|
درس ما بعد غزوة أحد
15 / 10 / 1974
(6)

العلامة محمود مشّوح
(أبو طريف)
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ،
أما بعد :
ففي
درس الأمس سمعنا الله جلّ وعلا يقول ( يا أيها الذين
آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين ، بل الله مولاكم
وهو خير الناصرين ، سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم يُنزّل
به سلطاناً ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين ) ولقد تبين لنا من خلال البحث
في هؤلاء الآيات أن الله جلّ وعلا أراد أن يلغي أي أثرٍ من آثار الثقة يمكن أن يقوم
بين المؤمنين والكافرين ، وأن الله سـبحانه وتعالى نفّر عن هذا بالنسبة للكافرين (
إن تطيعوا الذين كفروا ) وأن الكفر لفظ يجمع تحت
مدلوله شُعباً كثيرة ، فاليهود كافرون والنصارى كافرون والمجوس كافرون وعبدة
الأوثان كافرون والمنافقون كافرون والشيوعيون والدهريون والملاحدة كافرون ، فالله
جلّ وعلا حين نفر من هذه الثقة بالنسبة للكافرين أراد أن يلغي هذه الثقة بين
المسلمين وبين كل طوائف الكافرين .
وقد تأتي بعض الأزمان وبعض الأحوال تفرض فيها المواضعات الاجتماعية والموازين
الدولية ألواناً من العلاقات بين الكتل المتغايرة ، فلا ينبغي أن يصرف هذا الأمر
العارض المؤقت أنظار المسلمين عن الحقيقة الرئيسية وهي أن تناقضاً مبدئياً وتفارقاً
صميمياً قائم وينبغي أن يظل قائماً بين المسلمين باعتبارهم مسلمين وبين كل طوائف
الكفر والضلال .
(
يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على
أعقابكم فتنقلبوا خاسرين ، بل الله مولاكم وهو خير الناصرين ، سنلقي في قلوب الذين
كفروا الرعب ) في القسم الأول الذي قرأناه الآن تثبيت من الله جلّ وعلا
للمؤمنين وتطمين لهم بأن العاقبة معهم وبأن النصر في صفهم . وفي القسم الثاني من
هذا الكلام بيانٌ لحقيقة المشركين ( سنلقي في قلوب الذين
كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً ) واستعمال هذه الصيغة
( سنلقي ) مسندةً إلى الرب جلّ وعلا بضمير المتكلم المعظم لنفسه دلالة على مفهومٍ
يريد الله جلّ وعلا إلقاءه في قلوب المؤمنين ، مفاده أن هؤلاء المشركين الرعب مزروع
في قلوبهم ، لا لكثافة أعدائهم ولا لهوان موقعهم في الدنيا ، ولكن صُنع الله جلّ
وعلا ، وأن استعمال هذا الضمير ( سنلقي ) بصيغة التعظيم يتكلم فيه الرب جلّ وعلا
دلالةٌ أيضاً على أن الرعب الذي يسكن قلوب الكافرين صنع ربٍ قاهرٍ قادرٍ لا يمكن أن
يحول دون آثار صنعه أي تدبير إنسانيٍ كان ، فالكافرون مهما كثفت جيوشهم وعظمت
أساطيلهم في البر والبحر والجو ، ومهما اتسعت أحلافهم وكثر العاملون لهم في الداخل
والخارج .. فهم محكوم عليهم بالهزيمة والانهيار ضرورة وجود هذا الرعب الذي غرسه
الله جلّ وعلا في قلوبهم . وسبب هذا الرعب أنهم أشركوا بالله ما لم ينزل به عليهم
سلطاناً ، فالمشرك لا يعرف له قراراً يأوي إليه ولا هدوءاً يستظل بظله ، فهو قلق
أبداً ، موزّع النفس أبداً ، مشتت القوى أبداً ، ومن كان هذا شأنه فلا سبيل إلى أن
يستمسك في ساحة المعركة إلا تحت شرطٍ واحد وظرفٍ واحد هو غياب معسكر الإسلام أو وهن
جند المسلمين ، ففي هذه الحالة يقابل باطلٌ باطلاً وضلالٌ ضلالاً وكفرٌ كفراً وشركٌ
شركاً ، والنتيجة أن الفيصل يكون للعدد والإعداد وكثافة الجند وحسن التدرّب ومضاء
الآلة . أما حين تتمحض المقاييس إسلاماً وكفراً فلا سبيل أن يكون هناك تعادلٌ على
الإطلاق ، لمجرد وجود الشرك في قلوب هؤلاء المشركين فإن الله جلّ وعلا يلقي الرعب
في قلوبهم ويجعلهم أدواتٍ معطلةً في القتال ، أوَلم يكونوا من قبل يلقون رسول الله
صلى الله عليه وسلم في ساحات المعارك ويلقون من معه من المؤمنين وهم أكثف جنداً
وأرفه جسماً وأقوى عدةً وأحضر مدداً .. ومع ذلك فهم يولون الأدبار .
