حكاية أغنية "جبينة" لنجمة الغناء الفلسطيني كاميليا جبران

سيمون عيلوطي

منذ أن سطع نجم المطربة الفلسطينيَّة القديرة، كاميليا جبران، في عالم الغناء، وهي في رأي الكثيرين تتربَّع على عرش الغناء الفلسطينيّ بلا منازع. تتمتَّع بقدرات غنائيَّة خارقة، ولا شكَّ أنَّ تميّزها في العزف على آلتيِّ العود، والقانون، إضافة إلى موهبتها غير العاديَّة في هذا المجال، جعلوها تعرف كيف تتصرَّف بمساحات صوتها عند الغناء، وكيف تضع العُرَب الصوتيَّة في مكانها الصَّحيح، وكيف تشدو برقَّة وعذوبة تأسر القلوب، وتسحر والوجدان،

ولدت كاميليا جبران في مدينة عكا في العام 1963، لأبوين من بلدة الرَّامة الجليليَّة، والدها إلياس جبران، اشتهر بصناعة الآلات الموسيقيَّة، الشَّرقيَّة: العود، القانون، والبزق، وهو أيضًا مدرِّس موسيقى، مِمَّا أتاح الفرصة لابنته كاميليا أن تتعلَّم الموسيقى على يديه. ثم انتقلت لمواصلة تعليمها في القدس، حيث التقت هناك مع سعيد مراد، وهو موسيقي وملحِّن، وواحد من مؤسسي فرقة صابرين الفلسطينيَّة، أعجبَ بموهبتِها، فضمَّها إلى الفرقة. تقول كاميليا عن تلك المرحلة من حياتها: كنتُ حائرة، تدور في رأسي الكثير من الأسئلة حول هويَّتي الفنيَّة، لا أريد أن أكرِّر تجارب غيري من الفنَّانين الذين يردِّدون شعارات الثورة الفلسطينيَّة، أو مثل "فرقة العاشقين" التي تُردِّد أعاني التُّراث، أريد أغنية مختلفة...أغنيتي أنا. كلامها يُدلُّ على أنَّها وجدت نفسها في هذه الفرقة، "فرقة صابرين" المقدسيَّة. استمرَّت معها لمدة عشرين عامًا، كانت خلالها هي صاحبة الصوت الغنائيّ المركزيّ لهذه الفرقة، وعازفة العود والقانون، وضاربة بعض الإيقاعات فيها أيضًا.

أستطيع أن أقول إنَّ فرقة "صابرين" المقدسيَّة من العام 1982، إلى 2002، وهي الفترة الزمنيَّة التي شهدت انتساب كاميليا إليها، جَسَّدا معًا نقلة نوعيَّة إبداعيَّة جديدة في الأغنية الفلسطينيَّة خاصة، والعربيَّة عامَّة. أغنية أصيلة، لا تُشبه غيرها، تجمع بين الأغنية الطربيَّة والاستعراضيًّة في آنٍ معًا. ولعلَّها هي الأغنية التي كانت كاميليا تبحث عنها، والتي فيما أرى، شكَّلت بداية لمرحلة مفصليَّة هامَّة في تاريخ الغناء الفلسطينيّ والعربيّ على حد سواء، تستحق من المختصِّين الوقوف عندها ودراستها بشكل مُعَمَّق مُسْتَفِيض.

صَدَحَت "جبران" خلال تلك الفترة بعدّة أغنيات حاكت فيها الحداثة الموسيقيَّة، والغنائيَّة، وقد تجلَّى ذلك بصدقٍ فنيٍّ وبإبداع ضاعف من تلاحمها مع روح التُّراث الفلسطينيّ، وانصهارها في قضيَّة وهموم شعبها، وذلك من خلال المضامين الوطنيَّة، الإنسانيَّة، والحضاريَّة التي تختارها لأغنياتها، قدَّمتها بأساليب موسيقيَّة-لحنيَّة جديدة، فيها الكثير من مغامرة التَّجريب، والابتكار.

توزَّعت كلمات أغنياتها على نخبة من الشَّعراء الفلسطينيين، من بينهم: محمود درويش، سميح القاسم، حسين البرغوثي، عبد اللطيف عقل، وغيرهم. كما أذكر أنها غنَّت أيضًا لشعراء من الوطن العربيّ، منهم: اللبنانيّ، طلال حيدر، والمصريّ، سيد حجاب.

من أغنياتها: "جبينه"، "دخان البراكين"، "جاي الحمام"، "عن الأمنيات"، "صلِّي عليه"، "وميض، "مكان"، "عن إنسان"، والقائمة تطول.

أخترتُ من أجوائها أغنية: عن الأمنيات)

حقَّقت "صابرين" وكاميليا في هذه الأغاني، كما جاء أعلاه، قفزة إبداعيَّة، غنائيَّة أضافت بالنِّسبة لحركة الغناء الفلسطينيّ نكهة جديدة، تُعتبر علامة بارزه على طريق هذا الفن، أطلقته بصوتها الشَّجيَّ بمهنيَّة عالية، وبأسلوب مبتكر، واثق من براعته في التَجديد والأداء، أسَّس لظاهرة فنيَّة فريدة وشجاعة من حيث الخروج عن المألوف، والتّحليق بعيدًا في أفق الغناء الواسع مع "الطُّيور الطايرِه"، (يا طيور طايرِه

عا جبال العاليِه

قولي لأمي وأبويي

القدس راعيِه

ترعى وز وتمشي غز

وِتْنام تحت الداليِه)...إلخ...إلخ....

