أنا الأسود وهم الأبيض في قصيدة "مسخ لغوي"

رائد محمد الحوّاري

أولا: النص:

مسخ لغويّ

{إني خُلقتُ على صورةِ الله/ ثمّ مُسختُ إلى كائنٍ لُغويّ- محمود درويش}

فراس حج محمد

ليَ الهوامشُ المختبئةْ

ولغيري كأسُ خمرٍ

دفقةُ شعرٍ

قبلةُ حبّ علنيّةْ

الصّدارةُ

الاحتفاءُ المهيبُ

النّجمةُ العاليةْ

لي الحذرُ العالي التّوغّل في الاختفاءْ

ولغيري الشّمسُ

الصّورةُ

الاحتضانُ

اللّيلكُ

الوردُ

والهمسُ

واللّمسةُ الدّافئةُ

ليَ الخسفُ

التّندرُ

والرّيحْ

والضّربةُ القاصمةْ

ولغيري السّناءُ

الضّياءُ

الحفلةُ الحافلةْ

والانبهارُ

الرقصُ

الغنوةُ الشّافية

ليَ النّزقُ الطّويلُ العمرِ

اللغةُ السّوداء

سحابة الشُّؤمِ

الحفرةُ الغائرةْ

ولغيري الفكر والتّبجيلُ والمهجةُ الرّاضيةْ

واللّغة النّشوى وأعياد الهوى

وأزهار الرّبيعْ

والشّهوةُ النّاضجة

ومقعد عشـقٍ يُعتلى في الصّهوة الجامحةْ

لم يبقَ منّي غيرُ "مسخٍ لغويّ"

ظلّ قصيدةٍ في مُسوحٍ بالية

ثانيا: القراءة

لا نحابي الشاعر "فراس حج محمد" عندما نقول عنه "شاعر مجتهد" فهو يقوم بأكثر من عمل ثقافي، منها اجتهاده على نفسه كشاعر من خلال تقديم ما هو جديد، فقد استطاع أن يضع لنفسه مكانة خاصة في الحالة الثقافية الفلسطينية، من خلال كتابته أكثر من خمسة كتب نثرية، وأربع دواوين شعر، وكتابين في النقد الأدبي.

أول معرفتي بالشاعر كانت من خلال ديوان "أميرة الوجد" الذي نبهني فيه الشاعر إلى علاقة اللفظ بالمضمون، وأيضا علاقة الحرف بالمضمون، وهذا ما فتح لي مساحة من التحليل لم تكن متاحة دون هذا الديوان، من هنا نقول إن النص الجيد هو كتاب نقد جيد أيضا، حيث يجد فيه المتلقي عوالم متعددة ومتشعبة وما عليه إلا التأمل في هذا الفضاء الرحب للنص.

قصيدة "مسخ لغوي" تؤكد حالة الإبداع عند الشاعر، فهي تكاد تكون نصّاً مطلقاً، والذي يتماثل فيه اللفظ مع المضمون، فستخدم الشاعر في هذه القصيدة الألفاظ السوداء لتمثل الحالة التي يمرّ بها، بينما يستخدم الألفاظ البيضاء لهم فقط، فهو لا يقارن بينه وبين الآخرين فقط، بل يعمق الفجوة التي تفصله عنهم، وتجعل لكل طرف عالماً مخالفاً تماما عن العالم الآخر.

إذا أخذنا أي مقطع من المقاطع في هذه القصيدة سنجده الالفاظ السوداء والقاسية مرتبطة/ متعلقة بالشاعر بينما الالفاظ البيضاء متعلقة بهم، "الهوامش، المختبئة، الحذر، الاختفاء، الخسف، الريح، النزق، السوداء، شؤم، الحفرة الغائرة، الضربة القاصمة، مسخ لغوي"، هذه الألفاظ تمثل حالة الشاعر القاسية.

بينما الـ"هم" نجدهم بهذه الألفاظ "كأس خمر، دفقة شعر، قبلة حب علنية، الاحتفاء المهيب، النجمة العالية، الشمس، الصورة، الاحتضان، الليلك، الورد، الهمس، اللمسة الدافئة، السناء، الضياء، الحفلة الحافلة، الانبهار، الرقص، الغنوة الشافية، الفكر والتبجيل والمهجة الراضية، واللغة النشوى وأعياد الهوى، الشهوة الناضجة، عشق، الصهوة الجامحة". إذا ما قارنا بين عدد الألفاظ المتعلقة بحالة السواد التي يمر بها الشاعر، وتلك البيضاء المتعلقة "بهم" ستكون الغلبة لـ "هم"، حتى أن الشاعر قد توغّل أكثر في المقارنة بين حالته، وحالة الـ"هم" من خلال إعطاء أكثر من وصف أبيض مثل "اللمسة الدافئة، واللغة النشوى وأعياد الهوى، الشهوة الناضجة، الغنوة الشافية، الصهوة الجامحة". هنا كانت الألفاظ والواصف والفكرة كلها تتألف وتعطي الحدث/ الفكرة البيضاء لهم، بينما الشاعر كانت مجمل حالاته سوداء بالمطلق.

ابتداء القصيدة بلفظ أسود "لي الهوامش المختبئة"، ونهايتها "لم يبق مني غير "مسخ لغوي"/ ظل قصيدة في مسوخ بالية"، وارتباط البداية والنهاية مع العنوان تؤكد حالة الوجع والألم والقسوة التي يمر بها الشاعر، وأيضا تبين ما يكنّه العقل الباطن له، فهذه الألفاظ تبين حجم السواد الذي يحمله في اللاوعي، وحجم الألم الذي يمر به عندما يجد الآخرين بتك البهجة وهو بهذا الحالة.

وسوم: العدد 703