البرنامج الرمضاني منشد الشارقة منارة وإشارة وبشارة

البرنامج الرمضاني منشد الشارقة

منارة وإشارة وبشارة

أبو المعتصم بالله يوسف النتشة

natshehlab@yahoo.com

 لقد سعدت كما سعد الكثيرون مثلي من محبي النشيد الإسلامي ومشجعيه ، بمتابعة حلقات من البرنامج الرمضاني ( منشد الشارقة)، هذا البرنامج الذي بثته فناة الشارقة الفضائية على مدار الشهر الفضيل ، وحظي باهتمام كبير من متابعي ذلك النوع من النشيد وعشاقه في مشارق الأرض ومغاربها،ولقد أسعفني الوقت بمتابعة بعض حلقاته، وذلك رغم شح الوقت في رمضان الخير لكثرة وجوه الخير ،إلا أنني تمنيت لو تابعت كل حلقاته وفقراته لما وجدت فيه من واقع حي يتجسد أمامي بعد أن كان بالأمس القريب يشكل حلما بعيد المنال، وأمنية ضمن الأمنيات الكثيرة التي تداعب خاطر كل مسلم داعية ، يتمنى لأمته ومجتمعه أن ينتقل نقلة كاملة إلى حيز الولاء الكامل المتكامل لله تعالى فكرا وشعورا وانتماء، ومن ضيق الدنيا وضنك الحياة الصاخبة التي تطحن الجيل بمفسداتها وملهياتها وأوحالهاإلى فسحة الطهر والعفاف الذي يزكي القلب ، ويسمو بالروح ويطهر السمع والبصر والفؤاد..

 لقد عادت بي الذاكرة - عندما كنت أعود إلى المنزل بعد صلاة التراويح، فأجد أطفالي متحولقين حول التلفاز،متابعين للبرنامج باهتمام بالغ – إلى أكثر من عشرين سنة خلت ، حيث كنت أحس بالغربة في مجتمعي الصغير والكبير ، عندما أستمع إلى أشرطة أبي مازن وأبي الجود وأبي دجانة ومن بعدهم أبي راتب ، حيث أتهم ومن هم على شاكلتي بالتخلف وبالمزاج المخالف لجيل الشباب ، والذين كان ديدنهم وهمهم متابعة أحدث ألحان وأغنيات نجوم الفن والطرب... ولكم تعبت وتعب كثيرون غيري سعيا إلى تطهير المجتمع من الفن الهابط ، الذي يرتكس بالنفس وبالروح وبالمشاعر إلى حمأة الرذيلة ، وإلى تغذية كل الكوامن الحيوانية في النفس الإنسانية – ولكم بذل المخلصون جهودا مضنية، وسعى الدعاة الصادقون إلى ايجاد الفن الملتزم البديل - الذي هو الأصيل ابتداء – والذي يرتقي بالروح وبالنفس وبالمشاعر، ويحلق بها في سماوات العفة والطهارة ، ويوقظ مكامن الفكر والتفكر والتدبر في حنايا العقل - الذي يراد له أن يتعطل تحت ضغط الهوى - ويفجر- اي الفن الأصيل - ينابيع النبل والخير في أعماق النفس الإنسانية ، التي أريد لها أن تـُغيـّب تحت قهر الشهوات والنزوات الحيوانية ..

