطلقت زغرودة أخرى، وتركها صالح، استجابة لأبيه الذي أشار إليه أن يتركها تعبّر عن فرحتها بطريقتها، ثم قالت:

- مبارك يا ولدي.. هذه أحسن من تلك الحيّة التي كانت ستلفّ على رقابنا جميعاً، مع أن الشيخ محمد قال: كانت تلفّ على رقبتك أنت وحدك.

ابتسم صالح، وكتم أمر الشيخ محمد وأمر زوجته أمّ محمد التي اخترعت قصة الاستخارة والمنام، ثم قال:

- يعني؟

قال الوالدن بصوت واحد:

- موافقون.. موافقون.

وزادت أمّ صالح:

- حدّد لنا موعداً لنزورهم غداً، وأقول لهم: نحن مستعجلون، ونريد أن نزوّج ابننا خلال أسبوع.

قال أبو صالح بهدوء:

- يا أمّ صالح.. نزورهم أولاً، ثم نراعي ظروفهم في توقيت العقد والزفاف.

- لا.. السرعة أولاً.. على أيّ حال، اتركوها عليّ، سوف أتفاهم مع عروسنا ثمّ مع أمّها.. وأنا أمُّها وأبوها، وسوف ترون.

قال صالح:

- والحج يا أمي؟

قالت:

- الجاز قبل الحجاز.. أم أنك لم تسمع هذا الكلام قبل الآن؟

- بل سمعتُه منك يا أمي..

قالت مقطّبة مبتسمة:

- إذن.. اسمع كلام أمّك يا ولد.

- سمعاً وطاعة يا أمي الغالية.

- ولكنك لم تقل لنا ما اسم البنت، فعند الحاج فاتح بنتان في سنّ الزواج.

- اسمها غالية يا أمي الغالية.

فضربت على ظهره، ثم شدّت أذنه، وهي تقول:

- قلت في نفسي، صالح دائماً يقول: يا أمي الحبيبة، هكذا اعتادت أذني على سماع (حبيبة) فلماذا يقول لي الآن: يا (غالية) يا أمي الغالية.. من أجل (غالية) يا ولد؟

ابتسم أبو صالح ابتسامة ملأت محيّاه ثم قال:

- قلعتِ أذن الولد يا أمّ صالح.. اتركيه.

- لن أتركه، حتى لا ينسى أني أنا الغالية، وليست (غالية) وحدها.

- ستكونين أنت غالية، وهي غالية أيضاً.

قالت في سعادة ظاهرة:

- والله عندما رأيت (غالية) في مزرعة الوزير، نزلت بقلبي مثل قرص الشهد، ولكنّ تلك الحيّة كانت آخذة عقلي وقلبي، لكنْ.. كثّر الله خير الشيخ محمد الذي كشف لنا تلك الحيّة الرقطاء.. لقد فتح عينيّ على عيوب فيها ما كنت أعرفها.

قال صالح ضاحكاً:

- ومع ذلك، زعلتِ منه، واغتبته.

قالت:

- أرجوك يا شيخ صالح أن تطلب منه أن يسامحني، ولكنْ.. احذرْ أن تقول له ما قلته فيه.. مفهوم يا ولد؟

- مفهوم يا أمي.

وقال أبو صالح:

- على أن تستغفري لذنبك، ولذنبه أيضاً، وعلى أن تعاهدي الله ألا تذكريها أمام الناس إلا بالخير.

قالت:

- أنا لا أقول عنها: حيّة، إلا أمامكم.

- ولا أمامنا.

- ولا أمامكم.. ولتفرح تلك الحيّة، فقد نجت بجلدها.

- استغفري الله يا امرأة.

- أستغفر الله يا رجل. أما أنت يا شيخ صالح، فلا تنس الاستخارة، وإياك أن تقول لي: رأيت في منامي حيّة.. بل غزالة. مفهوم؟

- مفهوم يا أمي.

وفي فجر اليوم التالي أيقظته مبكراً قبل طلوع الفجر، وسألته عن الأحلام الوردية التي رآها في المنام، فقصَّ عليها مناماً جميلاً كان رآه في الأيام الأولى لتعرّفه إلى الحاج فاتح، وقد شرح الله صدره لهذا الرجل من تلك الأيام، وقد رأى ذلك المنام هذه الليلة بالتمام والكمال.دمعت عينا أمّ صالح، وسجدت شكراً لله، ثم قالت:

- قم إلى وضوئك يا ولدي، فقد شارف طلوع الفجر.

