الصفحة الرئيسة    تعريف بالرابطة   أعضاء الرابطة    جديدنا      محرك بحث
 

شعر

نثر فني
قصة
رواية
مسرحية
مقالة
خاطرة
خطبة
قضايا
مترجم
أدب رحلات

حديث الروح

نقد أدبي
عرض كتاب
تراجم
مقابلات
فنون
قطوف
برقيات أدبية
واحة الإخاء
كاريكاتير
ساحة حرة
أرشيف كلمة

خدمات الموقع

 
أخبر صديقك
مواقع صديقة
اتصل بنا

القائمة البريدية

   
 

خطبة > خطبة الجمعة

خطبة الجمعة

أثرها وتأثيرها بالمسلمين

طريف السيد عيسى

السويد – أوربرو

alsayed_59@hotmail.com

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين الذي أرسله الله رحمة للعالمين ومعلما للناس وهاديا إلى الصراط المستقيم .

كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم  منبر واحد ، مصنوع من الخشب، ليس فيه براعة النقش ولا روعة الفن، دعا الأمة منه ؛ فلبت الدنيا واستجاب العالم وتغير وجه الأرض  .. أما اليوم ، فإن الأمة تملك ملايين المنابر في أنحاء المعمورة ، أكثرها مزخرف منقوش ، مزود بأحدث المكبرات ؛ ورغم ذلك كله فإن أثر هذه المنابر محدود إلا ما رحم الله !!

لماذا ؟

الجواب : فتش عن فارس المنبر!!!

للمسجد قداسته، ولخطبة الجمعة دورها الإصلاحي، وللخطيب جلاله ووقاره الذي يفرض على المصلين الإنصات إلى كلماته التي هي في النهاية معالجة لأمور الدين والدنيا.

وسيظل منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم رمزا لكل دعوة للخير , نهيا عما سواه , وستظل الدعوة المباشرة وجها لوجه هي الأكثر تأثيرا من بين الوسائل , لأنها تستخدم دون وسيلة أو واسطة .

كل ذلك يجعلنا جميعا مسؤولين عن بيان أهمية خطبة الجمعة وآدابها وشروطها ومواصفاتها لتكون ذا تأثير إيجابي في حياة المسلمين , ولا تقل أهمية الخطيب عن أهمية الخطبة فكلاهما جناحان بدون أحدهما لايمكن التحليق .

سيتم تناول الموضوع من جوانب عدة أهمها :

أولا –  فضل يوم الجمعة .

ثانيا – معنى الجمعة  وخطبة الجمعة .

ثالثا – خصائص يوم الجمعة .

رابعا – آداب  خاصة بالجمعة .

خامسا  – عظمة منبر الجمعة وأهميته  .

سادسا  – المعاني الغائبة عن خطبة الجمعة .

سابعا  – مقومات وصفات الخطيب وشروط نجاحه وتأثيره .

ثامنا   – حتى  تنجح خطبة الجمعة .

أولا – فضل يوم الجمعة :

إن يوم الجمعة أعظم الأيام عند الله قدرًا، وأجلها شرفًا، وأكثرها فضلاً، فقد اصطفاه الله تعالى على غيره من الأيام، وفضله على ما سواه من الأزمان، واختص الله عز وجل به أمة الإسلام، فقد ضلت عنه أمم ماقبل الإسلام ، وهدى الله تعالى أمة الإسلام إليه تشريفًا وتكريمًا لها ببركة نبيها محمد صلى الله عليه وسلم  الذي نالت بيمن رسالته كل خير وفضيلة.

ولما ليوم الجمعة من فضل , فقد خص له سورة في القرآن إسمها :  سورة الجمعة .

ولقد وردت بحق هذا اليوم العظيم نصوص عدة في القرآن والسنة .

يقول الله تعالى :

(يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون * وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين *)سورة الجمعة – آية 9-11

-  1 –

(روى مسلم في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا، فهدانا ليوم الجمعة )

(روى مسلم أيضا في صحيحه .عن أبي هريرة رضي الله عنه. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة )

 (روى مسلم  والترمذي والنسائي وأبو داود وأحمد ومالك .  XE "32:خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه" y "1"  خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه الله إياه)

(وروى الإمام أحمد وابن ماجه .عن أبي لبابة البدري رضي الله عنه .أن رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال: إن يوم الجمعة سيد الأيام، وأعظمها عند الله، وهو أعظم عند الله من يوم الأضحى ويوم الفطر، فيه خمس خلال: خلق الله عز وجل فيه آدم، وأهبط الله فيه آدم إلى الأرض، وفيه توفى الله آدم، وفيه ساعة لا يسأل الله فيها العبد شيئًا إلا أعطاه ما لم يسأل حرامًا، وفيه تقوم الساعة، ما من ملك مقرب، ولا سماء ولا أرض ولا رياح ولا جبال ولا بحر إلا وهن يشفقن من يوم الجمعة).

(وفي الحديث المتفق عليه .عن أبي هريرة رضي الله عنه. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر)

(قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الأنام، ويوم الجمعة سيد الأيام؛ فللصلاة عليه في هذا اليوم مزية ليست لغيره، مع حكمة أخرى وهي أن كل خير نالته أمته في الدنيا والآخرة فإنما نالته على يده، فجمع الله لأمته بين خيري الدنيا والآخرة، فأعظم كرامة تحصل لهم فإنما تحصل يوم الجمعة، فإن فيه بعثهم إلى منازلهم وقصورهم في الجنة، وهو يوم المزيد لهم إذا دخلوا الجنة، وهو يوم عيد لهم في الدنيا، ويوم فيه يسعفهم الله تعالى بطلباتهم وحوائجهم، ولا يرد سائلهم، وهذا كله إنما عرفوه وحصل لهم بسببه وعلى يده، فمن شكره وحمده وأداء قليل من حقه أن نكثر من الصلاة عليه في هذا اليوم وليلته، وقد قال الله عز وجل: إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً سورة الأحزاب – آية 56  ).

ثانيا – معنى الجمعة  وخطبة الجمعة :

1-                   معناها لغويا :

-  بضم الخاء , وهي مايقال على المنبر , يقال خطب على المنبر خطبة -  بضم الخاء.