 لقد وفرت قناة الشارقة بهذا البرنامج الكثير الكثير من الجهد على دعاة الفن الملتزم الأصيل ، وكانت مبادرتها إلى هذا العمل البناء ، فكرة رائدة ، وعملا رائعا ،وبشارة لكل الدعاة الذين عاشوا وما زال بعيش كثير منهم عيشة اغتراب في مجتماتهم، ولقد قدمت هذه القناة بهذا البرنامج خدمة جليلة للدعوة الإسلامية في مجال الفن الإسلامي المميز. إن هذه القناة المميزة منذ بداياتها ، قد أضافت إلى رصيدها المشرف – يهذا العمل –ما يزيدها شرفا وتميزا،وأكدت على الدور الأهم والأخطر الذي يمكن للإعلام أن يلعبه في نشر الفكر النظيف ، وتطهير الجيل من مؤثرات الإعلام الهابط فكرا وفنا وانتماء، وهنا فإنني ما زلت أذكر أنني التقيت يوما أحد القاثمين على هذه القناة في رام الله قبل بضع سنين، وتحدثنا عن الواقع المر للإعلام العربي ، حيث تحدث لي بإسهاب عن الخطوط العريضة لقناة الشارقة ، ودورها في بناء إعلام إسلامي نقي، إذ أنه يتم التدقيق في كل ما يبث في هذه القناة، حتى في بعض الكلمات والمصطلحات التي تذكر في نشرات الأخبار، كأسماء المغتصبات الصهيونية ،أو التسميات التي تطلق على حركات المقاومة الشريفة، والتي توصف في بعض الفضائيات المشهورة بالتمرد ، وتنعت بالإرهاب ، فلقد كانت هذه القناة سباقة إلى كل خير ،وأعطت وما زالت تعطي النموذج الأقرب إلى المؤسسة الإعلامية التي يتمناها أبناء الأمة ودعاة الخير والإصلاح فيها..

 وعود على بدء... فلقد مثل برنامج ( منشد الشارقة) نقلة نوعية كبيرة في الارتقاء بالفن الملتزم إلى حيث يجب أن يكون، هذا البرنامج الذي اسنضاف ثلاثة عشرمن المنشدين المبدعين من أرض العرب مشرقها ومغربها،وهم جميعا من النجوم في أقطارهم ،وممن يتوقع لهم دور ريادي في تأصيل الفن الإسلامي والنهوض به وإثرائه وانتشاره..

 إن هذا البرنامج وبغض النظر عن بعض الملاحظات حول طريقة عرضه والأسس التي اعتمدت لإدارة المسابقة - يمثل تلك النقلة النوعية ليس فقط لما بذل من جهد مخلص موصول في إعداده وفي بثه ، ولا في المستوى الإبداعي الذي امتاز به معظم المشاركين في المسابقة – بل الأبرز في تلك النقلة - مع الدور الكبير لما ذكرت - هو الحضور الشعبي الهائل ، والتواصل والالتفاف الكبير حول البرنامج، على مستوى العالم الإسلامي،وهنا يكمن بيت القصيد ، إذ أن في ذلك إشارة جلية إلى مدى النقلة الهائلة في مستوى مشاعرأبناء الأمة ، تجاه كل ما يتاح لهم ، ويعرض عليهم بصدق وصفاء من كنوز النبع الصافي الأصيل الذي تتعطش إليه أرواحهم وقلوبهم .

 إن الأمة وهي تخطو خطواتها الثابتة نحو إحياء هويتها الحضارية وملامحها الأصيلة - لهي في أمس الحاجة إلى جهد كل صاحب جهد ، وإلى موهبة كل صاحب موهبة ، كي تسير سفينة الايمان راسخة شامخة رغم أمواج الجاهلية الجهلاء التي تحاول أن تعيق المسيرة من كل جانب.

 إن برنامج ( منشد الشارقة) إشارة واضحة لما تملكه الأمة من طاقات ومواهب معطلة يمكن أن تقدم خدمة كبيرة للدعوة الإسلامية ، ولكن هذه الطاقات بحاجة إلى من يكتشفها ويأخذ بيدها ، وبحاجة من صاحب الموهبة نفسه إلى أن يستفيد من كل فرصة تتاح لخدمة دينه ودعوته، مبتغيا بذلك وجه الله تعالى.( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ،ولا تنس نصيبك من الدنيا .. وأحسن كما أحسن الله إليك)

