في ملتقَى الأدباء

د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي

-1-

وإذا كانت الدُّوَل المتقدِّمة قد خلَّت بين شؤون الثقافة والحياة؛ مكتفية ببعض الدعم والإشراف، بعيدًا عن الوصاية الأبويَّة والتوجيه؛ فإنَّ الأدب يظلُّ أكثر نفورًا من التدجين وتأبيًا على التعليب من غيره. إنَّ الأدب قلَّما يُنتِج شيئًا، يستحق تسمية "أدب"، تحت مظلَّة المؤسَّسة، بل يفعل ذلك في الهواء الطلق. ولذا فإنك حين تسمع، من ضمن استراتيجيَّات الهيئة، مثلًا: شيئًا كهذا: "دعم الأجناس الأدبيَّة غير الشائعة"، ستبتسم، إنْ فرحًا أو ترحًا؛ لمعرفتك بأنَّه ما هكذا يورد الأدب، فضلًا عن الأجناس الأدبيَّة! ذلك أن الأجناس الأدبية لا تشيع ولا تتوارى، أو تنقرض لفُقدان الدعم المادِّي، بل لفُقدان الحاجة الاجتماعيَّة، أو لفُقدان البيئة المناسبة. ومن ثَمَّ فإنه في هذا الميدان لن يثمر استنساخ تجارب الشعوب، ولا توطينها، ولا استزراعها في غير تربتها المناسبة.

إنَّ الأجناس الأدبيَّة، كغيرها من الأجناس الطبيعيَّة، نتاج بيئةٍ وحاجاتٍ مجتمعيَّة، ومهما دُعِمت فلن تُنتِج شيئًا مذكورًا خارج بيئاتها ومقتضياتها الإنسانيَّة. ما ينبغي إيلاؤه الاهتمام، إذن، هو دعم الأدباء أنفسهم، ماديًّا واجتماعيًّا، وهم سيُنتِجون ما ينتجون، بلا توجيهٍ مباشرٍ إلى ما يكتبون، أو كيف يكتبون. وهذا يقتضي أن يكون في الهيئة مخطِّطون متخصِّصون في الأدب ونظريته ونقده؛ بما أنَّ العمل في هذا الحقل ليس إداريًّا أو اقتصاديًّا فقط.

-2-

وإذا كان الشيء بالشيء يُذكَر، وبما أن التوجُّه القائم ما زال يأخُذ بمأسسة الثقافة والأدب؛ فنِعمَّا يفعل لو انطلق في بُنيانه على أرضٍ مؤسَّسة، وفق جهودٍ تراكميَّة؛ كيما يفيد من رصيده السابق، فلا تبدأ كل خطوةٍ من منطلقاتٍ صِفريَّة. من حيث إنَّ العمل المؤسَّسي أفضل من العمل الارتجالي، كل ما جاءت أُمَّةٌ حاولت أن تعيد اختراع العجلة. ومن هنا، فقد كان قيام وزارة الثقافة نفسها أحد مطالب (مجلس الشُّورى)؛ إذ كُنَّا نقول أنْ ليس من المقبول أن تكون المملكة، بتاريخها الضارب في الذاكرة الإنسانيَّة، على هامش الثقافات، وأن تتعامل مع الثقافة رديفةً لشؤون أخرى، تارةً للرياضة والشباب، وتارةً للإعلام. بل إنَّ ثقافة الأرض التي تمثِّل أرض الإنسان الأوَّل، والتي تمثِّل أرض العروبة والإسلام الأُولى، بآثارها، وتاريخها، وفنونها وآدابها، جديرة بأن تكون في صدارة ثقافات العالم. ذلك أن ثقافتها ثروةٌ أهمُّ من النفط، حتى على المستوى الاقتصادي؛ بوصف الثقافة مادة الاقتصاد المعرفيِّ الأُولى والمستمرَّة، ورافدة الاقتصاد العام. وقد آن استدراك ما تأخَّرنا فيه، من التنقيب عن ثقافتنا وآثارنا وتقديمهما إلى العالم، في القرن الحادي والعشرين، كما كان التنقيب عن الثروات المعدنيَّة في القرن الماضي. من حيث إنَّ ثروة المملكة في مجال الثقافة والآثار أهمُّ من ثروتها النفطيَّة وأبقى؛ فهي الماضي والحاضر والمستقبل. لقد كان الأمر الثقافي- بما فيه قطاع الآثار والمتاحف- جديرًا بوزارة مستقلَّة، تضطلع بشؤون (الثقافة والتاريخ والآثار)، منذ وقت مبكِّر. فجَمْع شتات الشأن الثقافي إجراءٌ حيويٌّ، ويخدم الثقافة والاقتصاد معًا، إلى جانب تعزيز موقع المملكة ثقافيًّا في العالم. لأنْ ليست الثقافة إعلامًا، ولا السياحة ترفيهًا واقتصادًا، بل الثقافة: اقتصادٌ معرفيٌّ، ما زالت تتطلَّع إلى أن تُعْطَ حقَّها، بالقدر الذي هي جديرةٌ به، عربيًّا وإنسانيًّا، بعد أن بقيت متقاسَمةً بين الإعلام والاقتصاد وغيرهما. وقد جاء استحداث هيئة عامَّة للثقافة، في عام 1437هـ، ثمَّ إنشاء وزارة باسم "وزارة الثقافة"، وفصلها عن وزارة الإعلام، في رمضان 1439هـ، استجابةً للمطالبات المتكرِّرة بذلك.

ومن جهة أخرى، فإنَّ دعم الأدباء كان كذلك من أنظمة الشُّورى العتيقة، من خلال نظامٍ باسم "رابطة الأدباء والكتاب السعوديِّين"، أسهمَ في صناعة مواده ثُلَّةٌ من الأدباء والأكاديميِّين، من داخل المجلس وخارجه، منذ دورة المجلس الرابعة، أي قبل نحو خمس عشرة سنة.

فإلى أين أُلقِي بذلك النظام؟ ولماذا لا يُبنى عليه اليوم؟ ليُنطلَق منه، ويطوَّر؟

ذلك ما تساءلتُ عنه في مداخلةٍ لي خلال الملتقَى.

وللحديث بقايا.

وسوم: العدد 967