-  جاء في تهذيب اللغة : الخطبة مصدر الخطيب , والخطبة – بضم الخاء-  أسم للكلام الذي يتكلم به الخطيب .

- قال في القاموس : خطب الخاطب على المنبر خطابه -  بالفتح - , وخطبة-  بالضم  - , وذلك الكلام خطبة أيضا – بفتح الخاء .

- قال في مختار الصحاح : خاطبه-  بفتح الخاء-  بالسلام مخاطبة-  بضم الميم-  وخطابا-  بكسر الخاء-  , وخطب على المنبر خطبة- بضم الخاء- وخطابة- بفتح الخاء .

-  قال في المصباح : خاطبه- بفتح الخاء- مخاطبة وخطابا ,وهو الكلام بين متكلم وسامع .

-  قال في حلية الفقهاء : وأما الخطبة فاشتقاقها من المخاطبة , ولا تكون المخاطبة إلا بالكلام بين المخاطبين .

2-                   معناها إصطلاحا :

-  جاء في لغة الفقهاء للإمام النووي ص 84-85 : بأنها الكلام المؤلف المتضمن وعظا وإبلاغا .

-  جاء في التعريفات للجرجاني ص 99 : إنها قياس مركب من مقدمات مقبولة أو مظنونة , من شخص معتقد فيه .  

- جاء في كتاب الخطابة في الإسلام لمؤلفه الدكتور مصلح سيد بيومي ص 11 : بأنها فن من فنون الكلام , يقصد به التأثير في الجمهور عن طريق السمع والبصر معا .

- 2 –

- لماذا سمي يوم الجمعة بالجمعة :

- يقول ابن كثير في تفسيره : إنما سميت الجمعة جمعة لأنها مشتقة من الجمع , فإن أهل الإسلام يجتمعون فيه كل      أسبوع مرة , وفيه كمل جميع الخلائق فإنه اليوم السادس من الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض , وفيه خلق     آدم وفيه أدخل الجنة وفيه أخرج منها , وفيها تقوم الساعة .

-  قال صاحب المصباح المنير : يوم الجمعة سمي بذلك لاجتماع الناس .

-  قال الحافظ : قد اختلف في تسمية هذا اليوم بالجمعة مع الاتفاق أنه كان يسمى في الجاهلية بالعَروبة – روح المعاني

   28/99 .

-   وقيل : سمي بذلك لأن كمال الخلق جمع فيه . ذكره أبو حذيفة عن ابن عباس ، و إسناده ضعيف .

- -  و قيل : لأن خلق آدم جمع فيه . ورد ذلك من حديث سلمان عند أحمد و ابن خزيمة و غيرهما ، و له شاهد عن أبي      هريرة ذكره ابن أبي       حاتم موقوفاً بإسناد قوي ، و أحمد مرفوعاً بإسناد ضعيف و هذا أصح الأقوال ، و يليه ما     أخرجه عبد بن حميد عن ابن سيرين بسند      صحيح إليه في قصة تجميع الأنصار مع أسعد بن زرارة ، و كانوا     يسمونه يوم العروبة ، فصلى بهم ، و ذكرهم ، فسموه الجمعة حين    اجتمعوا إليه . و قيل : لأن كعب بن لؤي كان       يجمع قومه فيه ، و يذكرهم و يأمرهم بتعظيم الحرم .. و قيل : لاجتماع الناس فيه للصلاة. الفتح – 2/353.

- أول جمعة صلاها الرسول صلى الله عليه وسلم :

   قال ابن القيم في زاد المعاد 1/373 : ثم قدم رسول الله صلى الله عليه و سلم فأقام بقباء في بني عمرو بن عوف ، كما      قاله ابن إسحاق يوم الاثنين ، و يوم الثلاثاء ، و يوم الأربعاء ، و يوم الخميس ، و أسس مسجدهم ، ثم خرج يوم الجمعة     ، فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فصلاها في المسجد الذي في بطن الوادي ، و كانت أول جمعة صلاها بالمدينة     ،و ذلك قبل تأسيس مسجده .

   وكان ذلك في السنة الأولى للهجرة .

ثالثا – خصائص يوم الجمعة :

 كان من هديه صلى الله عليه و سلم تعظيم هذا اليوم و تشريفه و تخصيصه بعبادات يختص بها عن غيره ، و من خصائص هذا اليوم :

1-أنه يوم عيد متكرر :

   ( روى الإمام أحمد في مسنده .  قال صلى الله عليه و سلم :  إن يوم الجمعة يوم عيد ، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده ) .

2-أنه موافق ليوم المزيد في الجنة : 

  ( قال ابن القيم في زاد المعاد 1/63- 64: و هو اليوم الذي يجمع فيه أهل الجنة في وادٍ أفيح ، و يُنصب لهم منابرُ من لؤلؤ ، و منابر       من ذهب ، و منابر من زبرجد ، و ياقوت علي كثبان المسك ، فينظرون إلي ربهم تبارك و تعالى و يتجلى لهم ، فيرونه عياناً ، و يكون       أسرعهم موافاة أعجلهم رواحاً إلي المسجد و أقربهم منه أقربهم من الإمام )

3-أن فيه ساعة الإجابة :

 (ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضى الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :  إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم و هو قائم يُصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إيَّاه . و قال بيده يُقللَّها )

4-قراءة سورتي ( آلم تنزيل ) و ( هل أتى علي الإنسان ) في صلاة الفجر يوم الجمعة :

(و كان صلى الله عليه و سلم يفعل ذلك  , كما ورد في الحديث في البخاري  ومسلم)  .

(قال ابن تيميه في توجيه ذلك : 

إنما كان النبي صلى الله عليه و سلم يقرأ هاتين السورتين في فجر الجمعة لأنهما تضمنتا ما كان و ما يكون في يومهما ، فإنهما اشتملتا على خلق آدم ، و على ذكر المعاد و حشر العباد ، و ذلك يكون يوم الجمعة ، و كان

- 3 –

  في قراءتهما في هذا اليوم تذكير للأمة بما كان فيه و يكون ).

