قرية النمل

نسرين صالح محمد جرار

اصطفت جميع النملات بنظام مُشكّلة سطوراً وأعمدةً متساوية؛ لتستمع لخطاب ملكة النمل باهتمام، وقفت الملكة فوق حجر لتكون على مرأى ومسمعٍ من الجميع، ولم تبدأ حديثها إلا بعد أن تأكدت أن لا همس ينبعث من هنا أو هناك، الكل آذان صاغية، فعلى ما يبدو أن هناك خطباً ما، استهلت الملكة كلمتها بقوله تعالى "حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ" ثم أردفت إن جدتنا الحكيمة نصحت قومها باللجوء إلى مساكنهم عندما أحست بأن خطر جيش سليمان قد يهلكهم من دون أن يقصدوا أذيتهم، ومن موقع مسؤوليتي وحرصي على مصلحتكم واقتداء بجدتنا الحكيمة، أحذركم من قدوم ريح عاصفة ستقتلع الأشجار، وآمركم بالدخول إلى مساكنكم بعد انتهاء هذا الخطاب والبقاء فيها حتى تنتهي العاصفة، وسنتقاسم الزاد بيننا بعدالة .

بدأت النملات بالسير بنظامها المعتاد لتعود إلى مساكنها، وقد عثر بعض منها على قوت يومه وجزء من مخزونه للشتاء، فسار ومعه ما جمع من خيرات، وبعض النملات لم يحالفها الحظ في العثور على الحب ذلك النهار فسارت إلى بيتها موقنة أن سلامتها مقدمة على كل شيء وأن الرزق من الله.

من خلف الصفوف تبادلت بعض النملات الهمس وأومأت إلى بعضها بعضا بالانسحاب وعدم اتباع التعليمات، فهناك تحت شجرة الجوز القريبة من مساكنها حبات جوز تساقطت تحتها، وعليهن أن لا يفوتن الفرصة على أنفسهن بالحصول عليها، تسلل الخبر إلى الصفوف الخلفية من قرية النمل، فبدأت كل نملة طماعة ومستهترة تنضم إلى الجماعة الجاهلة التي لم تدرك عواقب مخالفة التعليمات، وتوجهن إلى شجرة الجوز، وهناك لم يجدن على الأرض ما توقعن من ثمر، فاقترحت إحدى النملات الجاهلات أن ينتظرن وصول العاصفة، حيث ستهز الريح أغصان الشجرة وستنزل حبات الجوز على الأرض، صفقت الجماعة المستهترة بغباء لاقتراح النملة الغبي، ودون أي تردد مكثن ينتظرن العاصفة.

وصلت جموع النمل مساكنها بأمان، تحت قيادة ملكتهم الحكيمة، وتوجهت كل منها إلى سربها لتأخذ قسطا من الراحة، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان، لقد تنبهت الأمهات إلى أن جزءا من أبنائهن لم يصل إلى مسكنه، دب القلق في قلوب الأمهات والجدات على أبنائهن المفقودين، وقامت بلبلة في قرية النمل لم يسبق لها مثيل، وقررن أن يخرجن للبحث عن أبنائهن، أعلنت الملكة حالة الطوارئ، وعقدت اجتماعا عاجلا، وخرجت بنتيجة أن مخالفي الإجماع سيتلقون عقوبتهم من خالقهم، وأعطت تعليماتها بأن لا يخرج أحد للبحث عنهم.

انفض الاجتماع وقلب الأمهات يتفطر على أبنائهن، وعلى الرغم من قناعتهن التامة بأن خروجهن من البيت مخاطرة، لكن عاطفتهن قادت مجموعة منهن لمخالفة التعليمات والخروج بحثا عن أبنائهن.

وبدأت العاصفة...، وهبت الرياح، وتناثرت ذرات الرمال في كل مكان، وبدأ كل ما على الأرض من ورق يطير، وصار حصى الطريق يتراكض، وبدأت شجرة الجوز تتمايل يمينا ويسارا وتقذف حبات الجوز بقوة كأنها رصاصات طائشة، بعضها أصابت النمل المنتظر الثمار إصابة مباشرة فقتلته، وبعض النمل دفنته حبات الرمال، وبعضهم طار في الهواء إلى مستقر غير معلوم، أما الأمهات والجدات اللواتي خرجن للبحث عن أبنائهن فقد هلكن جميعا من حصى الطريق.

مرت ليلة عصيبة، وفي الصباح هدأت العاصفة، فخرجت النملات اللواتي مكثن في مساكنهن لتفقد من خرجن ولم يسمعن نداء الحكمة، فما وجدن غير البكاء والنحيب على من فقدوا جراء جهلهم وغوغائيتهم، وأعلن الحداد في قرية النمل، بعد أن تعلمت النملات أن الجاهل لا يكون عدو نفسه فقط بل هو عدو وطنه وشعبه.