كان الحسن البصري رحمه الله تعالى يقول معرّضاً بولاة بني أمية وما هم فيه من رفيه
العيش وما حولهم من كثيف الأحراس والجند والأعوان ، يقول : لا يغرنك من هؤلاء ما هم
فيه من حرسٍ وسلطانٍ وجندٍ وما إلى ذلك ، إن ذل المعصية كامن في قلوبهم . يرحم الله
الحسن فلقد أدرك فرق ما بين المسلم وغير المسلم ، إن المعصية بالنسبة للمسلم ذلٌ
يسكن القلب ، ولكن الكفر بالنسبة للكافر رعب يدمر القلب ، وفرق كبير بين الذل وبين
الرعب . قلوب الكافرين هواء ، تراهم يستمسكون ولكنهم عند أقل صدمةٍ ينهارون ، من
وقائع الوقعة والغزوة التي نحن في صدد الحديث عنها نذكر مثالاً : كان أُبي بن خلف
لعنه الله تعالى من المؤذين لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة وكان من
المستهزئين بشكل علني ، ومن المجلبين عليه ، وكان يلقاه إذ كان في مكة فيقول : يا
محمد إن عندي العود أو العوذ ـ وهو فرس لأبي بن خلف ، أعلفه كل يوم فرقاً من ذرة ،
والفرق من الذرة أربعة وعشرون صاعاً ، أقتلك عليه . فيقول النبي صلى الله عليه وسلم
: بل أنا أقتلك إن شاء الله تعالى . وتمضي الأيام ويهجر النبي صلى الله عليه وسلم
مكة ويلحق بيثرب مدينة النبي صلى الله عليه وسلم ويتتام المسلمون من حوله وتقع غزوة
بدر ويوقع الله البطشـة الكبرى في المشركين وتقع غزوة أحد ، وحين تقع الغزوة ويولي
مَن يولي من المسلمين منهزماً وينكشف النبي صلى الله عليه وسلم ، يقوم النبي عليه
الصلاة والسلام بمن تبقى حوله من أصحابه يريد أن يسند إلى الجبل ، وفي الطريق يلحق
به عدو الله أبي بن خلف على فرسه ، ويقول : أين محمد ؟ دلوني عليه لا نجوت إن نجا .
فيقول بعض الأصحاب للنبي صلى الله عليه وسلم : ألا يعطف عليه بعضنا يا رسول الله
فيقتله ؟ فيقول : لا ، دعوه . حتى إذا تقدم أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الحربة من
بعض مَن حوله ثم التفت إلى أبي بن خلف فطعنه بالحربة في عنقه فخدشه خدشاً يسيراً .