 إن ما امتازت به كل الأناشيد التي تم بثها في البرنامج، أنها مطهرة من رجس الشيطان سواء من المعاني الهابطة،أو العبارات التي تخدش السمع والذوق والحياء، فقد اشتملت على كلمات عذبة منتقاة تخاطب المشاعر برقة ونداوة كنسيم الصبح إذا أسفر، وعلى معان سامية سامقة تدور بالقلوب في عالم الطهر والصفاء،وتدير في النفس وفي العقل دولاب التفكروالتدبر، وتنعش الروح بألحان هي غاية في الإبداع وحسن الأداء.. ولعل من أبرز ما امتازت به تلك الأناشيد ، أنها تحدث كل ذلك الأثر في النفس وفي الروح دونما استخدام لآلات الموسيقى والطرب ، ومزامير الشيطان التي أصبحت في الآونة الأخيرة الشغل الشاغل ، والهاجس الأهم لدى كثير من الإخوة الذين يرون في استخدام الموسيقى ضرورة فنية للارتقاء بالنشيد الإسلامي لمستوى ما يتطلبه الواقع .وأنا هنا لن أخوض في موضوع الموسيقى، فلست من هواة الخلاف، ولكنني أكتفي في هذا المقام بأن أهمس في أذن كل أخ داعية حبيب، أن الفن والنشيد لون من ألوان الدعوة ، حتى لو قصد منه الترفيه ،فإسلامنا علمنا أن لنا في كل عمل نعمله أجرا، ما دمنا نبتغي به وجه الله تعالى وما دام ذلك العمل خارج دائرة المحرم أو المحظور ،والأحاديث الشريفة في ذلك معروفة - ...

 ثم إنه ما دام المنشد داعية ،يبتغي من تقديم ما آتاه الله خدمة الدين وطاعة الله تعالى كغيره من الدعاة في شتى المجالات - فإن الداعية في قومه كالقائد في جيشه والمفكر في أمته، يجب أن يرتقي بالناس إلى مستوى تفكيره وفهمه ،وحقيقة تصوراته وأخلاقه ،وينتشلهم مما قد يكون علق بهم من درن الجهل والبعد عن منهج الله تعالى ، لا أن يهبط هو إلى مستوى العامة بفكره أو فنه من أجل أن يجاملهم ويرضي أذواقهم،هذا مع ضرورة مخاطبة الناس على قدر عقولهم ،كما أود أن أذ َكـَر هنا أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتركون تسعة أعشار الحلال خوفا من الوقوع في المحرم ، فما بال بعضنا يتهافت على الشيهات أوعلى ما اختلف عليه العلماء، لدرجة أن ينادي بعض الأفاضل بحرمة تحريم الموسيقى !!

 ولعل ما سعدنا بسماعه من أناشيد منشدي الشارقة أكد أن سر نجاح الأنشودة يتوقف على عناصر ثلاثة بعد توفر الموهبة وجمال الصوت لدى المنشد:

·لإخلاص وابتغاء وجه الله تعالى أولا : فتخرج الكلمة من قلب المنشد محاطة بهالة من المشاعر الصادقة الفياضة ، لتحط في قلب المتلقي غضة طازجة بنفس النفـََس والقالب الشعوري (أي كما وردت من المصدر) والعكس بالعكس..

·  حسن اختيار الكلمات والمعاني التي تجد صدى وقبولا في أعماق النفس البشرية، والتي تستطيع أن تنفذ إلى تلك الأعماق دون استئذان ( وهذا بالطبع لدى صاحب الفطرة السوية التي لم تلوثها الأهواء). ألم يكن كتاب الله عز وجل (ولله المثل الأعلى) يخترق أعماق نفوس الكافرين عندما يتلى عليهم، فيبهتون ولا يملكون إلا الإقرار بإعجازه، وما يمنعهم عن الايمان إلا المكابرة.؟

·  ثم عذوبة اللحن وحسن الأداء ، وحسن اختيار الأنشودة ذات المعنى المناسب في الوقت المناسب.

 ولعلنا نستذكر هنا المنشد أبا مازن الذي خط بعض أهم الخطوط الأولى في عالم النشيد ، معتمدا بعد توفيق الله عز وجل على موهبته المميزة، وعلى حسن اختيار الكلمات والمعاني، وكذلك على حسن الأداءالذي تتلمس فيه الصدق كل الصدق ، وتحس بكل خلجة من خلجات المنشد مع ما يصدح يه ويصدع ، ولقد قدم ذلك المنشد المؤسس العديد من الأناشيد البديعة بمفرده ، مستغنيا عن أي مؤثر آخر، بل حتى عن فرقة تردد اللحن معه ، وكذلك فعل المنشد الجليل أبو الجود – كما هو الحال في شريطه السابع - وآخرون ممن يستحقون أن نسميهم بحق جيل التأسيس للنشيد الإسلامي – هذا مع حفظ الفضل لأولي الفضل من الذين سبقوا والذين لم تتح لكثير منا فرصة التعرف على مواهبهم وإنتاجهم - ...

