شكراً لمن نصحني‍

رسالة المنبر ١٠-١٢-٢٠١٩م

المحاور

✍️ حينما يدرك المرء بأن النصيحة التي يتلقاها من الآخرين إنما هي هدية خالصة صافية لا مدح فيها ولا قدح، فإنه يزداد محبة لناصحه؛ باعتبار أن الهدايا تزيد المحبة ولا تنقصها، بحسب توجيه النبي صلى الله عليه وسلم: "تَهَادُوا تَحَابُّوا" رواه البخاري في الأدب المفرد وهو صحيح.

✍️ ومثلما أن هنالك كتباً ومقالات اعتنت بثقافة الداعية والناصح والمحتسب والآمر بالمعروف الناهي عن المنكر، وتناولت واجبه وأسلوبه والمطلوب منه، فإنه لابد من تثقيف المدعو أو من يتلقى النصيحة ومن يأتيه أو يرسل له أحدهم بلاغاً مبيناً، وتوعيته بواجبه عند سماع النصح من الآخرين.

✍️ ‏لم تتوقف الدعوة والنصيحة على امتداد الجغرافيا والتاريخ، على الرغم من أن عموم الناس يكرهون الناصح والنصيحة، قال تعالى: "فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ" (الأعراف: 79).

✍️ كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي" .. وكان يسأل سلمان رضي الله عنه عن عيوبه، فلما قدم عليه قال: ما الذي بلغك عني مما تكرهه؟

قال: أعفني يا أمير المؤمنين، فألحّ عليه، فقال: بلغني أنك جمعت بين إدامين (طعامين) على مائدة، وأن لك حُلتين حلة بالنهار وحلة بالليل.

قال: وهل بلغك غير هذا ؟ قال: لا، قال: أما هذان فقد كُفيتهما (يعني تركتهما أو بينت للناس عذري فيهما).

وقيل بأنه كان يسأل حذيفة رضي الله عنه ويقول له: أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في معرفة المنافقين؛ فهل ترى عليّ شيئاً من آثار النفاق.

✍️ لقد شاع النفاق والمداهنة، وأخفت الحاشية عن الملوك والزعماء عيوبهم (خوفاً وطمعاً)، مثلما أخفى الصاحب عن صاحبه عيوبه ولم ينصحه، بل غشه في مدحه، حتى قيل لبعض العلماء، وقد اعتزل أصحابه وكان منطوياً عنهم: لِمَ امتنعت عن المخالطة؟ فقال: وماذا أصنع بأقوام يخفون عني عيوبي.

✍️ ‏كلنا ذاك الناصح والمنصوح، والداعي والمدعو، طالما أن لدينا ما نقوله، مثلما أن لدى الآخرين ما يقولوه لنا، فمن هذه الوصايا التي نوصي بها أنفسنا حتى نحسن استثمار نصائح الآخرين:

١. لابد من إشاعة ثقافة طلب النصيحة من غيرنا، باعتبار أنه لا خير فيهم إن لم يقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يطلب النصيحة، ويصغي لها، ففي حادثة الإفك طلب نصيحة زيد بن حارثة وعلي رضي الله عنهما، وفي صلح الحديبية طلب نصيحة أم سلمة رضي الله عنها، وغير ذلك كثير مما وقع له بصورة طلب المشورة وهي نصيحة كذلك.

٢. لابد أن يدرك الآخرون أننا بشرٌ نصيب ونخطئ، وأننا لسنا ملائكة، وإن كثُر صوابنا، فكل بني آدم خطّاء، و "نِعمَ العبدُ إنه أواب".

٣. تشجيع الآخرين وشكرهم على نصائحهم، فالنصيحة إحسان من الآخرين لنا، و(هل جزاءُ الإحسانِ إلا الإحسان)؟!

٤. عدم مقاطعة الناصح بل تشجيعه ليتم كلامه.

٥. عدم الرد على الناصح، إلا في حدود بيان ما يلزم بيانه، وبأسلوب لا تثريب فيه على الناصح.