فذهب عدو الله يتدأدأ من فرسه عدة مرات ، ثم رجع إلى قومه منقطع النفس يقول : قتلني
محمد . فينظرون إليه فيقولون : والله ما نرى بك بأساً ، إنما هو خدش يسير ، انتفخ
سحرُك . والعرب تعبر عن شدة الجبن بهذا الكلام ، السحر هو الرئة ، يقولون عن الجبان
إن رئته قد انتفخت ، لأن الجبان تتلاحق أنفاسه بشدة من الخوف والرعب كأن شاته قد
انتفخت هواءً فهي تُصرّف ما فيها . فيقول أبي : لا والله لقد قتلني ، لقد قال لي
وهو بمكة : سـوف أقتلك ، اسمعوا ووالله لو بصق عليّ لقتلني . هذا الرجل نموذج
للكافرين ، نموذج للكفر الذي يخرب القلب ويدمر القلب ويذهب بالشجاعة ويقضي على
الرجولة ، لأنه استناد ـ يعني الكفر ـ استناد إلى ما لا يستحق أن يستند إليه حتى
الذباب وحتى النمل . فالاستناد الذي يعطي الشجاعة وينمي الرجولة ويبتعث التماسك في
النفس هو الاستناد إلى واهب القدرة سبحانه وتعالى ، أما هـؤلاء الذين لا يدعون من
دون الله شيئاً بل يدعون ( شيطاناً مريداً لعنه الله وقال
لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً ) هؤلاء الذين لم يكونوا يدعون شيئاً من قبل
لا يمكن لهم أن يكونوا رجالاً شجعاناً ثابتين صامدين في ساحات الكفاح والنزال .
فالله جلّ وعلا بعد أن رسم هاتين الصورتين : صورة الكافرين الذين لا يستندون إلى
شيء بل لا يدعون من دون الله شيئاً وما هم عليه من رعب وخوفٍ وجبنٍ وانهيار ، وصورة
المؤمنين الذين يتولاهم الله بعونه وبرعايته ، يلتفت مباشرةً إلى أحداث المعركة
يخاطب المسلمين يقول ( ولقد صدقكم الله وعده ) أي
وعد ؟ وعد الله حين كان يخاطبهم به في غزوة بدر قبل سنة وشهر ، وهو الوعد الذي قصه
الله في بداية هؤلاء الآيات ( بلى إن تصبروا وتتقوا
ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلافٍ من الملائكة مسومين ) هذا
الوعد في الواقع ليس وعداً قُطع من قِبل الله جلّ وعلا للمؤمنين في موقعةٍ واحدة ،
تعلمون أن الله جلّ وعلا أمد المؤمنين بمدده وبنصره وبتأييده في معركة بدر ، فلما
وقعت موقعة أحد سحب الله جلّ وعلا آثار هذا الوعد أيضاً على موقعة أحد ، ففي كل
موقعة يحقق المسلمون فيها الشرائط التي سبق لنا أن استعرضناها في هذه الآيات يُنزّل
الله عليه نصره ويصدقهم وعده ، وعد الله بنصر المؤمنين الذين يستكملون عدة النصر
وأسباب الغلبة على الأعداء ( ولقد صدقكم الله وعده إذ
تحسونهم بإذنه ) والحس هو أشد القتل بالسيوف ، القتل الذي لا يبقي شيئاً (
إذ تحسونهم بإذنه ) كان وعد الله محققاً للمؤمنين
، والمسلمون ينكون في العدو نكايةً بليغة ويحسونهم بإذن الله حساً شديداً ويقتلونهم
بأمر الله قتلاً ذريعاً ، إلى أن ( حتى إذا فشلتم
وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من
يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضلٍ على المؤمنين
) إذاً فنحن أمام لحظتين متغايرتين من لحظات الجيش المؤمن الذي واجه عدو الله وعدوه
، اللحظة الأولى التي كان وضع المسلمين فيها على النحو الذي بوّأهم عليه رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، قلب وجناحان وكتيبة تقف في الثغرة تحمي ظهور المؤمنين كي لا
يهجم منها الأعداء عليهم ، وأمر واضح بالصبر والتسليم لله جلّ وعلا ، والتجاء إلى
الله وتولٍ لله جلّ وعلا وطاعةٌ لرسوله صلى الله عليه وسلم ، اللحظة التي كانت