5-استحباب كثرة الصلاة علي النبي صلى الله عليه و سلم فيه و في ليلته :

 ( روى البيهقي .قال صلى الله عليه و سلم في حديث أنس أكثروا من الصلاة عليَّ يوم الجمعة و ليلة الجمعة )

( روى الخمسة إلا الترمذي , وقال الألباني إسناده صحيح . عن أوس بن أوس رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :  من أفضل أيامكم يوم الجمعة : فيه خلق آدم ، و فيه قبض ، و فيه النفخة ، و فيه الصعقة ، فأكثروا عليَّ من الصلاة فيه ، فإن صلاتكم معروضة عليَّ , قالوا : يا رسول الله، و كيف تعرض عليك صلاتنا و قد أرِمْتَ – أي بليت - ؟ فقال : إن الله عز و جل حَّرم علي الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء )

6-استحباب قراءة سورة الكهف يوم الجمعة و ليلته :

 ( روى النسائي والبيهقي والحاكم وصححه الألباني .عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه و سلم قال :  من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له النور ما بين الجمعتين )

7-جواز الصلاة نصف النهار يوم الجمعة دون سائر الأيام من غير كراهة :

( روى البخاري  . قال صلى الله عليه وسلم :لا يغتسل رجل يوم الجمعة ، و يتطهر ما استطاع من طهر و يدَّهن من دُهنه ، أو يمس من طيب بيته ، ثم يخرج ، فلا يفرق بين اثنين ، ثم يُصلي ما كتب له ، ثم يُنصِت إذا تكلَّم الإمام إلا غفر له ما بينه و بين الجمعة الأخرى )

8-أن للأعمال الصالحة فيه مزية عليها في سائر الأيام :

 ( روى ابن حبان وصححه الألباني .عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :  خمس من عملهن في يوم كتبه الله من أهل الجنة : من عاد مريضاً ، و شهد جنازة ، و صام يوماً ، و راح يوم الجمعة ، و أعتق رقبة )

(و في المصنف , وقال الأرناوؤط رجاله ثقات وإسناده صحيح . من حديث ابن عباس عن كعب في الجمعة : و الصدقة فيه أعظم … من الصدقة في سائر الأيام )

9-أنه اليوم الذي تقوم فيه الساعة :

 ( روى أبو داود والترمذي والنسائي  وصححه الأرناوؤط . عن أبي هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :  خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة ، فيه خلق آدم ، و فيه أهبط ، و فيه تيب عليه ، و فيه مات ، و فيه تقوم الساعة ، و ما من دابة إلا و هي مُصيخة يوم الجمعة ، من حين تًصبح حتى تطلع الشمس شفقاً من الساعة ، إلا الجن و الإنس … )

10-أنه قد فُسَّر الشاهد الذي أقسم الله به في كتابه به :

 ( روى الترمذي .عن أبي هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم :  اليوم الموعود : يوم القيامة ، و اليوم المشهود : يوم عرفة ، و الشاهد يوم الجمعة … )

11 – صلاة الجمعة :

(قال ابن القيم في زاد المعاد 1/376 : صلاة الجمعة التي هي من آكد فروض الإسلام و من أعظم مجامع المسلمين ، و هي أعظم من كل مجمع يجتمعون فيه و أفرضُه سوى مجمع عرفة ، و من تركها تهاوناً بها طبع الله علي قلبه ، و قرب أهل الجنة يومَ القيامة ، و سبقهم إلي الزيارة يوم المزيد بحسب قربهم من الإمام يوم الجمعة و تبكيرهم )

رابعا  – آداب خاصة بالجمعة :

 بقدر ما يكون الشئ عظيما ومهما بقدر مايهتم به الإنسان , فكيف ونحن نتحدث عن خير الأيام وأفضل الأعمال في هذا اليوم العظيم, فإن من أعظم ما شرع الله تعالى في هذا اليوم المبارك، ومن أجل خصائصه صلاة الجمعة، فإنها من أعظم الصلوات قدرًا، وآكدها فرضًا، وأكثرها ثوابًا، قد أولاها الإسلام مزيد عناية، وبالغ رعاية، فحث على الاغتسال لها، والتنظف والتطيب، وقطع الروائح الكريهة، والخروج إليها بأحسن لباس وأكمل هيئة، والتبكير في الخروج إليها،

- 4 -

والدنومن الإمام، واستجماع القلب للاستماع للموعظة والذكر.

ويمكن ذكر أهم تلك الأحكام والآداب :

1-                   قراءة سورتي  ( آلم تنزيل ) و ( هل أتى على الإنسان ) في صلاة فجر الجمعة .

2-                   قراءة سورة الكهف يوم الجمعة وليلته .

3-                   الإكثار من الصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وليلته .

4-                   الإغتسال والتطهر والتطيب والسواك , ولبس افضل الملابس .

 ( أخرج في الصحيحين .عن أبي سعيد مرفوعاً . قال صلى الله عليه وسلم : غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم ، و    السواك و أن يمس من الطيب ما يقدر عليه ).

 (وفي حديث سلمان مرفوعاً عند البخاري . لا يغتسل رجل يوم الجمعة و يتطهر ما استطاع من طهر ، و يدهن من         دهنه ، أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له       ما بينه و بين الجمعة الأخرى )

 ( ومن حديث عبد الله بن سلام عن أبي داود و غيره أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :  ما على أحدكم إن وجد ،  أو ما على أحدكم إن وجدتم أن يتخذ ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته ).

5- التبكير في الذهاب لصلاة الجمعة .

 ( ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اغتسل يوم الجمعة      غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في     الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة     فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر).

6-                   عدم تخطي الرقاب .

(  لقوله صلى الله عليه و سلم للذي جاء يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة :  اجلس فقد آذيت و آنيت ).

7-                   عدم السفر قبل صلاة الجمعة لغير ضرورة .

8-                   تحري ساعة الإجابة يوم الجمعة , والإكثار من الدعاء .

(  قال ابن القيم بعد سرد ه للأقوال الواردة عن ساعة الإجابة ووقتها : و أرجح هذه الأقوال : قولان تضمنتهما الأحاديث  الثابتة , وأحدهما أرجح من الآخر :

الأول : أنها من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة .

 و حجة هذا القول: ما روى مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى أن عبد الله بن عمر قال له : أسمعت أباك يُحدث      رسول الله صلى الله عليه و سلم في شأن ساعة الجمعة ، قال : نعم ، سمعته يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه و     سلم يقول :هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة .

 و القول الثاني :

 أنها بعد العصر ، و هذا أرجح القولين ، و هو قول عبد الله بن سلام و أبي هريرة و الإمام أحمد وخلق . وحجة هذا        القول: مارواه أحمد في مسنده من حديث أبي سعيد وأبي هريرة . أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن في الجمعة         ساعة     لايوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه الله إياه , وهي بعد العصر )

9-                   الجلوس أثناء الخطبة والإنصات للإمام وهو يخطب .

( روى أبو داود والإمام أحمد والبيهقي , وقال النووي حديث صحيح . مارواه عبد الله بن عمرو رضي الله عنه . عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : يحضر الجمعة ثلاثة نفر : رجل حضرها يلغو , وهو حظه منها , ورجل حضرها يدعوا , فهو رجل دعا الله إن شاء أعطاه , وإن شاء منعه , ورجل حضرها بإنصات وسكوت , ولم يتخط رقبة مسلم , ولم يؤذ أحدا فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام , وذلك بأن الله تعالى يقول : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها – الأنعام من الآية 161 ).

- 5 -

خامسا – عظمة منبر الجمعة وأهميته :

لمنبر الجمعة أهمية عظيمة في حياة المسلم , ففي كل يوم جمعة تهفو النفوس للمسجد لسماع الخطبة , وتشرئب الأعناق باتجاه المنبر , وتحدق الأنظار بالخطيب  والأسماع تصغي لما يقوله , رجاء تحصيل الزاد الذي يقوي العزيمة , ويجدد الإيمان ويزيده .

وتكمن أهمية منبر الجمعة من خلال الأمور التالية :

1- فهي تتكرر مرة كل أسبوع , فهي مناسبة لعرض الخطيب للأمور التي تهم المصلين .

( روى الإمام شمس الدين الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء . أن الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان . سئل عن سبب سرعة الشيب عنده .فقال : وكيف لا , وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة )

 2- خطبة الجمعة أمانة ومسؤولية , فالخطباء يحملون أمانة ومسوؤلية نحو الدعوة والتوجيه والتوعية والتربية , وبقدر ما يهتم الخطيب بخطبة الجمعة من حيث الموضوع والمضمون وأصول الخطابة بقدر ما تكون خطبته ناجحة ومؤثرة .

( يقول الدكتور كارنيجي في كتابه فن الخطابة : حدد موضوعك مسبقا حتى يتسنى لك الوقت للتفكير به طيلة سبعة أيام , واحلم به طيلة سبعة ليال , فكر به أثناء خلودك إلى الراحة , وفي الصباح ,وفي طريقك إلى المدينة , أو بينما تنتظر المصعد , وعندما تكوي الثياب , أوحين تطهو الطعام , وناقشه مع أصدقائك , واجعله موضوع حديثك , واسأل نفسك جميع الأسئلة الممكنة التي تتعلق به ).

3-إن خطبة الجمعة يجب أن تلامس واقع الناس , فبقدر ما يحتاج الناس للتذكير بأمور العقيدة والدين وما بعد الموت , فهم بحاجة ماسة لمن يتطرق لهمومهم وواقع حياتهم .

وتزداد أهمية منبر الجمعة , مع ازدياد هذا الكم الضخم من وسائل الإعلام التي غزت بيوتنا وعقولنا , مما يتطلب أن يكون منبر الجمعة وسيلة للتحصين والمناعة .

5-       خطبة الجمعة دعوة إلى الله , وبما أن الخطبة عبارة عن كلام يتم إيصاله للناس , فما يزال للكلمة الأثر الكبير في الدعوة إلى الله تعالى , ومايزال للكلمة دور فاعل في عملية التغيير والإصلاح .

فمن على منبر الجمعة طرحت قضايا : العقيدة , أحكام الشريعة , معالجة المشاكل , هموم الناس , الإهتمام بقضايا المسلمين , وشحنت النفوس للجهاد في سبيل الله للدفاع عن دين الله .

6-       خطبة الجمعة شعيرة خالدة ومعلما بارزا في حياة المسلمين , وفي أحلك الظروف بقي منبر الجمعة صامدا بوجه كل التحديات يصدع كل أسبوع بكلمة الحق .

سادسا – المعاني الغائبة عن خطبة الجمعة :

1-       يجب ان تكون خطبة الجمعة بمثابة مؤتمر أسبوعي للمسلمين , يطرح فيه الخطيب ما يهمهم من أمور دينهم ودنياهم , لكن الواقع يقول أنها اصبحت عمل روتيني تقليدي .

فالإسلام ليس دين طقوس وشعائرجامدة لا حياة فيها , لقد كان صلى الله عليه وسلم ومن بعده الخلفاء يناقشون هموم الناس وقضاياهم من على منبر الجمعة .

2-                   يلاحظ كثر الأثر السلبي الذي يتركه بعض الخطباء , وتجد ذلك بعد انتهاء الخطبة حيث تسمع النقد للخطيب , وطبعا

أسباب النقد كثيرة , منها يتعلق بمضمون وموضوع الخطبة , ومنها يتعلق بأسلوب الخطيب , ومنها يتعلق بالأخطاء باللغة العربية , ومنها يتعلق بالإطالة من غير فائدة , ومنها يتعلق بتكرارالأفكار , وخطب هذا مستواها لاتقيم أمة ولا تصلح مجتمع .

3-                   إهمال المشاكل الإجتماعية والإقتصادية والسياسية التي تفرض نفسها على الواقع , والتركيز فقط على الجانب التعبدي

والعقدي رغم أهميتهما .

فالإسلام دين شامل لكل جوانب الحياة ولا يجوز بأي حال تبعيضه .

وعندما نتكلم عن طرح الأمور السياسية فلا  نقصد الدخول بالتفاصيل التي تؤدي للاختلاف , بل يتم طرح واقع المسلمين بمبادئ عامة ليرتبط الناس دائما بقضايا الأمة .