أغنية "جبينة"، مستوحاة من الترُّاث الفلسطينيّ، وهي حكاية شعبيَّة من حكايات جداتنا، برع في تجسيدها لكلمات أغنية، شاعرنا حسين البرغوثي، وقد استطاع سعيد مراد عند تلحينها أن يشكِّل الانزياح المطلوب لرصد الأجواء الفلكلوريَّة التي تدور فيها الحكاية، تاركًا في الوقت نفسه مساحة واسعة تتفنَّن فيها مطربتنا كاميليا جبران مثلما يطيب لها التَّطريب عند الغناء.

تنقسم تجربة كاميليا جبران على مرحلتين، الأولى: هي تلك التي انضمَّت فيها إلى فرقة صابرين المقدسيَّة، في العام 1982، إلى 2002. حسب رأيي: أجمل أغنياتها أنجِزَت في هذه المرحلة، وقد لاحظ ذلك أيضًا كاتب سيرتها الذاتيَّة حين قال: "قدمت كاميليا جبران مجموعة كبيرة من الأغنيات التي تميزت على المستوى المحلي والدولي، وقد ترسخت بعض هذه الأغنيات في الوعي الفلسطيني خاصة كجزء أصيل منه، كأغنية عن إنسان من كلمات الشاعر محمود درويش، وأغنية: أعيشك في المحل تينا وزيتا من كلمات الشاعر عبد اللطيف عقل." (انتهى الاقتباس). الأغنيتان المذكورتان تمَّ انجازهما في المرحلة الأولى، ومن الأهميَّة بمكان أن أضيف لنفس المرحلة، أغنية: "دخان البراكين"، كلمات الشاعر سميح القاسم، و "تهليله أم"، كلمات الشاعر حسين البرغوثي، صاحب كلمات "جبينة" أيضًا.

كم كنت أتمنَّى على مطربتنا أن تواصل مشوارها مع الغناء وهي مُعتَمِدة على روح، أو على طابع هاتين الأغنيتين، "جبينة" و "تهليله أم"، النَّابعتين من التُّراث الفلسطينيّ، وتسير به إلى جانب طابعها الغنائي الذي ابتكرته، فأحببناه. أجْزِمُ أنَّ الشَّاعر الرَّاحل حسين البرغوثي حين كتب لها "جبينة" و "تهليلة أم" كان يهدف إلى تجسيد أغنية تُحاكي روح التُراث، وتستحضر أجوائه، ولكن بأسلوب جديد-متطوِّر، وقد تحقَّق ذلك تمامًا في هاتين الأغنيتين، ولا أتعدَّى الصَّوات إذا قلت إنَّ الشَّاعر "البرغوثي" أضاف لتجربتها فيهما لونًا جديدًا، تفاعل معه الفنَّان سعيد مراد عند التَّلحين، فأتى غاية في الجمال تاركًا خميرة صالحة لابتكار أغنيات أخرى، تُنضِج وتنمِّي بالتَّالي هذا المشروع الفنّي، المنغمس بالتُّراث الشعبيّ، فتتبلور في أجوائه الأغنية الفلسطينيَّة المشتهاة.

أما المرحلة الثَّانية فقد أقدَمَت عليها في التِّسعينات، وكما جاء في سيرتها الذاتيَّة، حين "دخلت في عمل مواز موسع في فرنسا واتجهت في العام 2002 إلى أساليب موسيقية مختلفة. تجسد ذلك بشكل أساسي في مدينة بيرن عندما أنتجت "محطات". عام 2004 قامت بالمشاركة مع فيرنر هيسلر المختص السويسري في الموسيقى الإلكترونية بعمل ألبوم حمل اسم «وميض». عام 2009" وغيره من الأعمال الفنيَّة.

لا أريد أن أتوقَّف عند المرحلة الثَّانية من مسيرة "جبران" مع الغناء والموسيقى، لأنَّ ذلك يحتاج إلى صفحات...وصفحات، ربَّما أعود إليها في المستقبل، ولكن لا بدَّ من التَّوضيح أنني حين أرى أنَّ التُّراث هو المنطلق الأمثل لتشكيل أغنيتنا الفلسطينيَّة الخاصة بنا، فإن ذلك لا ينفي إعجابي بتجربة كاميليا في أغنياتها الأخرى، لا سيَّما تلك التي أنجِزَت في المرحلة الأولى، كما ورد في أكثر من موضع أعلاه.

ملاحظة:

حكاية "جبينة" نُشِرَت في أكثر من موقع فلسطينيّ، كما شاهدنا حكايتها بالصُّور المتحرِّكة في فيلم قصير من إعداد طالبتين فلسطينيَّتين في الجَّامعة الأمريكية – جنين.

(رابط الأغنية على يو تيوب هو كالتالي)