نقد أدبي > مدخل في مفهوم المكان في النصّ الحكائيّ
|
|
|
مدخل في مفهوم المكان في النصّ الحكائيّ

د. محمد عبد
الرحمن يونس
قاص ورائي وباحث وأستاذ جامعي
younesmoon@hotmail.com
للمكان
أهميّة كبيرة في بناء الحدث الحكائيّ، فهو البنية الأساسيّة من بنياته الفنيّة،
و لا يمكن تصوّر أحداث قصصية إلاّ بوجود مكان تنمو فيه و تتشعّب، لأنّ المكان
يحتوي على الأحداث و يبنيها و يشعّبها. و من داخل الفضاء المكانيّ تتم عمليات
التخيّل و الاستذكار و الحلم، فلا يمكننا أن نتخيّل بطلاً أو شخصية قصصية تفكّر
و تتفاعل مع أخرى، و تراقب و تحلّل الأوضاع الإيديولوجية و الاجتماعيّة، أو
تثبت رؤاها إلاّ من داخل المكان ومن خلاله.
و يحدّد المكان في النصوص الحكائيّة مسار الشخصيات، و هو ضروري بالنسبة للسرد
الحكائيّ، لأنّ السرد، و لكي ينمو و يتطوّر، فإنّه يحتاج إلى عناصر زمانيّة و
مكانيّة، و الحدث
»
لا يُقدّم سوى مصحوب بجميع إحداثيّاته الزمانيّة و المكانيّة، و من دون وجود
هذه المعطيات يستحيل على السرد أن يؤدّي رسالته الحكائيّة
«.
إنّ الفضاء المكانيّ بامتداداته و مكوّناته يساعدنا على فهم الشّخوص التي
تقطنه، و وضعها الاجتماعيّ، و تكوينها السياسيّ و الفكريّ و الإيديولوجيا
المعرفيّة التي تتبناها، و بالتالي يمكّننا من أن نفهم مجمل الأوضاع السياسيّة
و الثقافيّة و الاقتصاديّة لمجتمع من المجتمعات، أو مدينة من المدن، فالفضاء
المكانيّ
»
لا يتشكّل إلاّ عبر رؤية ما، بل و يمكن القول بأنّ الحديث عن المكان (…) هو
حديث محوّر عن رؤية ذلك المكان و زاوية النظر التي يتّخذها الرّاوي عند مباشرته
له. فالرؤية التي ستقودنا نحو معرفة المكان و تملّكه من حيث هو صورة تنعكس في
ذهن الرّاوي و يدركها وعيه قبل أن يعرضها علينا في خطابه
«.
و الفضاء المكانيّ في النصوص الحكائيّة يكشف عن عادات سكّانه، وتاريخهم
الثقافيّ و المعرفيّ و السياسيّ، بتعبير آخر إنّه يقدّمهم في صيرورتهم
التاريخيّة و الحضاريّة. و يرى أحد الباحثين
»
أنّ المكان هو الذي يؤسس الحكي لأنّه يجعل القصة المتخيَّلة ذات مظهر مماثل
لمظهر الحقيقة
«.
فعلى سبيل المثال نجد أنّ الدخول في المكان في ألف ليلة وليلة، و الخروج منه
يعني مزيداً من تدفّق الوحدات السردية، و استحضار الأمكنة الجديدة، فخروج علاء
الدين أبي الشامات من قصر والده شمس الدين، شهبندر التجار بمصر، إلى أمكنة
جديدة ببغداد، جعل السرد يحفل بالأحداث الكثيرة المتشعّبة، و بالتالي تعددت صور
المكان مع هذا الخروج، فهناك في بغداد التي وصلها علاء الدين فضاءات مكانيّة
كثيرة يدخلها علاء الدين: فضاء المسجد، و فضاء منزل زبيدة العوديّة، و فضاء دار
القاضي، و سوق الجواري، و قصر الخليفة الرشيد … الخ.
و من هنا، فإنّ تشكّل الأحداث و سيرورتها يفترض صوراّ جديدة للأمكنة، سواء
أكانت واسعة أم ضيّقة.