4-                   عدم مراعاة مستوى الناس وطبائعهم وعاداتهم , وطبيعة المجتمع والبيئة المحيطة .

( من حكم أفلاطون أنه قال : لكل أمر حقيقة , ولكل زمان طريقة , ولكل إنسان خليقة , فالتمس من الأمور حقائقها ,

- 6 -

وأجر الأزمنة على طرائقها , وعامل الناس على خلائقها )

5-       الغوص في الجزئيات والفروع  والمتشابهات, وقلما يتحدثون عن الأصول والقواعد والمحكمات , وينتج عن ذلك تجد          أصبح الحديث عن الخلافات الفرعية هو الغالب في المسجد , بل يصبح ذلك مجالا للمناكفة والسجال والجدال بين

المصلين .

6-                   فقدان التوازن في طرح المواضيع أو الموضوع الواحد , فيجب طرح الخطبة من كافة النواحي وعدم التركيز على

جانب معين .

بل نجد بعض الخطباء وفي الخطبة الواحدة يطرحون أكثر من موضوع لايربط بينهما أي رابط , فيجعلون السامع يعيش حالة من التيه .

سابعا – مقومات وصفات الخطيب وشروط نجاحه وتأثيره .

 إن منبر الجمعة هو قلب الأمة النابض ولسانها الناطق، وله مكانة عظمى في قلوب المسلمين. وإن إعادة الأمة المسلمة إلى جادتها مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإحياء دور هذا المنبر وبث الروح فيه وتقديم العون العلمي المنهجي للخطيب؛ ليقوم برسالته الغائبة في توجيه الأمة وتوعيتها .

العاقل يدرك أن المنبر لا يقوم وحده وأنه لا يقوم إلا بأئمة مؤهلين ورجال أكفاء من أصحاب العقيدة الصافية الصحيحة والمنهج الواضح المستقيم والعلم النافع الوافر والنظر السديد الثاقب والحكمة البالغة، ومثل هذا المطلب العزيز والمهمة الشاقة يحتاج إلى الحديث عن مواصفات الخطيب الناجح والمؤثر , ويمكن ذكر بعض من هذه المواصفات :

1-                   الصدق والإخلاص والتوكل على الله :

 ( سئل الحسن البصري عن الخطباء والوعاظ , مابال بعضهم تؤثر فيك موعظته بينما الآخر لايهز منك شعرة ,

 فقال : إذا خرج الكلام من القلب بلغ إلى الجنان , وإذا خرج من اللسان لم يجاوز الآذان , ولذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب كمنذر جيش – صبحكم مساكم ).

وكل عمل نزع منه الإخلاص كان عديم البركة .

( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال الله تعالى : من عمل عملا مما يبتغي به وجهي , أشرك فيه معي غيري تركته وشركه )

فيجب ان تكون نية الخطيب خالصة لله تعالى , حتى يكون كلامه مؤثرا وفعالا ومقبولا عند الناس .

قال تعالى ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) سورة هود – آية 7

( قال الفضيل بن عياض : أي أخلصه وأصوبه , وقال : إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل , وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا , قال : والخالص إذا كان لله عزوجل , والصواب إذا كان على السنة ) جامع العلوم والحكم 1/26

وقال أحدهم :

واعلم بأن الأجر ليس بحاصل ------- إلا إذا كانت له صفتان

لابد من إخلاصه ونقائه ---------- وخلوه من سائر الأدران

وكذا متابعة الرسول فإنها -------- شرط بحكم نبينا العدنان .

وبعد كل ذلك  يتوجه الخطيب بقلب صادق مخلص , فيتوكل على الله تعالى حسن التوكل , فالله كفيل أن يشرح صدره ويطلق لسانه لتكون كلماته معبرة مؤثرة .

2-                   حفظ نصيب كبير من القرآن والسنة :

لابد للخطيب أن :يكون حسن التلاوة  ، دقيق الحفظ ، مع القدرة على الاستشهاد بالآيات القرآنية في مواضعها المناسبة . فالخطبة تعلو قيمتها ويقوى تأثيرها بشواهدها القرآنية . مع الأخذ بحظ لا بأس به من علم التفسير.

ويقال عن الحديث النبوي  مثلما يقال عن القرآن الكريم ، فحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هو جوامع الكلم , ولاتوجد مناسبة إلا وهناك حديث يناسبها .

القرآن والسنة هما  بضاعة الخطيب ورأس ماله، فالخطيب داعية إلى الله ولا يمكن أن يهدي الناس ويعلمهم ويرشدهم بعيداً عن الكتاب والسنة وقد قال صلى الله عليه وسلم محذراً من صنيع أولئك الذين يدعون بعيداً عن الكتاب والسنة وأن

- 7 -

ذلك من الدخن فقال في وصفهم: (قوم يهدون بغير هديي ويستنون بغير سنتي)

3-                   الإعداد الجيد للخطبة :

بعض الخطباء لا يعد للخطبة إلا في صبح الجمعة أو قبلها بسويعات ، والذي يفعل ذلك إن كان فعله له سبب يبيح ذلك له فالضرورة لها أحكامها ، أما إذا كان ديدنه ذلك أو يقتلع إحدى الخطب ثم يلقيها من على المنبر ، فهذا ممن لا يحمل دعوة ولا رسالة وإنما اتخذ المنبر عادة أو تكسبا ، أو للشهرة وحب الظهور , فلا حول ولا قوة إلا بالله.

فالواجب على الخطيب أن يضع جل همه وتفكيره في خطبة الجمعة ، ويفرغ لها الوقت الطويل لإعدادها الإعداد المناسب ، حتى تبرأ الذمة ويحصل المقصود .

وبعض الخطباء يعتبرون تحضير الخطبة والإعداد لها هو عيب في قدرتهم أو تشكيك في إمكانياتهم , لكن العيب في من يصعد المنبر ويتفوه بكلام مبتذل لاقيمة له .

فالخطيب هو كمن يخوض المعركة , حيث لابد من الاستعداد لها فيلبس لباس الحرب ويحمل كل الأسلحة  الممكنة والفعالة والمؤثرة .