٦. احتمال ما قد يصدر عن الناصح من أسلوب فظٍّ غليظ، أو تشهير غير مقصود.

٧. إشعار الناصح بحاجتك إلى مساعدته في حل مشكلتك، لا في نقده أو نهيه لك عن فعل أمور محددة فحسب.

٨. الحذر الشديد من تبرير أخطائنا، أو مجرد السماح لأحبابنا وتلاميذنا بتبرير أخطائنا.

٩. الحذر من التضجر حتى لو كان النصح متكرراً من الشخص نفسه أو من غيره، في الموضوع نفسه أو غيره.

✍️ قد يسدي لك حاسد أو حاقد نصحاً غير مقصوداً أثناء قدحك وذمك بما فيك، أو بمبالغة في وصف ما رآه فيك (أحياناً)، فكن واسع الصدر، وخذ منه ما لا يمكنك أن تسمعه من أحبابك عن عيوبك، لأجل أنهم يخافون من إزعاجك.

✍️ كلما زاد استيعابك وحسن قبولك وتواضعك وإصغاؤك لنصيحة غيرك، كلما أصغى لك الآخرون عندما تنوي نصحهم وتوجيههم.

✍️ من أراد أن يَجُبَّ الغيبة والنميمة عن نفسه فليشرح صدره وليفتح بابه لسماع نصيحة الآخرين، ومن كان متعنتاً في قبول النصيحة رافضاً لمجرد سماعها، متعالياً على قائلها فليتوقع وابلاً من الكلام يقال عنه في ظهره.

✍️ إن من التوفيق الرباني للعبد استشعاره أن كل خطبة وموعظة يسمعها إنما هي تعنيه وتخصه، فيرى في المواعظ والدروس العامة رسائل تنفعه وترفعه، وإن من الغفلة والبلادة عدم استشعارك لتلك الرسائل العامة، بل ولا حتى ما يوجهه لك أقرب الناس من نصائح فردية خاصة بأسلوب التصريح أو التلميح.

✍️ ‏ذات يوم خطبت خطبة عن النار، وكنت قبلها قد خطبت عن الجنة، (من باب الترهيب بعد الترغيب) فجاءني أحدهم وقال لي: نعم يا شيخ لابد أن تحكي للناس عن النار فهم يستحقون ذلك .. فقلت له: وهل ترى أن الخطبة موجهة للناس فقط .. ألا ترى أنها لك ولي أيضاً، من باب الترهيب والتخويف .. فلو أن كل واحد يفكر بطريقتك ويرى أن الخطبة لا تعنيه وإنما تعني الآخرين؛ فلن يصلح حالنا ولن ننتفع بخطبنا وكلامنا!!

✍️ اسأل نفسك، وأنا أسأل نفسي كذلك؛ متى كانت آخر مرة طلبنا فيها النصيحة من أولادنا وبناتنا وإخواننا وأخواتنا وآبائنا وأمهاتنا وزملائنا ومدرائنا وموظفينا ومشايخنا وتلاميذنا؟!

✍️ ‏مثلما يصطفي الله تعالى "من الملائكة رسلاً ومن الناس" لهداية ونصيحة خلقه، فإن من كرم الله تعالى على هؤلاء الناس ورحمته بهم كذلك أن بعث فيهم ناصحين، وصدق الله: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" فيا فوز من أحسن استثمار تلك الفرصة واستجاب وأناب، ويا خسارة من أعرض وعاب وغاب، قال تعالى:" تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ۖ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ(8) قَالُوا بَلَىٰ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9)" (تبارك).

✍️ ‏إن أصحاب النفوس المنشرحة للنصيحة تأتيهم تلك النصيحة بلسان عالم من العلماء أو صديق من الأصدقاء أو عابر سبيل أو قارئ آيات عبر مذياع أو طفل يشدو وينشد أو عصفور يغرد أو شجرة تسبّح، فهم يتدبرون الكون، ولهم في كل نظرة درس وعبرة ونصيحة وعظة، وصدق الله:" سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ" (فصلت: 53) .. أما غيرهم فيقرأون القرآن ولا يتدبرون، فلا يتعظون ولا ينتصحون، قال تعالى: "أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها" (محمد: 24).