و يرى بول كلافال أنّ المكان بالنسبة لقاطنيه يشكّل رمزاً للأمان، و مصدراً
للاعتزاز و التعلّق. يقول:
»
المكان هو أحد الدعائم المفضّلة للنشاط النموذجيّ، ينظر إليه من يسكنونه أو من
يعطونه قيمة، و ذلك بطرق مختلفة، يُضاف إلى الامتداد الذي يشغلونه، و يتجوّلون
فيه و يستعملونه، في فكرهم، امتداد يعرفونه و يحبّونه و الذي هو بالنسبة إليهم،
رمز أمان، باعث عزّة، أو مصدر تعلّق
«.
و من الفضاءات التي تبدو رمزاً للأمان، و صدراً للتعلّق، في نصوص ألف ليلة و
ليلة: فضاء المسجد، و أحياناً فضاء الحمّام، و مقصورات الجواري، و فضاءات أسواق
الجواري، و فضاءات البساتين.
و يبدو أنّ دراسة بنية المكان و أوصافه و محتوياته في النصوص الحكائية ستساعدنا
على فهم البنية المعرفيّة، و الوضع الاقتصاديّ و الطبقيّ للسكّان الذين ينتمون
إلى هذا المكان، فـ
»
وصف الأثاث و الأغراض
]داخل
المكان[
هو نوع من وصف الأشخاص الذي لا غنى عنه. فهناك أشياء لا يمكن أن يفهمها القارئ
و يحسّها إلاّ إذا وضعنا أمام ناظريه
»
الديكور
«
و توابع العمل و لواحقه
«.
و بشكل عام يظلّ بيت الإنسان امتداداً له، فإذا وصفنا البيت فقد وصفنا الإنسان.
فعلى سبيل المثال يُلاحظ أنّ محتويات منزل البنات الثلاث
في حكاية
»
الحمال و البنات
«
، تشير إلى الوضع الطبقي لهاته البنات، و تشير إلى أي مدى قطعته طبقة التّجار ـ
في بغداد العباسيّة ـ في الثراء الفاحش و تثمين الأموال، كما أنّها تكشف عن
البنية الذهنيّة و السلوكيّة لهاته البنات، التي تنحصر في العبث و اللهو، و
معاقرة الخمرة، و تشير أيضاً إلى مدى عمق العلاقة التي تربط السياسيّ بالتجاريّ
في بغداد، و إلى تقدير السياسيّ للتجاريّ و احترامه له، نظراً لأموال التجاري
الكثيرة.

(1) - عن/ بحراوي، حسن: بنية الشكل الروائي، المركز الثقافي العربي،
بيروت/الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1990م، ص 29. و أخذ بحراوي عن/
Grivel,
Charles: Prodoction de l`interet romansque, E.D Mouton, Paris, 1973, P. 101.
(2) - م ن، ص 100 – 101.
(3) - du roman, P. O.
F, 1980, P. 164. Mitterand, Henri: Le Discoures
مستشهد به عند: لحمداني، د. حميد: بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي،
المركز الثقافي العربي، بيروت/الدار البيضاء. الطبعة الأولى، آب 1991م، ص 65.
(4) - لمزيد من الاطلاع تنظر الحكاية في المجلد الثاني، ص 347.
(5) - لحمداني، د. حميد: بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي، ص 63.
(6) - المكان و السلطة، ترجمة د. عبد الأمير إبراهيم شمس الدين، المؤسسة
الجامعية للدراسات و النشر و التوزيع، الطبعة الأولى 1410هـ/1990م، ص 24.
(7) - بونور، ميشال: بحوث في الرواية الجديدة، ترجمة فريد أنطونيوس، منشورات
عويدات، بيروت/ باريس، الطبعة الثانية 1982م، ص53.
(8) - وارين، اوستن؛ ويليك، رينيه: نظرية الأدب، ترجمة محي الدين صبحي، منشورات
المجلس الأعلى لرعاية الفنون و الأدب، دمشق، الطبعة الأولى 1972م، ص 288.
(9) - لمزيد من الاطلاع يُنظر: ألف ليلة و ليلة، 1/47.
|