حكايتي مع الهجرة

خديجة مرادي

كانت الأفكار تحوم في رأسي في تلك الليلة؛ لقد فكرت في الهجرة السرية ليلا بعيدا عن انظار الناس في قارب صغير يأخذني الى فرنسا لأحظى هناك بعمل جيد؛ فهنا أحس بأنني غريب في وطني ومن جهة أخرى حفزني رفاقي على ركوب قارب الموت معهم ظانين منهم أن ذاك البلد سوف يحترم مواهبنا ويؤمن لنا اعمالا شريفة. في الغد شاورت أبي في الأمر؛ فقلت: أريد السفر يا والدي، فانهمرت دموعه محذرة وكأنها تقول: بئس الهجرة مغادرة الأوطان إنها مغامرة وانتحاريا بني. ما يرفع الأوطان الا رجالها.

لم أفكر في كلامه واتبعت نفسي وكما يقال النفس أمارة بالسوء. في تلك الليلة حملت أغراضي ووضعت بعض النقود في محفظتي وخرجت من المنزل دون ان أفكر بالرجوع اليه ثم لاقيت أصدقائي الأربعة ... واتجهنا الى البحر الواسع وجهزنا القارب الصغير الذي ابتعناه خصيصا للهجرة.;

ركبنا قارب الموت متجهين الى فرنسا، مضى يومين على هجرتنا. مر الوقت ببطيء وكأنه مر علينا أسبوعين ومع مرور الأيام ما زلنا على حالنا وقد طوانا الطوى حتى الأسماك اختفت في عرض البحر. وبعد أيام نفد الماء رغم أنه يحيط بنا من كل الجوانب لكن قطرة منه توضع في افواهنا تؤدي بنا الى الموت.

نفذ الصبر من عندنا وذهب الأمل مع رياح الجنوب لم نستطع المقاومة ونحن نرى المياه تحيط بنا من كل الأرجاء، لا نعلم حتى أين نحن هل نحن في الطريق الصحيح الى فرنسا؟ أم سنظل على سطح البحر تائهين الى الأبد.

كانت الأمواج تحملنا ثم ترمينا وكأنها تريد ابتلاعنا. تذكرت حينها كلام والدي وانهمرت العبرات من عيني.

وبينما نحن على تلك الحال لوحت لنا اليابسة في الأفق وكأنها تريد ان نصل اليها بسرعة تهللت وجوهنا والأمل يعود مع طيور النورس من جديد، كانت اليابسة تختفي بين الضباب تارة وتظهر تارة أخرى.

كنا على مقربة منها نزلنا أخيرا من القارب ومشينا على الأرض كنا غير قادرين على التعبير عن شعورنا السعيد جدا لأننا في وجهتنا المنشودة،

نعم انها فرنسا، يا لفرحتنا.

بعد أن دخلنا المدينة الجميلة اتجهنا أولا بالقطار الى باريس ثم استأجرنا شقة بنقودنا التي أحضرناها معنا ونمنا فيها تلك الليلة.

في الغد خرجنا نحن الخمسة للبحث عن عمل شريف يكسبنا قوتنا اليومي، لكن للأسف لم يقبل أحد ان نعمل عنده، يا لتعاستنا، كنا ظانين أننا سنجد أعمالا جيدة هنا لكن كنا مخطئين وأكثر

ما حفز الفرنسيين على عدم قبولنا لنعمل عندهم هو أننا أبناء العرب وخاصة أننا جزائريون. فعدنا الى الشقة خائبين محملين باليأس.

وبعد مرور أسبوع جاء صاحب الشقة يريد ان يخرجنا منها، لم نجد أين نذهب حتى السماء لم تبتسم لنا ولم تشرق الشمس لتبعث الامل في أرواحنا وبدأت صور وطني الجزائر تلوح في ذاكرتي وبدأت بالحنين الى أهلي   لكنني سرعان ما تخطيت الامر.

لقد هزمنا الشتاء ولم نستطع المقاومة. لقد شعرنا بالجوع يعصر احشاءنا والبرد يشل أعضاءنا، وبعد وقت طويل من التفكير لاحت في ذهني فكرة يمكن ان تكون سببا في نجاتنا، فقد اتجهنا الى جمعية خيرية تساعدنا من الخروج من حالتنا الراهنة، ولم يكن الوصول اليها بالأمر الصعب وقد فتحت أبوابها لنا و رحبت بنا و كانت المفاجأة أن هناك كثيرين يحتاجون المساعدة من الجمعية فتأثرت بهذا و اهتزت روحي لهذا المنظر الأليم و فاضت بداخلي أحاسيس ممزوجة بالذل و القهر و الألآم و لم تكن فئة تنصرني من دون الله و كان الله وحده ناصرا لنا.