ترفرف عليها هذه المعاني العالية كانت لحظات نصر .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : من يأخذ هذا السيف بحقه ؟ فانتدب له الزبير فلم
يعطه إياه ، قال : من يأخذه بحقه ؟ فقام أبو دجانة أظن فتناول السيف وناوله رسول
الله صلى الله عليه وسلم إياه ، قال الزبير : فوجدت في نفسي ، فأنا ابن صفية بنت
عبد المطلب ابن عمتك لا يعطيني سـيفه ويعطيه رجلاً من الأنصار ؟ ما حقه ؟ حقه أن
يُضرب به العدو حتى ينحني . ودخل المسلمون المعركة وفعلاً حسوهم بالسيوف بإذن الله
وكشفوا المعسكر ، قال قائل : والله لقد رأيت هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان
وصواحباتها مشمراتٍ تبدو خدم سوقهن ـ يعني خلاخل التي في السيقان ـ ما دون أخذهن
قليلٌ ولا كثير . قال حامل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبصرت سواداً يحمش
في المسلمين حمشاً شديداً ـ يعني يحرض على المؤمنين تحريضاً منكراً ـ فصمدت له ،
يعني قصدت إليه ، فرفعت السيف فإذا هو امرأة ، فأكررت سيف رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن أضرب به امرأة . كذلك كانت حركة المعركة في البداية حركةً أكثر من ذلك يسقط
الفارس من المشركين دون أن يسمى فيرفع عليه عليٌ السيف ليقضي عليه فيتقيه بعورته ،
يكشف عورته فيستدير عنه عليٌ ويتركه . كذلك كان هوان المشركين على المسلمين ، صب
الله عليهم النصر صباً ، لكن معارك الإسلام دروس وعظات وعبر ، هي مثلٌ ضربه الله
جلّ وعلا للناس إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، لا بد أن تتحقق الدروس .
في
لحظةٍ حاسـمة رأى مَن كانوا في ثغرة الجبل النصر تنزل على المسلمين ، ورآهم يمدون
أيديهم ليأخذوا الغنائم ، وجاء تأويل النفس وتخريجات الظنون : إن رسول الله صلى
الله عليه وسلم أمرنا بأمره كي لا ينكشفوا ، المشركون انهزموا والنصر تحقق للمسلمين
فإذاً أمر النبي صلى الله عليه وسلم سقط ، هكذا خُيّل لبعض الرماة الذين كانوا هناك
وجاءوا وأخلوا الثغرة والتفتت عليهم خيل المشركين وحلّ بالمسلمين ما حل . هذه هـي
اللحظة الثانية من أين جاءت ؟ قال ( ولقد صدقكم الله وعده
إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد أن أراكم ما تحبون
منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ) إذاً حصلت أمور وحصل الفشل وهو
ظهور بوادر الضعف والجبن والخور في بعض النفوس ، وحصل التنازع ، لقد كان نزاعٌ بين
عبد الله بن جبير رحمه الله تعالى ورضي عنه وبين الذين أرادوا أن يكشفوا ظهر
المسلمين ، قال لهم عبد الله بن جبير : يا قوم اتقوا الله واذكروا وصاة رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وجاءوه بالأعذار ثم تركوه حتى اقتحمته خيل المشركين فقُتل
شهيداً هو ومن بقي معه . إذاً فقد حصل نزاع حول تفسير كلام النبي صلى الله عليه
وسلم ، حول تفسير أمر النبي صلى الله عليه وسلم ( فشلتم
وتنازعتم وعصيتم من بعد أن أراكم ما تحبون ) أين العصيان ، العصيان أيضاً من
هؤلاء الذين خالفوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فكشفوا جيشه ، هنا نقطة لا أحب
أن أغادرها قبل أن أكشفها لكم ، الرماة الذين وضعهم النبي صلى الله عليه وسلم في
ثغرة الجبل خمسون رامياً ، جيش المسلمين كله ألف مقاتل ، انخزل عبدالله بن أبي منهم
بثلامائة ، بقيت في المعركة سبعمائة من المقاتلين ، خمسون منهم كانوا في الثغرة وما
تبقى هم المقاتلون . العصيان حصل من كوكبةٍ من المقاتلين تشكل واحداً من أربعة عشر