✍️ ‏إن إعراض الحاكم أو العالم أو الأب أو المعلم أو الأفراد والجماعات عن طلب النصيحة وقبولها لهو دليل غرور وكبر ونذير شؤم وبداية نهاية لا تحمد عقباها، ولقد طلبت ملكة سبأ نصيحة حاشيتها، لكن الحاشية لم تكن بالمستوى المطلوب، قال تعالى:" قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون * قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين" (النمل: ٣٢).

✍️ كل منهمكٍ في عمل دعوي أو جهد إصلاحي من الأفراد والجماعات قد لا يرى عيوب نفسه، فلا أقل من سماع نصح المحبين، ولو كان بصورة نقد لاذع أحياناً، فالمؤمن مرآة أخية، ولا عصمة لفرد ولا جماعة، وقد يكون موضوع النصيحة شكلياً أو جوهرياً، فإذا كانت الثانية فالواجب أن تعقد الجماعات جلسات مُدارسة ومعالجة ومتابعة للمحاسبة والاستدراك، وإلا فما أسوأ حال الجماعات الإصلاحية الناصحة حين ترفض النصح وتأباه.

✍️ ‏لا يضير الكبير أن يسمع نصيحة مَن هو أقل منه شأناً أو أصغر منه عمراً، فرب نصيحة تنجي من هلاك محقق، وهذا موسى عليه السلام يصغي لنصيحة ذاك الرجل باهتمام، قال تعالى:"وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين (٢١) فخرج منها خائفاً يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين" (القصص: ٢٢).

✍️ ينبغي الحذر والانتباه من خبث وغش وغثاء يأتينا بأثواب نصح كريم، فليس كل من لبس ثوب النصيحة ناصح، وقد ارتدى إبليس هذا الثوب حين أغوى أمُّنا حواء وأبونا آدم عليهما السلام بالأكل من تلك الشجرة، قال تعالى:" وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين" (الأعراف:21).

- ومن جميل ما شاع بين سلفنا الصالح عبارة: (عظني)، فقد جاء رجل إلى حاتم الأصم، فقال له: عظني. فقال: "أعظك بكلمة واحدة: إذا أردت أن تعصي مولاك فاعصه في موضع لا يراك".

 وقال عمر بن عبد العزيز يوماً لخالد بن صفوان: عظني وأوْجز، فَقَالَ:" يا أمير المؤمنين، إِنَّ أقوامًا غرَّهم ستر الله تعالى عليهم، وفتنهم حسن الثناء، فلا يغْلِبنَّ جهلُ غيركَ بك معرفتَكَ بنفسك .. أعاذني الله وإياك أن نكون بالسترِ مغرورين، وبثناء الناس مفتونين، وعما افترض علينا متخلفين، وإلى الهوى مائلين" .. فبكى عمر ثم قال:" أعاذنا الله وإياك من اتّباع الهوى".

 وقال رجل لوهيب بن الورد: عِظني، فقال:" اتَّقِ الله أنْ يكونَ أهونَ الناظرين إليك"

وختاماً

في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة"، قلنا: لمن يا رسول الله؟! قال: .. ولأئمة المسلمين وعامتهم" رواه مسلم، ما يؤكد وجوب قبول النصيحة وإسداءها، فهي لأئمة المسلمين من عامتهم، ومن عامتهم لأئمتهم؛ أخذاً وعطاءً، ولا خير في قوم يخافون من طرحها وقبولها، وفي شرف النصيحة يقول الأصمعي:

النصحُ أرخصُ ما باعَ الرجالُ فلا

تَرددْ على ناصحٍ نصحاً ولا تَلُمِ

إن النصائح لا تُخفي مناهلها

على الرجال ذوي الألباب والفِهَمِ

 هذا ومن أبلغ ما يمكن أن نشكر به من ينصحنا ويرشدنا ويهدينا أن تقول له: الحمد لله الذي أنقذني بك من النار.

وسوم: العدد 854