تحصين الذكر الحكيم المؤمن من كل ما يحيد به عن التي هي أقوم

محمد شركي

يكفي أن يقرأ المؤمن قول الله تعالى في كتابه الكريم : (( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم )) ليفهمه بشكل واضح  لا غبار عليه أن استيعابه، وتدبره له  يعني وجود ضمان إلهي يقيه من كل ما يزيغ به عن هدي ربه و صراطه المستقيم كي يحيى حياة سوية  كريمة في دنياه تفضي به إلى السعادة الأبدية في أخراه .

ولقد جاء في كتب التفسير أن التي هي أقوم في قوله تعالى (( يهدي للتي هي أقوم ))   عبارة عن صفة لمحذوف دل عليه   فعل (( يهدي )) ، والهداية ملازمة بالضرورة  للأقوم  ، وهوالمستقيم  غير المنحرف ، وبهذا يكون المقصود في قوله تعالى هو طريق أو صراط  مستقيم قوامه هداية من الله تعالى إلى كل فعل وقول حسنين يرضاهما   .

وترتبط بهذه الآية الكريمة كل الآيات الواصفة لأثر كتاب الله عز وجل  في النفوس باعتباره هاديا إلى صراطه المستقيم،  وهو محصن لها  من الوقوع في أي نوع من أنواع الانحراف عن جادة الهداية  التي قد يقع فيه بعض الناس فيكون ذلك سبب فساد دينهم كما كان شأن من أنزل الله فيهم كتبا سابقة لآخر ما أنزل على البشرية فانحرفوا عن هديها ، وحرفوها، فزاغوا عن التي هي أقوم.

ومن الزيغ عن التي هي أقوم أن يخترع  بعض الناس من وسوسة أهوائهم  ونفخ الشيطان الرجيم أوهاما يزعمون أنها من الدين ، والدين  منها براء ، وهي من محدثاتهم المبتدعة الضالة المضلة ، والمفضية إلى نارجهنم وساءت مصيرا .

 وأخطر المحدثات أنواع من الشرك البواح أو المبطن حيث يزعم البعض زعما كزعم  السامري الذي أخرج لبني إسرائيل العجل شركا بالله تعالى عن الشركاء . والظاهرة السامرية لم تغب في عصر من العصور بما في ذلك عصر ما بعد نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم  كما سجل ذلك التاريخ حيث ادعى كثير من الناس قبضات كتلك التي قبضها السامري إما تصريحا أو تلميحا ، فكان منهم من يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه في منامه ، وكلفه بمهمة دينية بل منهم من يزعم أنه كلفه بذلك يقظة لا مناما .وترتب عن مثل هذا الزعم الباطل والافتراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم  أن ظهر أشخاص  مغرضون قايضوا دينهم بدنياهم فابتدعوا لأتباعهم ما لم يأمر به الله عز وجل في كتابه الكريم الذي لا يأتيه باطل من بين يديه ولا من خلفه ، وما لم يوص به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته ، وصار هؤلاء الأتباع  وقد استخف بهم يعتقدون بأن ما أحدث وابتدع  هؤلاء هو من الدين، وما هو من الدين إنما هو افتراء عليه ، وهكذا كثرت الطرق المبتدعة، وجعلت لها طقوس لا سند لها في كتاب الله عز وجل ، ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم بل يتأول مبتدعوها نصوص القرآن الكريم ، ونصوص السنة النبوية المشرفة من أجل تطويعها لما يبتدعونها من محدثات ، وإيهام العامة بأن ما تأولوه هو الحقيقة، وهوعين الصواب ، وأن من خالفه كان ضالا ومضلا ، وقد يعتمدون مع  من ينكر عليهم ذلك  أساليب  الإغراء والاستدراج  إلى أوهامهم ، وربما ساوموه  على ذلك حتى إذا لم تنفع معه  شيء من ذلك اعتمدوا أساليب التخويف والتهديد ، وكادوا له كل كيد ، ومكروا به مكرا . ومما يساعد هؤلاء على تسويق محدثاتهم وبدعهم استغلال العاطفة الدينية لدى العامة ، وهي أخطر منفذ ينفذون منه إليهم بشتى أنواع الإغراءات والتخويف حتى ينتهي الأمر بالعامة إلى تصديق أوهامهم  ، والميل الساذج إلى إضفاء القداسة  عليهم ، ويبالغون في تزكيتهم إلى درجة نسبة ما لا يحق لهم مما اختص به الله تعالى من أفعال لا شريك له فيها من خلقه  ، أومما خص به رسوله الكريم  صلى الله عليه وسلم .

ومن طرق خداع من يدعون  فيما يحدثون ويبتدعون مما يلصقونه بالدين وهو من ذلك براء  الزعم الكاذب حصولهم على الإذن  بذلك من الله عز وجل أومن رسوله صلى الله عليه وسلم في منام أو حتى  في يقظة ، وهم إنما يريدون عرض الدنيا الزائل فيراكمون الثروات ، ويعيشون حياة بذخ من خلال نهب جيوب الأتباع السذج الذين يستغلون عواطفهم الدينية، و يبيعون لهم الأوهام الدنيوية والأخروية ، ويطمعونهم في الحصول على بركاتهم  ، وهذا مما أنكره الله تعالى حين تحدث  في القرآن الكريم عن أحبار ورهبان من أهل الكتاب كانوا يأكلون أموال الناس بالباطل مستغلين غفلتهم  وسذاجتهم . ولا يختلف أصحاب المحدثات والبدع  المنكرة في دين الله عز وجل عن هؤلاء الأحبار والكهان في استغلالهم العامة التي تسلس لهم قيادها معطلة عقولها ، وقد خدعت بالتأويلات الباطلة لنصوص القرآن الكريم ، ونصوص السنة النبوية المشرفة، التي يلوي  من يتأولونها أعناقها لتطابق أباطيلهم المنكرة  . وإن العامة لتستهويها  غرائب ما يبتدعه المبتدعون ، وهو ما يجعلهم عرضة للانحراف عن التي هي أقوم .

ومعلوم أنه لا مندوحة لمؤمن صادق الإيمان عن التزام ما نص عليه القرآن الكريم، وما نصت عليه أحاديث سيد المرسلين  بعيدا عن كل التأويلات المغرضة التي يراد بها إضفاء الشرعية على المحدثات والبدع الضالة  المضلة صيانة لإيمانه  من الشركيات المفسدة له  سواء ما كان منها مكشوفا بواحا أو ما كان منها  خفيا .وملازمة كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هي الحصن الحصين الواقي من الزيغ عن صراط الله المستقيم.