جزءًا من الجيش ، والعصيان حصل من بعض هذه الكوكبة ، لماذا يسحب الله جلّ وعلا
عقوبة هؤلاء العاصين على الجيش كله فيوقع بهم الهزيمة والنكال ؟ الله سبحانه وتعالى
أبان لنا بياناً قاطعاً أن الحياة الإنسانية محنةٌ واحدة ، وأن المسؤولية عنها
واحدة ، لا يجوز أن تتجزأ ولا يصح أن تتفرق ، أنما يطرأ في الكتلة الإنسانية
فمسؤولية وقوعه تقع على جميع أعضاء هذه الكتيبة ، بعض الناس في السابق في زمن
الخليفة الراشد أبي بكرٍ رضي الله عنه فهم من بعض الآيات لقصور فهمٍ أنه إن أقام
الإنسان أوده فلا عليه بعد ذلك فسـدت الجماعة أو لم تفسد ، فقام أبو بكرٍ يصحح هذا
المفهوم ويقول : يا أيها الناس إنكم تقرأون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها (
يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا
اهتديتم ) وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لتأمرن بالمعروف
ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله شراركم على خياركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لكم
. الحقيقة أن الله جلّ وعلا يريد ( عليكم أنفسكم )
يعني قوموا ، والخطاب للجماعة المؤمنين لكل ما توجه نحوكم من أوامر الله ، وكفوا عن
كل ما أمركم الله جلّ وعلا بالكف عنه و( لا يضركم من ضل
إذا اهتديتم ) يعني من الصف المناوئ ، من المعسكر المقابل من المشركين إن
أشركوا فهم لا يضرونكم ، الذي يضركم أن يقع الضلال والفجور والعصيان في صفكم ، وأما
في الصف المقابل فهذا لا يضركم ، أنتم عليكم أن تقفوا في المواقع التي وضعكم الله
فيها ، فهذا شيء والسكوت على الخلل والانحراف والاضطراب والمعصية والفجور داخل
الجماعة المسلمة شيء آخر . نحن نستطيع أن نصرف أذهاننا عن كفر الكافرين من غير
المسلمين ، لكن هل يجوز لنا أن نصرف النظر عن معصية المسلمين ؟ لا ، هذا في الحالة
العادية وفي حالة السلم ، اسحبوا هذه الحالة إلى حالة الحرب ، اسحبوها على الجيش ،
إلى الأداة التي يجب أن تعلي كلمة الله وتسقط كلمة الذين كفروا تجدون أن الجيش يجب
أن يتحرك قطعةً واحدة ابتداءً من حركة المشاعر وانتهاءً بحركة السلاح ، وعلى ذلك
فهذا الشعور بالتضامن وبوحدة المصير كالشعور بوحدة العدو الذي يواجهونه هو يجب أن
يسيطر على المسلمين في ساحة المعركة ، لا بد إذاً حين يقع الخلل في أي جانب أن
ينسحب آثاره على كل أفراد الجيش هزيمةً وتنكيلاً من قبل الأعداء بهم .
ما
المراد بذلك ؟ المراد بذلك أن يكون هنالك تدقيق وأناة وتمهل وتمعن باختيار الأشخاص
الذين يُزجّ بهم في ساحة المعركة ، ولهذا نجد أن الله جلّ وعلا يذكر هنا من جملة
أسباب الهزيمة ( منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد
الآخرة ) لاحظوا : إرادة الدنيا كانت مجرد همٍ همّ به بعض الناس ، مجرد
خاطرٍ خطر لبعض النفوس ، ومع ذلك فالمعركة ليست معركة دنيا وإنما هي معركة دين ،
وليست مصير أمة وإنما هي مصير قضية ، وعلى ذلك يجب أن تعالج نأمات النفوس وأن تظهر
وتبرز حتى أخفى خفياتها لتسلك في قائمة الأخطار التي يجب أن يتقيها المسلمون ، وصدق
الله العظيم ( واتقوا فتنةً لا تصيبن الذين ظلموا منكم
خاصة ) .
هكذا كان الله جلّ وعلا سواء فيما أحل بالمسلمين غير مشفق وغير مجامل وغير مدارٍ
على الأخطاء ، وسواء أيضاً فيما حلل به نتائج المعركة وأبرز أخطاءهم وجسم أخطار هذه
الأخطاء ..
........ انقطع الشريط .............

|