كنت أعيش لحظة ملأها الحزن والخوف. وفي تلك اللحظة زل لساني وقلت هيا يا أصدقاء لنخرج من هنا فردوا علي لكن هنا سننعم بالدفيء، لا نستطيع الخروج فصمت وجلست كالذي لا حول له ولاقوه، أدركت انني في موقف لا أحسد عليه نهضت من مجلسي واتجهت نحو النافذة، فوجدت السماء تمطر فزادتني حزننا وألما وعشت تلك اللحظة التي لا يتمنى ان يعيشها احد.

وقد جفت عيوني من كثرة الدموع وما نسيت ربي في سجودي أو ركوعي

ونمت تلك الليلة وانا أفكر في مصيري ومصير أصدقائي.

عند الصبح نهضت للصلاة بعد ان صليت جلست على سريري. سمعت صراخ احد الشيوخ القاطنين بذاك الحي  فأسرعت للنافذة فرأيت لصا يحاول انتزاع محفظته لبست معطفي وخرجت الى الشارع و ضربت

اللص وابعدته عنه فصفق لي كل من في الحي ,وبعدها شكرني العجوز قائلا: شكرا أيها الشاب لولاك لسرق ذاك اللص حقيبتي, ثم قال: على فكرة، هل انت تعمل يا بني؟ فقلت بحرارة: لا يا سيدي، وقد جئت هنا لأبحث عن عمل رفقة أصدقائي الأربعة، فهل تؤمن لنا عملا؟ أرجوك فنحن في حالة يرثى لها.

صمت العجوز ثم قال: مقابل انقاذك لي سوف أؤمن لك عملا أنت وحدك وليس لأصدقائك، أنا أملك مطعما مشهورا في باريس يمكنك أن تعمل فيه منظفا. شعرت بشعور ممزوج بقليل من الفرح والحزن والالم.

رجعت للأصدقاء لأخبرهم بالقصة، وبعد سماعهم حديثي شعروا بقليل من الفرح وقالو لي: لا بأس واحد منا يعمل أفضل من لا شيء.

وفي الغد نهضت باكرا وجهزت نفسي للذهاب الى العمل، واتجهت الى ذاك المطعم، وبعدها وصلت اليه كان فاخر للغاية، وقد كان الزوار يتوافدون اليه من كل مكان، دخلت واتجهت الى كبير الطهاة، وشرحت له قصتي مع مدير المطعم. فقال الرئيس لقد تلقيت المعلومات منه، تفضل من هنا. دخلت ذاك المطبخ الواسع، كان يبدوا كأرض واسعة من الأواني الحديدية والبلاستيكية، ثم ناداني كبير الخدم وقال: هل انت جديد هنا؟ فقلت بتوتر: نعم فقال اتبعني دخلنا الى غرفة كبيرة تحتوي على العديد من المكانس والمماسح ثم توجه كبير الخدم الى مكان تعليق المأرز وقال خذ ذاك المئزر وتلك المكنسة وابدأ بالتنظيف. نفذت أوامره وبدأت بالعمل، كان يوما مضنيا بالنسبة لي، لكنني استطعت تخطي    الأمر. وفي أخر النهار أعطاني العجوز أجري، كان مبلغا جيدا فرجعت به الى أصدقائي فرحا مسرورا، سعد الأصدقاء كثيرا بهذا الخبر وبدؤوا بالسؤال عن يومي وكيفية العمل في ذلك المطعم و مرت الأيام و ما زلت أعمل هناك.

 في أحد الأيام شب حريق في ذلك المطعم ولحسن الحظ كنت قد تأخرت في نومي وحين وصلت فوجئت بذلك الخبر فقد أصبح المطعم رمادا تأخذه الرياح ولا تعيده أبدا. أصيب كبير الخدم في يده أما العجوز فقد أغمي عليه. رجعت الى الغرفة التي أسكن فيها محملا بتلك الصور البشعة وعند عودتي سألني الأصدقاء ماذا حدث ولماذا عدت باكرا فقلت شب حريق كبير في المطعم فتأسف الأصدقاء لي وقالو لا حول ولا قوة الا بالله. وفي الغد ذهبت الى المستشفى لزيارة العجوز وكبير الخدم وكانوا في صحة جيدة، بعدها عدت الى الغرفة وقلبي يتحسر ألما وقهرا وذلا.