 لقد كانت بصمات جيل التأسيس هذا واضحة على معظم الأناشيد التي استمتعنا بسماعها في برنامج منشد الشارقة ،وكان حضور اثنين منهم ضمن لجنة التحكيم،والقبول العارم الذي لاقاه حضورهما أكبردليل على ذلك، بل إن مشاركة المنشد الجليل أبي الجود والمنشد الذكي أبي راتب قد أضفى على الأناشبد كلها صفة الأناشيد الملتزمة، تلك التي تتلهف القلوب قبل الآذان لسماعها ..

 نعم فلقد كان في ذلك الحضور المتألق والقوي لشيخين من شيوخ النشيد الإسلامي إشارة واضحة على أن نهج جيل التأسيس هو الأساس، وهو الذي عليه الإجماع وهو المطلوب الأول لدى جمهور المسلمين،وإن التفاعل منقطع النظير مع البرنامج لديل ساطع على ذلك.

 حقا إن برنامج (منشد الشارقة ) بفكرته ومضمونه وطريقة أدائه - قد أعطى إشارة واضحة غلى ما تملكه الأمة من كنوز دفينة ، ودرر ثمينة لا ينقصها إلا من يحسن التنقيب عنها، ومن يتقن الغوص في بحر هذه الأمة الذي يموج بالكنوز والنفائس، ليس في مجال الفن والإنشاد فحسب ، بل في كل حقول العلم والمعرفية الإنسانية والتقنية،

ويا ليت عشر معشار ما تملكه هذه الأمة من فضائيات ووسائل إعلام ، يعطي بعضا من جهده ووقته – المهدور غالبا - في البحث والتنقيب عن تلك النفائس التي تـُطحن وتدفن تحت ركام ما تعرضه تلك الفضائيات ليل نهار من فن رخيص وفكر هابط ..

 ولقد خط هذا البرنامج نقطة مضيئة ، ومنارة راشدة مرشدة للسالكين درب الفن الملتزم الأصيل، ليتواءم وينسجم مع تيار الأجيال العائدة إلى نبع عقيدتها النقي الصافي، وإلى إسلامها - أساس وجودها واستمرار عطائها وبقائها - كما جاء به قائدها الأول محمد صلى الله عليه وسلم ...

 ثم إن هذا البرنامج يمثل بشارة لكل العاملين في مجال الفن الإسلامي الأصيل خصوصا ،وإلى الدعاة الحريصين على مستقبل الجيل عموما،أولئك الذين ما طفقوا يحاولون المرة تلو الكرة لانتشال مجتمعاتهم من وحل الجاهلية العمياء التي تلاحقهم سياطها في البيت والسيارة والمدرسة والجامعة والشارع، وفي كل رواق وكل زقاق، بل تلاحق الراعي والغنم لو فكر أحدهم أن يجعل خير ماله أن يرعى الغنم.. !!

 وبعد .. فلعل تلك الإشارة والبشارة والمنارة التي صدرت عن ذلك البرنامج، قد فتحت آفاقا جديدة للعاملين في حقل النتشيد الإسلامي ،مما يوجب أن يتبعها حسن الاستغلال والمتابعة لتلك الطاقات الكامنة، والرصيد الهائل المدخر في هذاالمضمار،من أجل النهوض بهذا الحقل من حقول العمل الإسلامي ، وصولا إلى المستوى الذي يستحقه والذي يجب أن يكون عليه، لمواجهة الزحف المعاكس من جهة، ولتحقيق الهدف منه من ناحية أخرى، ويكفينا إن نحن أخلصنا النيات في هذا المجال ،وابتغينا بعملنا وجه الله تعالى – أن يتحقق أمام أعيننا قول الله عز وجل: ( فأما الزبد فيذهب جفاء ، وأما ما ينفع الناس فبمكث في الأرض).. صدق الله العظيم... 

               

`