وأول خطوة في الإعداد هي طرح السؤال التالي :

ماذا أريد أن أقول للناس في الخطبة ؟

والجواب يكون هو موضوع الخطبة , وهنا أيضا يتم طرح السؤال التالي :

 ما الفائدة في طرح هذا الموضوع؟

والجواب يترتب عليه تحديد مقدمة الخطبة وتفاصيل الموضوع والخاتمة ,وبقدر الإختيار الجيد للمقدمة بقدر ما يتمكن الخطيب من شد المستمعين إلى الخطبة .

( روى أبو يعلى . قال صلى الله عليه وسلم : إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه )

4-                   توفر الخبرة والكفاءة :

 خطبة الجمعة ليست كلأ مباح لكل أحد , وليست حقا لكل من ظن بنفسه الأهلية , وليست ساحة للظهور والشهرة على حساب الناس ووقتهم ودينهم , وليست مجالا لمن قرأ نتفا من هنا ونتفا من هناك .

فهي أمانة ومسؤولية , ومن أراد التصدر لها فعليه أن يكون أهلا لها من ناحية الخبرة, ويملك من المعلومات التي تؤهله ليكون خطيبا بارعا .

 يقول الله تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها)

 وقوله: ( يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا لله والرسول وتخونوا أماناتكم...).

وباستعراض سيرة السلف , فلم يكن يتصدر للخطابة إلا العلماء الرسخون الذين جمعوا بين الفقه في الدين والخبرة في الحياة , والحكمة في التعامل مع الأمور, وحسن البيان والتعبير .

( قال الجاحظ : رأس الخطابة الطبع , وعمودها الدربة , وجناحها رواية الكلام ).

5-                   التثبت من المرويات والمعلومات :

فالخطبة يجب أن تستند على معلومات صحيحة وبيانات موثقة، فيستقي الخطيب معلوماته من المصادر الموثوق بها، وينبوع الوحي الصافي، ثم يضفي عليه من إشراقاته البيانية وأنواره الفكرية ما يعمق الفكرة في قلوب الناس ويولد التأثير فيها.

وهو في عرضه للأفكار مثل صاحب السلعة الواثق من سلامة بضاعته، فهو يحسن عرضها ويتأنق في صورتها حتى تتقبلها أذواق الناس، وإن كان الخطيب لا يروج بضاعة مادية ولكنه يشوق القلوب إلى الخير والهدى.

6-                   مراعاة ظروف الناس :

الخطيب الناجح هو الذي يراعي ظروف الناس، ويدرك أن رواد المسجد فيهم المريض والكبير والضعيف وذو الحاجة...فلا يجعل من الخطبة سببا لتنفير الناس عن الخير...وهذا أصل عام في الخطاب والتعامل مع الآخرين سواءً في ميدان العبادة أم ميدان الخطبة كما جاء في الحديث:

 (إذا أم أحدكم فليخفف فإن فيهم المريض والكبير وذا الحاجة).

(وقال صلى الله عليه وسلم: إني لأدخل في الصلاة وأريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز رحمة بأمه).

- 8 -

ومن هنا جعل تقصير الخطبة من علامات فقه الخطيب وحكمته كما

(قال صلى الله عليه وسلم:إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة ، وإن من البيان لسحرا)رواه مسلم.

فتقصير الخطبة مستحب شرعا, (ولكن كما قال النووي: يكون قصرها معتدلا ولا يبالغ بحيث يمحقها).

وإنما الخطيب مثل الطبيب يصف للناس القدر الكافي من الدواء الذي يحصل به المقصود.

(قال جابر بن سمرة رضي الله عنه كنت أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت صلاته قصدا وخطبته قصدا) ( بل ذهب ابن حبان إلى وجوبه كما عنون لذلك في صحيحه )

7-                   ملامسة هموم الناس وقضاياهم :

المقصود من الخطبة تذكير الناس وتوجيههم لعلاج مشكلاتهم، وإرشادهم لتحقيق الحياة الفاضلة في واقعهم ، ومن هنا كان لزاما على الخطباء العناية بهموم الناس ومشكلاتهم العملية وعلاجها في ضوء الإسلام.

لقد كان الأنبياء دعاة إلى الإيمان ومصلحين ومشاركين في حل المشكلات الحياتية والأخطاء السلوكية، فهذا شعيب عليه السلام قد عني ضمن دعوته الإصلاحية بمشكلة انحراف ضمائر التجار والتطفيف في الكيل فقال:

 (أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين وزنوا بالقسطاس المستقيم )

وضمائر التجار إذا انحرفت نشأت عنها أزمات عامة مثل الغلاء والاحتكار والتضخم والربا...

وعالج لوط عليه السلام مشكلة الشذوذ الجنسي فقال:

 (أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم بل أنتم قوم عادون) .

وتصدى يوسف عليه السلام لمعالجة الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعرض لها الشعب المصري، واستطاع من خلال خطة اقتصادية محكمة أن يتجاوز الأزمة الاقتصادية.

إن من الخطأ أن يتجاهل الخطباء مشكلات الناس وقضايا المجتمع وينصب حديثهم في قضايا نظرية أو مسائل مكررة ملّ الناس من كثرة الحديث عنها، وهم يساهمون في ذلك من حيث لا يشعرون في تخدير الأمة واستمرار أزماتها وتخلفها.. فهم كالطبيب الذي يحدث المريض المصاب بالسرطان مثلا عن الصداع وتسوس الأسنان!! .

ومن الهموم قضايا المسلمين فعلى الخطيب أن يهتم بها ويتطرق لها بحكمة , أما أن يتعرض المسلمون لهجمة شرسة في مكان ما والخطيب يتجاهل كل ذلك تحت مبررات ما أنزل الله بها من سلطان .

لانطالب الخطيب أن يتكلم بالتفاصيل , أوبلهجة تهيجية , كلا ,  لكن من الواجب أن يتكلم عن الخطوط العامة التي لابد منها نصرة للمظلوم .

( قال ابن القيم عن حال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته فقال : وكان يأمرهم بمقتضى الحال في خطبته , فإذا

رأى فيهم ذا فاقة أمرهم بالصدقة وحضهم عليها ..... وكان يخطب في كل وقت بماتقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم ) زاد المعاد 1/189, 428 .

