قصص قصيرة 919

إيمان قاسم

*قــدر :

 استعد للسفر رغبة في عيش كريم ، وقف على باب داره ينتظر صديقا له ليوصله بسيارته الخاصة إلى المطار ، تأخر صاحبه قليلا ، انتظر  وهو ينظر إلى ساعته بين الفينة والفينة ، موعد إقلاع الطائرة بدأ يقترب جدا ، لاأثر لصاحبه ، حاول تدبير أمر ذهابه إلى المطار ، ولم يتيسر الأمر ، دخل بيته والألم أخذ منه  بهجة سفره ، حوقل عدة مرات ، طُرق الباب خرج ليلقى صاحبه لدى الباب وبدون سيارة ،  ألقى صاحبه اعتذاره بحراره لأن السيارة  فيها عطل ما . همَّ بالدخول مع صاحبه إلى داخل البيت ، ولكن الأخ الأصغر للرجل أقبل ، واحتضن أخاه باكيا وهو يردد : الحمد لله رب العالمين ، سأل أخوه مابك يا أخي ؟ مالك ؟ قال الحمد لله أني رأيتك الآن ، قال : ولماذا ؟ أجابه : لو سافرت في هذه الرحلة لما وجدناك الآن في هذا المكان !!!

*دعاء مظلوم :

    اتكأ على كرسيه مشمخرا بعنفوان مميز ، وخاطب أحد عمال  المؤسسة بغلظة ، طالبا منه عملا ليس من مهامه اليومية ،  قال العامل لم أكلف من قبل بهذا العمل ، ولو كُلفتُ به لما احتاج الأمر إلى مَن يذكرني . ازداد عنفوان هذا المتسلط ، واحمر وجهه وعلا صوته ،  وقال افعل ما أقول لك وإلا !!! أجااب العامل سأفعل وأفوض أمري إلى الله ، نظر إليه الطاغية الصغير بشيء من ....... وخرج العامل وهو يدمدم بصوت غير مسموع : اللهم إنك تسمع وترى ، وأنت الحكم العدل ، وخرج . غدا وبعد غدٍ عطلة أسبوعية ، وفي اليوم الثالث أقبل موظفو المؤسسة إلى مكاتبهم ، ولكن الطاغية الصغير لم يحضر . تهامس الموظفون ، يسألون عن سبب عدم مجيئه ،  ساعتها أقبل أحد الموظفين وكان بيته بجوار بيت هذا ، فأخبرهم أن جلطة دماغية شلَّت نصفه الأيسر ، وهو الآن في المستشفى .

*يتيـــم :

    استشهد والده في ميدان الدفاع عن دينه وعن مغاني وطنه الحبيب ، وما أتم السابعة من عمره ، ألحقته أمه بإحدى مدارس تحفيظ القرآن الكريم ، فاستقبله الشيخ المسؤول عن حلقة تحفيظ القرآن الكريم بحفاوة بالغة ، فهو ابن صديقه العزيز الشهيد ، فحفظ القرآن الكريم خلال ثلاثة أعوام ، وكان صوته عذبا وترتيله للآيات تأخذ بالألباب . وفي حفل تكريم الحفظة ، قدَّموه لتلاوة آيات يُفتتحُ بهـا الحفل ، فأجاد واشرأبت إليه عيون الحاضرين ، وانتهى الحفل بتوزيع جوائز على الحفظة ، وكان من بين الحاضرين أحد أثرياء القوم من المحسنين الأفاضل ، وقد أعجب بهذا الطفل  القارئ ، فاستوقفه وسأله ، فعلم أنه ابن شهيد يعرفه هذا المحسن ، وكان برفقته خاله ، فدعاهما الرجل للركوب معه في سيارته ، وألحَّ على خاله فقبل شاكرا ومقدرا .  واتجه الرجل بسيارته إلى بيته ، ودخل البيت ثم خرج وامتطى السيارة إلى دار  الشهيد ، نزل الطفل وخاله ، ونزل الرجل المحسن ، وقبَّل رأس الطفل القارئ ، وناوله محفظة مغلقة وقال له : هذه جائزتك مني . ودعا له بالتوفيق . دخل الطفل بيته فاستقبلته أمُّه وضمته وقبلته ، فقال لها أخوها : ولدك أفضل قارئ ، وقد أخذ جائزته من رعاة الحفل ، ولكن الجائزة الخاصة له كانت من أغنى محسن في المدينة ، فهنيئا لك يا أختي على تربيتك له ، وطوبى لكم بالخير الذي أتاحه الله لكم .

