قبسات غزالية

الشيخ محمد الغزالي

[هل يقوم الأفراد مقام الدولة في تنفيذ الأحكام الجزائية؟]

الشيخ #محمد_الغزالي يجيب(*): الذى أعرفه فى الفقه الإسلامى، وفى الأحاديث التى وصلت إلى علمى: أن الحدود والقصاص وظيفة الدولة.. ويستحيل أن يقوم إنسان بإنفاذ الحدود، وإنفاذ القصاص وهو من عامة الشعب.. هذه وظيفة الدولة، وليست وظيفة الأفراد.. بل، فى رأيى، أن تغيير المنكر، وهو مطلوب من الأمة، لا يعطى هذا الحق كل إنسان! لأن تعريف المنكر نفسه، يختلف فيه الغوغاء مع الفقهاء.. فقد يرى بعض الناس أن تصوير شخص فى ورقة معصية وكبيرة من الكبائر، وإن امرأة كشفت وجهها جريمة..

لابد من وضع حدود ليعلم كل إنسان الدائرة التى يمكن أن يؤدى فيها واجبه الدينى.

وباستقراء أحوال الحكومات كلها، منذ بدء العالم إلى الآن، وباستقراء أحوال الفقه الإسلامى وأحكامه، ما وجدت أحدا قال: إن القصاص أو الحدود يقوم بها الشعب.. بل الذى جاء فى السنن: أن من ارتكب جريمة كالزنا، ولم ينكشف، فإن له أن يتوب منها، وليس له أن يكشف عن نفسه، بل يحترم ستر الله الذى أسدل عليه ويتوب إلى الله، وليس لأحد أن يبحث أو أن يجرى وراء هذا أو ذاك ليتعرف إذا كان الناس ارتكبت جرائم أو لا.. وحديث عبادة بن الصامت فى هذا واضح: " ومن أصاب شيئا من ذلك فستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه " ..

وفى مسألة التوبة، أرى أن كلام ابن تيمية فى فتاواه أدق، وهو: قبول التوبة.. والتوبة مسألة بين الإنسان وربه.. دخول الغوغاء فى هذا مستحيل.. الجهاد وظيفة للأمة.. والفرد ليس له إلا أن يقدم نفسه ليكون فردا يتلقى الأوامر. أما عملية الجهاد، تمويلها، تقوم به الأمة، صنع الأجهزة فى البر والبحر والجو، تقوم به الدولة.. وما يتصل بالجهاد كله، ليس قطاعا خاصا.. هذا شىء يتصل بالدولة المسلمة.

عندما يغيب سلطان الدولة، لسقوط الدولة الإسلامية، فإنه من الممكن أن يتواصى الناس بتكوين هيئة أو جهاز نائب مؤقت عن الدولة، ولا يترك الحكم للأفراد..

الشعب يعاون الحكومة فى تطبيق الأحكام، أما العمل الذى تقوم به الدولة فلا يترك للأفراد، ولا يطلب منهم، فكيف أنظم الجهاد مثلا؟

الجهاد لابد له من أجهزة تشرف عليها الدولة.. فمثلا الأمر الإلهى: جاهدوا فى سبيل الله.. كيف ينفذ؟ لا يمكن للإنسان أن يخرج ويقاتل من نفسه، لابد أن يسلم نفسه للدولة المسلمة، كذلك القضاء، الأمر يحتاج فى تحقيق الجرائم وإثباتها ومعرفة الجدير بالعقاب أو من تاب الله عليه، كل ذلك يحتاج إلى تخصصات وأجهزة تشرف عليها الدولة.

فإذا سقطت الدول الإسلامية، فجهد الناس إقامة الدولة التى تقوم بوظيفتها.. أى أن نصيبهم من الخطاب إقامة الدولة.. وفى غياب الدولة، لا يمكن أن أعطى الأفراد حقوق الدولة..

هذا باب إذا فتح، فتحت معه أبواب الفوضى كلها، وأبواب الهمجية، لأن كل إنسان سيدعى أنه يقيم حكم الله وهو لا يدرى ما حكم الله.. وتتعدد السلطة.. الخ، الحاكم يقول للزانى: "لعلك قبلت ".. يريد إسقاط الحكم عنه.. فإذا جاء من يريد إقامة الحكم بأى طريقة، فربما صادم التعاليم الإسلامية وأضاعها. ويوجد الآن ناس كثيرون لا يوثق بفقههم.

----------

(*) من كتاب : كيف نتعامل مع القرآن؟ مدارسة أجراها الأستاذ عمر عبيد حسنة مع الشيخ محمد الغزالي، في رمضان 1409هـ/1989م.