( قال الشيخ أبو زهرة : مراعاة مقتضى الحال لب الخطابة وروحها , فلكل مقام مقال , ولكل جماعة من الناس لسان تخاطب به ) كتاب الخطابة ص 56.

8-                   ترغيب الناس والرحمة بهم والشفقة عليهم :

إن الخطيب رسالته رسالة رحمة و هداية و تسامح وليست رسالة عنف وإكراه واستعلاء, فيخاطب الناس من هذا المنطلق ويترفق بهم في التوجيه عملا بقوله تعالى :

(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)

 وقوله تعالى (فبما رحمة من الله لنت لهم و لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر..) .

إن المبالغة في استخدام أسلوب الترهيب والتخويف بالنار واللعنة ينفر الناس من الدين، ويعطي الحاضرين انطباعا شديدا قاسيا عن الدين بخلاف أسلوب الترغيب والتشويق فإنه يحرك النفوس ويجعلها أقرب لتقبل التوجيه، حتى إن الجرجاني وغيره لما عرفوا الخطابة قالوا: هي (ترغيب الناس فيما ينفعهم معاشا ومعاداً)

وعند التأمل في الخطاب النبوي نجد الغالب فيه هو الترغيب بذكر الأجر والثواب وفضائل الأعمال كما يدل عليه

- 9 -

استعراض كتب السنة الشريفة .

9-                   حسن التعبير :

من معالم الخطبة الناجحة وأسباب تأثيرها تميز الخطيب بحسن البيان، وجمال التعبير وسلامة الخطيب من اللحن وعيوب اللسان والصوت.

إن الله تعالى لما خاطب الناس بالقرآن خاطبهم بلسان فصيح وعبارات جزلة، وألفاظ بليغة، حتى صار القرآن معجزا بلاغيا .

وقد استحب الفقهاء أن تكون الخطبة فصيحة بليغة لأنها أقوى في التأثير، ولا يلقيها بالألفاظ المبتذلة ولا الغريبة  التي لا يفهمها الناس.

  ولذا قال علي رضي الله عنه: (حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله) رواه البخاري.

ونحن لا نطالب الخطباء أن يصلوا إلى مستوى الجاحظ وسيبويه  , ولكننا نريد قدراً وسطا على الأقل من البيان وجمال التعبير، وذلك يحصل بالقراءة في كتب الأدب والشعر والبلاغة فإنها تكسب لسان الخطيب فصاحة وجمالا.

( روى الإمام أحمد في مسنده عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعثه ببراءة فقال : يانبي الله , إني لست باللسن ولا بالخطيب , قال : مابد أن أذهب بها أنا , أو تذهب بها أنت , قال : فإن كان ولابد فسأذهب أنا , قال : فانطلق فإن الله يثبت لسانك , ويهدي قلبك , قال : ثم وضع يده على فمه ) .

10-الثقافة الواسعة :

إن الخطيب يعرض على الناس عقله كما قال عبد الملك بن مروان، فإن كان قليل العلم ضعيف الثقافة لم يؤثر في الناس، واهتزت ثقافة الناس به فلا بد من العلم والمعرفة وإلا صار كالأعمى الذي يقود الآخرين.

 وفي الحديث:

(إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء...).

فلابد للخطيب أن يلم بعلوم الشريعة , ويلم بعلوم الحياة والناس وواقعهم , ويقرا في كتب الشعر والأدب والبلاغة .

ويدخل في ذلك أنواع من العلوم والمعارف كعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم التاريخ حتى يساعده ذلك على حسن التوجيه كما قال الخطيب البغدادي في حق الفقيه المفتي : (يجب عليه أن يتعلق من كل علم بطرف...).

11-عدم الإطالة :

دأب بعض الخطباء على إطالة الخطبة , وهذا يتنافى مع الشرع ومع العلم .

( أخرج مسلم في الجامع الصحيح . عن أبي وائل قال : خطبنا عمار فأوجز وأبلغ , فلما نزل قلنا : يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت , فلو كنت تنفست , فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقه , فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة , وإن من البيان لسحرا )

أما من الناحية العلمية فلقد أكدت الدراسات أن إنتباه واستيعاب السامع لما يلقى إليه من كلام وخاصة في المجامع العامة لايتعدى 15-20 دقيقة .

فليتنبه الخطباء لذلك .

ثم إن لأوربا وضع خاص , حيث يوم الجمعة يوم عمل , وليس بالأمر السهل أن يحصل المسلم على إجازة لمدة ساعة , بل هناك من يتحايل حتى يخرج لصلاة الجمعة .

ولابد من مراعاة ذلك كله حتى تتحقق الفائدة والهدف المرجو من خطبة الجمعة .

ولا يخفى على أحد أن الإطالة تؤدي للملل والسآمة .

( يروى أن الخضر عليه السلام قال لموسى عليه السلام : ياطالب العلم , إن القائل أقل ملالة من المستمع , فلا تمل جلساءك إذا حدثتهم ).

( روي عن ابن السماك أنه جلس يوما للوعظ وجاريته تسمع كلامه , فلما انصرف إليها قال لها : كيف سمعت كلامي ؟ قالت : ما أحسنه إلا أنك تكثر ترداده , فقال : أردده كي يفهمه من لم يفهمه , فقالت : إلى أن يفهمه من لم يفهمه , قد مله من فهمه ) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/6 .

- 10 –

12- موافقة المقال  للسلوك :

من الأمور التي تفقد الخطبة من معانيها , ذلك التناقض العجيب الغريب الذي يقع به بعض الخطباء , فتراهم يدعون الناس لأمر بينما هم يتفلتون عنه , أوينهون عن أمر وهم يأتونه .

فعلى الخطيب أن يحذر مراقبة الله تعالى له قبل أن يحذر رقابة الناس عليه.