لم أستطع المقاومة وأنا أعود للجلوس في المنزل من جديد دون عمل. كان الأصدقاء صامتين لم يتكلم أحد منهم اما أنا فقد حزنت كثيرا وكانت أحداث ذاك الحريق المرعب تتوارى في ذاكرتي، وأنا أقول ماذا سنفعل الآن، ساعدنا يا الله. كنت في حالة يرثى لها لا أحد منكم يتمنى أن يكون في مكاني أبدا.

في اليوم التالي خرجت من الغرفة وذهبت لأبحث عن عمل أخر وأثناء بحثي التقيت بشيخ يملك دكان في زاوية الحي فسلمت عليه وقلت له: تسمح لي يا سيدي أن أعمل في دكانك مقابل أجر زهيد فالتفت الي بنظرة صارمة وقال أنت لست من هذا البلد أريد أوراق هويتك فاندهشت من سؤاله فقلت له ليس لدي أية أوراق فقال ارجع الى وطنك يا متهور لن تجد هنا عملا و أنا لا أقبل أن تعمل عندي، تجمدت في مكاني و لم أستطع التفوه بأية كلمة. وعدت الى الغرفة وقلت لبعض أصدقائي: لقد تعلمت اليوم أن الوطن أهم من العمل، سأعود الى الجزائر فمن يقبل أن يعود معي الى هذا الوطن الحبيب الذي ينادينا... شباب فلنعد الى أرضنا... فلنعد الى أهلنا.

نهض الشبان من مجالسهم وقالوا سنعود لن نبقى هنا متشردين في بلاد الغربة فوافق الجميع.

لكن هناك مشكلة كيف سنعود فنحن لا نملك اية بطاقة تثبت هويتنا؟؟؟

منذ ذلك اليوم ونحن نخطط ونبرمج تجهيزا لعودتنا الى الوطن، وبعد يومين وصل الى مسامعنا أن هناك سفينة ستنقل البضائع من فرنسا الى الجزائر وكان أحد أصدقائنا قد عاين تلك السفينة فوجد فيها مكانا يصلح للاختباء فقررنا أن نصعد اليها ليلا بعيدا عن أنظار الناس.

غدا ان شاء الله موعد عودتنا... كنا نفكر تلك الليلة طويلا ونسترجع تلك الذكريات الأليمة.

لقد لقينا التشرد والعذاب والألآم، ولم تحقق الأحلام، وتحطمت الأمال، وما بوسعنا سوى أن نعود الى وطننا المليء بالحب والحنان، غدا سنعود الى وطننا أخيرا. ذهبت لأشكر ذاك الشيخ صاحب الدكان.   

وفي تلك الليلة ذهبنا بهدوء الى السفينة واختبئا في ذلك المكان، وفي الصباح الباكر أقلعت السفينة، ففتح لها البحر أبوابه وبعد مدة وصلنا ولاحت نسائم بلدي الحبيب ومقام الشهيد الذي يرحب بنا بنظرة لوم

 تقول:

أيا راحلا لحضن تظن حنانه

يأويك وأنت فيه مشرد

أخيرا رست السفينة في الميناء ونزلنا ونحن نطير فرحا عدنا الى بلادنا عدنا...

 اتجه كل واحد الى بيته. وبعد وصولي فتحت الباب، وجدت والدي العزيز ينظر الى ذكريات الماضي، فانهمرت من عيوني دموع الحسرة والندم، فقلت: والدي، فنظر الي مصدوما وهو يقول: بني، فارتميت في احضانه، وانا اطلب سماحه وأقول: حق عليك يا والدي ان تلومني لكنه قابلني بابتسامة قائلا: ابدأ صفحة جديدة مع وطنك يا بني.

  قلت في نفسي لو بقيت في فرنسا ماذا كان سيحدث؟

وتابعت حياتي في بلدي الحبيب.

يا أعزاءي اياكم ان تفكروا بالهجرة السرية مبتعدين عن اوطانكم.

وطني سأفديك بالنفس والنفيس

 سأعيش وارفع مجدك الحلو البهيج

سأكمل المشوار من اجلك يا وطني العزيز