بعد صلاة الفجر، سأله الإمام:

- وافقا؟

فهزّ صالح رأسه ثم قال:

- بقيت موافقة عمي الوزير.

قال الإمام:

- هيّا بنا إلى المنزل، لتهاتفه من عندي، وتتكلم بحريّة، وصراحة، دون تدخل والدتك الطيّبة.

ابتسم صالح وقال:

- إنها لم تنس منامك عن الحيّة.

فضرب الإمام كفّاً بكف وهو يحوقل.. فطمأنه صالح بأنها سوف تتناسى ذلك المنام، وطلبت مني أن أرجوك لتسامحها على تعليقاتها على منامك.

صاح الإمام:

- وأنت أيضاً تقول: منامك؟

- ألم نتفق أن نبعد زوجتك عن الموضوع، حتى لا تفسد العلاقة بينهما، فتفسد بيننا.

قال الشيخ محمد في حبّ وانفعال:

- مستحيل يا شيخ صالح.. مستحيل أن تفسد العلاقة بيني وبينك.. فأنا أدعو الله في سرّي وعلني أن يجمعنا في الجنّة، كما جمعنا هنا في الطيبة.

وسكت هنيهة ثم حثّ الشيخ صالحاً على النهوض معه إلى البيت، لاستشارة الوزير، قبل أن يعود إلى نومه.

فرح الوزير فرحاً شديداً بهذا الخبر، وقال:

- الحمد لله يا ولدي.. أبواب السماء مفتّحة لدعوات من يدعو لك، فمهما فتّشت وشرّقت وغرّبت، لا تجد مثل الحاج فاتح، ومثل تربية بناته. مبارك يا ولدي، وسوف أصحبكم لأشارك في الخطوبة.

وفي منزل الحاج فاتح اجتمع شمل الأحبّة، وتمّ الاتفاق على كلّ شيء بين الوزير والحاج فاتح والإمام، فيما كان صالح وأبوه ينصتان ويكتفيان بهزّ رؤوسهما بالموافقة على كلّ الترتيبات.

سأل الوزير عن ميعاد إعلان الخطوبة، وكتابة العقد، فجاءه صوت أمّ صالح من وراء الباب:

- اليوم يا حضرة الوزير.. خير البرّ عاجله، أليس كذلك يا حاج فاتح؟

قال  أبو صالح:

- هذه أمّ صالح.. دائماً مستعجلة.. لو استطاعت أن تزفّهما الآن لما تأخّرت.

قال الشيخ محمد:

- وأنا معها.. خير البرّ عاجله.

وقال الوزير:

- وأنا معك ومعها يا شيخ محمد.

قال أبو صالح:

- كنا نستعدّ للحجّ هذا العام، أنا وصالح وأمّه.

فقال الإمام:

- وزوجته.. هل لديك مانع يا حاج فاتح؟

قال الحاج فاتح:

- هذه بشارة خير، وأرجو منك يا أبا صالح أن تضمّوني وزوجتي إلى قافلة الخير هذه، لنحجّ معاً.

فقال الشيخ محمد:

- وأنا موافق على أن أكون مع زوجتي ضمن هذه القافلة المبرورة.

قال الوزير في حزن:

- ليتني كنت أستطيع أن أصحبكم.

سأل الحاج فاتح عن المانع، فسكت الوزير، عندها قال الحاج فاتح:

- أنا العبد الفقير إلى الله تعالى أدعوكم إلى ما يلي:

أولاً: أدعوكم مساء هذا اليوم لعقد قران ولدي الشيخ صالح على بنتي غالية. موافقون؟

- موافقون..

- ثانياً: قرّرنا أن يكون حفل الزفاف ليلة الجمعة الآتية. موافقون؟

- موافقون.

- ثالثاً: قررنا أن نحجّ جميعاً، وعلى رأسنا معالي الوزير وزوجته المصون هذا العام. موافقون؟

- موافقون.

قال الإمام:

- رابعاً: قرّرنا أن يكون كلُّ ما تقدّم على حساب أخيكم الحاج فاتح. أرجو ألا تخيّبوا ظنّه فيكم. موافقون؟

فهتف الحاج فاتح فرحاً سعيداً:

- بارك الله فيك يا شيخ محمد.. كنت سأقولها لو لم تسبقني إليها.

يتبــــع