 ( عن مسروق رحمه الله قال : جاءت امرأة إلى ابن مسعود رضي الله عنه فقالت : تنهى عن الواصلة ؟ قال : نعم ، قالت : فعله بعض نسائك؟ فقال : ما حفظت وصية العبد الصالح إذا : وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ . )

فانظر كيف احتجت هذه المرأة بفعل بعض نساء ابن مسعود رضي الله عنه وحاججته في ذلك

(عن أسامة بن زيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يؤتى بالرجل يوم القيامة ، فيلقى في النار ، فتندلق أقتاب بطنه ، فيدور بها كما يدور الحمار في الرحا ، فيجتمع إليه أهل النار ، فيقولون : يا فلان ما لك ؟ ألم تكن تأمر بالمعروف ، وتنهى عن المنكر؟ فيقول : بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه ، وأنهى عن المنكر وآتيه ) (وفي رواية : وسمعته يقول : مررت ليلة أسري بي بأقوام تقرض شفاههم بمقاريض من نار ، قلت : من هؤلاء يا جبريل ؟ قال : خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون ) ( وفي رواية أخرى ، قال : خطباء من أهل الدنيا ، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون ).

وقال أحدهم :

ياأيها الرجل المعلم غيره ----- هى لنفسك كان ذا التعليم

تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى ----- كيما يصح به وأنت سقيم

ونراك تصلح بالرشاد عقولنا ----- ابدا وأنت من الرشاد عقيم

( قال جندب بن عبد الله البجلي : إن مثل الذي يعظ الناس وينسى نفسه , كالمصباح يحرق نفسه ويضئ لغيره ).

( قال النخعي رحمه الله : ثلاث آيات منعتني أن اقص على الناس :

 أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم .

وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه .

يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لاتفعلون ) تفسير القرطبي 18/72.

13- تجنب الخطبة من أجل الشهرة وحب الظهور :

من كان عمله لغير الله وكله الله لمن عمل له .

بعض الخطباء يبدأ مشواره بتواضع , وما إن يستقرعلى المنبر ويرى عدد الحضور يزداد , ويسمع بعضا من المديح والإطراء , حتى يبدأ بالإنزلاق في مهاوي العجب وحب الشهرة والظهور .

( روى أبو داود والترمذي . قال صلى الله عليه وسلم : إذا رأيت شحا مطاعا , وهوى متبعا , ودنيا مؤثرة , وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك , ودع عنك العوام ) .

( قال الشيخ رشيد رضا موصيا الخطيب : وإياه أن يأخذه الغرور بعلو المكانة , وارتفاع الدرجة , أو يغلبه الرياء والتطلع للثناء , فإن ذلك مرض الواعظ القاضي على سلطانها , المانع من تأثيرها , بل عليه أن يراقب الله وحده ) مجلة المنار 29/342.

( وقال سفيان الثوري : إياك أن تكون ممن يحب أن يعمل بقوله , أو ينشر قوله , أو يسمع قوله , وغياك وحب الشهرة , فإن الرجل يكون حب الشهرة أحب إليه من الذهب والفضة , وهو باب غامض لايبصره إلا البصير من العلماء )

( روى الإمام أحمد والطبراني عن بشير بن عقربة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قام بخطبته

لايلتمس بها إلا رياء وسمعة وقفه – عزوجل – يوم القيامة موقف رياء وسمعة ) .

14- عدم التطرق للقضايا الخلافية :

رسالة الخطيب دعوة لتوحيد المسلمين , لذلك عليه ان يطرح كل ما يؤدي للوحدة وتضافر الجهود.

فلا يطرح القضايا الخلافية التي أختلف فيها السابقون واللاحقون , فلماذا نقحم خطبة الجمعة بهذه الخلافات التي تشحن النفوس وتزيد الإنقسام .

كما أن خطبة الجمعة ليست مناسبة لطرح الأحكام الشرعية والفتاوى , وهذه لها مجالسها .

- 11 -

ثامنا – حتى تنجح خطبة الجمعة :

مما تقدم ندرك أهمية خطبة الجمعة ودورها في التوجيه والتربية ونشر الوعي , وحتى يتحقق ذلك فلابد من عدة

أمور :

1-       التعلم والتدرب على الخطابة , فالخطابة فن يأتي بالمران , فعلى الخطيب أن يسمع لخطباء عظام , ويقرأ في شتى العلوم التي تصقل موهبة الخطابة .

2-                    منبر الجمعة للتوجية والتعليم والوعظ , وليس للمساجلات التي تثير الخصومات وتفجر الفتن , وتفرق المسلمين .

( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) .

3- حسن اختيار الموضوع , والتنويع في الخطب لتشمل كل نواحي الدين والدنيا .

4- استخدام الأساليب المقنعة والحجج المنطقية والتي تؤثر بالسامعين بأسلوب جذاب .

5- تحسين النطق , ومعالجة الأخطاء اللغوية , فخطيب بلا نحو كمقاتل بلا سلاح , وكم من الخطباء فضحتهم ألسنتهم

6- تجنب المرويات الغير موثوقة مهما كان السبب والمبرر .

7-                   اتباع منهج الوسطية والإعتدال , وطرح الأفكار بحكمة .

( ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ).

8-                   التركيز على الأهم فالمهم , وترتيب الأولويات .

9-                   مراعاة طبيعة المجتمع والبيئة المحيطة .

10- تناول قضايا الأمة والمجتمع , والقضايا المعاصرة الملحة .

11- تجنب المواضيع العدائية التي تثير النفوس وتجلب الفتن وتفتح أبواب الشر .

الخاتمة:

ماذكرسالفا عن خطبة وخطيب الجمعة وتطوير أداءها , ما هو إلا خطوة على طريق البناء والإعداد والتطوير ،  وحتى يتحقق هذا الهدف لا بد من الاهتمام بالقراءة والتدرب والممارسة العملية  .

كما أنبه إخواني الكرام إلى أن كثيراً مما ذكر قابل للإجتهاد  ، وقد تختلف فيه الأنظار ، فلعل أخاً   كريماً وناصحاً مشفقاً يعذرنا إن أخطأنا أو قصرنا في شيء ، ويتمم معروفه بالنصح والتسديد .

 أسأل الله تعالى أن ينفعنا بما جمعنا وأعددنا وكتبنا، وأن يجعل ما نتعلمه عوناً لنا على تبليغ شرعه ، والدعوة إلى  دينه

اللهم يا حي يا قيوم ، برحمتك نستغيث ، أصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين .

والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

              

 

 

طباعة

 

 
   
  "ما ينشر يعبر عن رأي صاحبه"  
 

 

`