*إمــام :

    صديقي ولكنه يشعر بأنه يتمتع بصفة غالية على نفسه ، تدور بيننا أحاديث ، أختزل واحدا منها لأنفره من تلك الصفة القبيحة ، ولكن لاجدوى ، أشعر أن معدنه طيب ، ومحتده كريم ، فأردتُ أن يكتمل بناء شخصيته بالإقلاع عن أقبح الصفات وأكثرها خطرا على مصيره ، قلَّبت كتبَ السير فوجدت فيها الكثير مما أبحث عنه ، وذات ليلة جاءت المناسبةُ مُناسبةً لِمـا أُريد ، فقلت له : يُروى أن إماما عالما حكيما كان يختبئ دائما بعباءة البساطة ، نزل يوما إلى السوق فاشترى حزمة حطب لبيته ، فشاهده الناس ، وهرعوا إليه وكل واحد منهم يرجوه أن يحمل عنه حزمة الحطب ، تقديرا لجلالة قدره ، ومكانته العالية بينهم . وقد جاوز الستين من عمره ، فدمعت عيناه ، ولم يرض بأن يحمل حزمة الحطب غيره ، ويقول لهم نحن قوم مساكين . فوقف أحدهم وأخذ يمدحه ويذكر جميل مناقبه ، وعظيم مايملك من علم غزير وخُلُق عظيم ، فقال له الإمام  : أُشهد الله  أني أمقتك على هذا الذي ذكرتَ . والله لو تعلم ما أنا عليه من تقصير وما عندي من الخطايا لحثوت بالتراب على رأسي ، وتابع سيره إلى بيته وحزمة الحطب على منكبه . قاطعه صديقه صاحب الصفة القبيحة قائلا : ومن يكون هذا الرجل . فقال : أمثلك يا أخي يسأل مثل هذا السؤال ، اسأل تراث آبائك وأجدادك ، وسير العظماء الأجلاء من أبناء أمتك ، وعندئذ ستعرف مَن هذا الإمام ، وتعرف الكثير الكثير من عظماء أمتنا المجيدة .

*الثرثار  :

    كنت دائم الثرثرة ، لاتلوموني ! فهكذا هي عادتي منذ يفاعتي ، وكان أهلي يسموني الثرثار ، وكنت أضحك بل أفرح كثيرا ، وتنتعش ثرثرتي في كل مرة ينادونني بها ، أغراني صديقي بأن أرافقه إلى بيت عالم من أبناء مدينتنا التي يسمونها مقبرة الحكماء ، ولا أعرف سبب تلك التسمية ، فانقادت خطاي معه ، ودخلنا مجلس ذلك العالم ووجدنا العديد من الناس جالسين ، وهم يصغون لِمَـا يدور من أحاديث ، وكانت للعالم هيبة و وقار  ، وإذا تكلم أصغى إليه الجالسون وكأن على رؤوسهم الطير ــ كما يُقال في الأمثال ــ دخلتُ وصديقي فيما كان يحدث ويقول : للحديث أصول ، وللصمت أصول ، فالحديث في غير موضعه حماقة وسفاهة ، والصمت في غير موضعه خذلان وجبن ، ووقت الحديث المناسب أجمل للمرء وأجدى للسامع . والصمت يوجع الفؤاد إذا حبس كلمة الحق والخير  ، ويبقى للإنسان من تصرفاته مايزين بها نفسه . واستطرد العالم في أحاديثه الممتعة إلى آخر الجلسة . خرجت  مع صديقي  ، ونفسي على غير ماكانت عليه ، وعلمت في تلك الساعة أن قيمة الإنسان ليس فيما يملك من مال أو جاه ، ولكن قيمته ومكانته فيما يقدم لمجتمعه من قيم ومآثر .