قول صريح بخصوص قضية تزوير جوازات التلقيح

محمد شركي

آفة التزوير قديمة قدم التاريخ ، ولا يخلو مجتمع من المجتمعات البشرية  في الماضي أوفي الحاضر منها ، وتعتبر جرما في كل الأعراف  والثقافات  باعتبار ما ينتج عنها من مفاسد وأضرار وعواقب وخيمة .

 والتزوير من الزور وهو في اللسان العربي الميل والعوج ، ومنه قولهم زوت الشمس إذا مالت إلى المغيب ، وفي الذكر الحكيم قال الله تعالى في قصة أهل الكهف : (( وترى الشمس إذا طلعت تزّاور عن كهفهم ذات اليمين )).

 والميل عن قول الحق يسمى زورا وهو افتراء الكذب . ومن أنواع الزور الغش ، ويكون  في الماديات والمعنويات على حد سواء  حيث يتعمد الناس الميل بالأمور أو الأشياء عن أصلها بزيادة أو نقصان أو غير ذلك . ويسمى تعمد الزور تزويرا، وتفيد صيغة " تفعيل " في اللسان العربي من ضمن ما تفيده من دلالات السلب كقولهم " قشّرت العود " أي نزعت أو سلبت قشرته ، ومنه " زوّت الشيء" إذا غيّرت طبيعته أو ملت به عنها.

والزور أو التزوير أو الغش كلمات  تفيد  كلها شيئا واحدا حيث تكون نية من يمارسه مبيتة و يفعل ذلك عن سبق إصرار من أجل  تحقيق مصلحة خاصة  مادية أو معنوية .

وأول الزور يقع فيه الإنسان يكون في صغره ، ويكون ذلك إما لرغبة أو لرهبة ، ومنه الغش الذي يمارسه المتعلم  أثناء مرحلة تعلمه إما  خوفا من عقاب أومن أجل الحصول على علامة أو شهادة . وإذا مارس الإنسان الغش في صغره لازمه طول حياته ، لهذا يقال : " من شبّ على شيء شاب عليه " . وأغلب من يضبطون في حالة غش في كبرهم يكونون عادة ممن تربوا عليه في صغرهم.

ومعلوم أن عواقب الزور أو التزوير أو الغش تكون كلها وخيمة إلا أنها متفاوتة في ذلك حسب ما يترب عنها من أضرار . وأفدح الأضرار ما كلّف الناس حياتهم.

وما حدث مؤخرا في بلادنا وتحديدا في مدينتنا  من تزوير طال شهادات الخلو من الإصابة أو جوازات التلقيح من أقبح أنواع التزوير لأنه تهديد مباشر لحياة الناس في زمن الوباء القاتل . والذين أقدموا على تزوير هذه  الشهادات أوالجوازات يشتركون جميعا في الجرم ، ودافعهم إلى ارتكابه هو تغليب  المصلحة الخاصة  على المصلحة العامة ، ذلك أن الذين سلموا الشهادات الطبية المزورة سواء الكاشفة عن فيروس الوباء أو المتعلقة  بجوازات التلقيح إنما أقدموا على ذلك بدافع الارتشاء وهي مصلحة شخصية ، كما أن الذين استفادوا منها فعلوا ذلك من أجل  تحقيق مآربهم وهي مصالح شخصية أيضا إلا أن الجميع لم يضع في حسابه أو في اعتباره أن ما أقدموا عليه هو استهداف خطير لمصلحة عامة تتعلق بتهديد حياة الناس حيث شاركوا جميعا في جريمة نشر الفيروس القاتل على أوسع نطاق ، وهو ما جعل مؤخرا حصيلة الإصابات والوفيات ثقيلة جدا .

ومعلوم أن كل حامل للفيروس ،وهو يعلم علم اليقين أنه يحمله إذا ما نقله إلى أبرياء، وتسبب ذلك في وفاتهم، فهو في حكم القاتل القتل العمد الذي يعاقب عليه القانون  في الدنيا  أشد العقوبات التي تصل حد الإعدام ، وتكون عاقبة من يرتكبه وخيمة في الآخرة وهي غضب الله عز وجل ولعنته مع الخلود في نار جهنم مصداقا لقوله تعالى (( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابا عظيما )) .

وبناء على هذا يتعين على الجهات المسؤولة أن تفتح تحقيقا دقيقا بخصوص من استفادوا من الشهادات  المزورة الكاشفة عن الإصابة بالفيروس أو من جوازات التلقيح المزورة لمعرفة من خالطوهم ممن أصيبوا بالوباء خصوصا الذين ماتوا منهم بسببه، وتفعيل قانون تحديد مسؤولية القتل العمد .ومع أن المسؤولية مشتركة في هذا الجرم الخطير بين الراشي والمرتشي والرائش  بينهما، فإن أكبر مسؤولية يتحملها المرتشون لأنهم  خانوا الأمانة وهم مستأمنون على  حياة الناس وقد أقسموا على ذلك قسما عظيما . ولا يجب الاقتصار على فصلهم من مهامهم ووظائفهم  أو طردهم منها بل لا بد من محاكمتهم على جرم إزهاق أرواح أبرياء عمدا وعن سبق إصرار .

ونرجو في الأخير أن يتم التعامل مع كل أنواع التزوير المختلفة  بنفس الصرامة لأن بعضه وإن بدا مهددا حياة الناس مباشرة  كما هو الشأن بالنسبة لتزوير الشهادات الطبية وجوازات التلقيح  ، فإن البعض الآخر قد يهدد حياتهم بطريقة غير مباشرة لكنه ينتهي في الأخير إلى نفس النتيجة وهي إزهاق أرواحهم بشكل أو بآخر كما يحدث على سبيل المثال لا الحصر بالنسبة لتزوير رخص السياقة أو غض الطرف عن مراقبة السكر أثناء السياقة أو تسليم رخص البناء المغشوش الذي يؤول إلى الانهيار فوق رؤوس الناس... إلى غير ذلك من الأمثلة التي يعرفها واقعنا المعيش ، وما كان التزوير في شيء إلا أفسده ،وتسبب في  شر وبال .