الأحبّة من شعبنا المهاجرين إلى بلاد أعدائنا

صالح محمّد جرّار

أنتم يا غرسَ آبائنا ، وشمس  بلادنا ، وزيتون  فلسطيننا ،وسفراءَ أمّتنا ،

أنتم  يا أهلنا وأرحامنا وذوي قربانا في أرض الله  النّائية ،

السّلام  عليكم ، ورحمة الله  وبركاته .

أحمد الله إليكم حمد الشّاكرين  لنعمه  التي  لا تحصى ، وحمد الصّابرين  على بلائه ، والرّاضين  لقضائه ، والرّاجين  عفوه ،

والسّائلين  رحمته !!

وأصلّي وأسلّم  على  رسول الهدى ، ونبي الرّحمة ، سيدنا  محمّد ، وسائر الأنبياء  والمرسلين ، وبعد  ؛

فإنّ القلم  يترنّح  على السّطور من  هول  ما  في الصّدور  !!

وأنّى  للمترنّح  أن يجمع  شتات  فكره ، وأشلاء  ذهنه ؟!! فسر  أيّها القلم المترنّح تحت   عبئك الثّقيل ،وانفث  زفير همّك ، ويحموم  كربك ،فلعلّك تخفف  من ضرام  جوفك ، وشدّة ألمك ، فتعود  قادراً  على التّعبير ، ووصف ما أنت  ما فيه  من واقع  أليم ، وكيد  عظيم  ، ومستقبل  خطير !!

    سر أيّها القلم ،مستعينا  برب العالمين ، عائذا  به  من كل  شيطان  رجيم ، وإنسانٍ باغ  لئيم ، ردّه الله  أسفل سافلين !!

   سر أيها القلم  صابراً ،فهذا زمن  الوحشة والهمجية  ، وانتكاس  الآدميّة ، وانحطاط  البشريّة !!

   سر  أيّها القلم  ،فأنت  تعيش  في غاب الوحوش ، وعالَم الإجرام ،ومجتمع  الحاقدين ، ومستنقع الأوبئة ، وجحيم الشّياطين !!

    لك  الله  أيّها القلم، كيف  تستطيع  التّعبير ، وقد  سلبتَ  حريّة   التّفكير ،وحرمت دم الحياة ،وطب القلوب ،وشمس  النّهار ،وسبات  النّوم ،وراحة الليل ،وأمن الطّريق ،وأصحاب العمر ؟!!

     اغمس  يا قلم  ريشتك  بنجيع  الفؤاد ، فلم يعد  مدادك  صالحا  لتحبير السّطور، ووصف المآسي ،وإسماع  مّن في القبور !!

     ها  قد أضعنا  قدسنا  وبلادنا   من  بعد  هجر  شريعة  سمحاء

     ها قد تحوّلنا  غـثـاءً  طافـيـا    فوق السّيول بغير ما    أسمــاء

     لم يبق  من شيم  الكرام  سجيّة ٌ في مدّعي الإسلام  والعـربـاء

     إنّا لبسنا  عارنا    بجدارةٍ       حتّى غدونا   سُبّةَ   الأحـيـــاء

*****        

كم كنت أود  أن أسمعكم  لحن البشاشة  والسّرور !

كم كنت أود أن أهدي إليكم طاقات الورد  ، وأن أنـفحكم  بشذا الرّيحان  والنّسرين  ،  ولكن  ماذا أعمل ، والأشواك في بلدي تقتل الزّهر والآمال؟  ماذا أعمل وريح السّموم في بلدي ، قد ألوت الأغصان ، وحرقـت  الزّرع ، وجفـّـفـت  الضّرع ، وصوّح البستان ،وصمت البلبل ونعق الغراب فوق أطلال  الأوطان  ؟!!

لمّا  زرعنا  الهدى  كان العلا  ثمراً   وحين بذر الهوى  كان الجنى غرقا

فيا  لَله لبلد الإسراء  والمعراج ، ويا  لَله  لشعبه الذي  بات  كالأيتام  على مأدبة اللئام ، ويا لله لأمّة  تجرع السم الزعاف  ،ولديها البلسم الشّافي ، والدّواء النّاجع ، ولكنها في سفه  وطيش  وضلال ،تأبى تناول  العلاج ، وكأنّها  تستسيغ كأس الهوان ، ومرارة الذّل والحرمان !!!

لم تمرّ هذه الأمّة في تاريخها الطّويل بأظلم ولا أمرّ ، ولا أسوأ من هذه الفترة التّاريخية السّوداء !  وليس  هذا عجيبا إذا  ما تأمّلنا وتدبّرنا سنن  الله  في البشرية " إنّ الله  لا يغيّر ما بقوم  حتّى يغيّروا ما بأنفسهم "        فنحن  في  أرضنا المنكوبة ،لم نغيّر  ما بأنفسنا ،فيغيّر الله ما بنا من ذلّ وهوان  وضياع وتشريد !!

وعلى أبسط المستويات ،تجد التّمزّق والعداء والكيد ! حتى في الأسرة الواحدة ، والمدرسة الواحدة، والصف المدرسي الواحد ، وفي القريةالواحدة ، بل الحي الواحد ، تجد سبل الشيطان المتعددة ،فتتفرّق  بهم  عن سبيل الله ، وعن صميم الهدف ، والله يقول : "وأنّ هذا صراطي  مستقيما فاتّبعوه ، ولا تتبعوا السّبل  فتفرّق بكم عن سبيله  .... الخ

وبهذا التّمزق ، اتّسع الخرق ،وتفاقم الشّرّ ، وضعف الجسد عن مقاومة الدّاء ، فلا دينٌ  يوحّد ،ولا   عقلٌ  يفكّر ، ولا علمٌ  ينير الأفق ، ولا خلق  كريمٌ  يطهّر المجتمع ، ولا ضميرٌ حيّ  يردع  عن الفوضى 

والسّقوط !!

يعيش النّاس في بلدنا عيش المريض بالسرطان ، أو بداء العصر " الإيدز " الذي يحطّم المناعة في جسم  الإنسان !

  يعيش النّاس في بلدنا  في رعب دائم ، وقلق قاتل ، وجهل مطبق ،وحمق عجيب ، ونفاق مريب ، وتوجّس  غريب ،وأرجحة بين قول كاذب ،وثقة هزيلة ،وشراك للشرّ كثيرة !!

فحتّامَ المسيرُ بكلّ درب        حيارى ما يبين  لهم  صوابُ ؟!

وما دربٌ سوى الإسلام يُنهي  ضلال الرّكب لو عقل  الدّوابُ

وليس يلام ذئبٌ في افتراسٍ    إذا  فُتحتْ   له   دارٌ      وبابُ

وإنّ الدّار تغزَى كلّ حينٍ      إذا  ما  الأهل  ليس  لهم  حرابُ

وخير سلاحهم خلق  ودينٌ     وعلمٌ    يستنير   به      الشّباب

فأين المسلمون اليوم  منها     وأين  مسيرهم  أين     الرّكابُ ؟!!

لو بقي  القلم يكتب  ليل نهارَ عن واقعنا المرير ،لما استطاع إيفاء حقّه من الوصف المعبّر المثير ،فليس لنا نحن الذين لا حول لنا ولا قوّة ،إلاّ الدّعاء إلى الله العلي القدير أن يلطف بنا فيما جرت به المقادير ، وأن يعاملنا بما هو أهله ، إنّه  هو أهل التّقوى وأهل المغفرة !!