( إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا)

( إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا )

حديث الجمعة :

استكمالا للأحاديث التي سبقت عن بعض صفات المنافقين ، وأحوالهم في القرآن الكريم ،يذكر الله عز وجل  صفة أخرى في الآيتين الكريمتين الثانية والأربعين والثالثة والأربعين بعد المائة من سورة النساء إذ يقول جل شأنه : (( إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلى قليلا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا )) ، فهذه الصفة من علامات النفاق أيضا، لأن  الله عز وجل قد  جعل للصلاة أوقاتا معلومة من الليل والنهار، يتوجه فيها المؤمنون إليه بقيام، وركوع ،وسجود مع ذكر معين يكون  تكبيرا ،،وتسبيحا، وتلاوة للقرآن، ودعاء ، وصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك بمنتهى التركيز وبمنتهى الحضور الذهني و الوجداني  للذات الإلهية ،لأن الأمر يتعلق بوقوف بين يدي رب العزة جل جلاله لمناجاته ، الشيء الذي يقتضي الانصراف الكلي  إليه دون الانجرار الذهني والوجداني وراء الأحوال  الدنيوية التي يمر بها المؤمنون في حياتهم اليومية  وهم يصلون .ومعلوم أن المنافقين يعدمون هذا الحضور الذهني الوجداني ، وهذا التركيز في صلاتهم كما سيأتي بيانه  لاحقا.

وقبل ذلك لا بد من التذكير  بأن  للصلاة جانبا ماديا يتمثل في الهيئات المعلومة لها من  تكبير ،وقيام، وركوع ، وحمد ، وسجود ،وذكر باللسان كما أن لها جانبا  معنويا يتمثل في استحضار الذات الإلهية  وجدانيا ،ويكون  ذلك بالجَنَان ، ولا بد للجانبين معا من تلازم يكون بينهما ضرورة كي تؤدى هذه العبادة على الوجه المطلوب . ولقد أكد الله تعالى على ضرورة حضور الجانب المعنوي  في الصلاة ،وهو الأهم  مع الجانب المادي ، وحث عليه لأنه وسيلة استحضار الذات الإلهية علما بأن انصراف الأذهان إلى  التفكير في مختلف أحوال وشؤون الحياة يقف حاجزا  وحائلا دون تحقيق هذا الاستحضار حين يصير غيره من المشاغل صارفا عنه ، ولا يبقى حينئذ من الصلاة إلا جانبها المادي المجرد من نظيره المعنوي ، علما بأن الجانب المادي إنما هو بمثابة وعاء للجانب الروحي .

ولما كانت الصلاة التي كتبها الله تعالى على عباده المؤمنين بهذه الهيئة  المركبة بجانبين متلازمين لا ينفكان عن بعضهما ، فإن الاتفاق  بين المصلين في أداءها  حين تقام يكون في الجانب  المادي المشهود حين  يصطفون ، وهم يؤدون عمليا أركانها من  تكبير، وقيام ، وتلاوة للقرآن الكريم ، وركوع، وسجود ، ودعاء ،وتسليم ،وذكر ، وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وآله ، ولكن الاختلاف بينهم يكون في الجانب المعنوي، وهو مستويات متفاوتة من حيث درجة التركيز في استحضار الذات الإلهية استحضارا ذهنيا ، و وجدانيا  يليق بجلال الله تعالى ،  ومن حيث درجة  التركيز في التدبر، والتفكر فيما يتلى من كتابه عز وجل ، وهذه أحوال  متداخلة  فيما بينها ،لا يمكن الفصل بينها ، وهي تجتمع كلها في مسمى الخشوع .

وإذا كان الجانب المادي في أداء الصلاة لا تصرف عنه مشاغل ، فإن الجانب المعنوي منه على العكس من ذلك تصرف عنه المشاغل نظرا لطبيعته الوجدانية والذهنية ، ذلك أن ذاكرة الإنسان لا ينقطع نشاطها المتمثل في تداعي الأفكار كلما حصل ما يقدحها  في الذهن حين ترد عليه منبهات  خارجية عن طريق السمع أو البصر أو داخلية عن طريق التخيل . والإنسان في صلاته قد تنحرف به ذاكرته عن استحضار الذات الإلهية  ذهنا ووجدانا  على الوجه المطلوب حين تتداعى أفكارها المختلفة التي تطوح به في مشاغل وهموم دنياه ، فتصرفه عن الغاية المثلى من عبادة الصلاة . ويضاف أيضا  إلى ما تنشغل  به الذاكرة عن هذه الغاية الأسمى  وجود المخلوق الشرير إبليس اللعين الذي يجري من الإنسان مجرى الدم ،ولا ينقطع  عنه نفثه، ونفخه ،و لا ما يوسوس به مما يصرفه أيضا عن استحضار الذات الإلهية ، والتفكر  في كلامه ، وتدبره ، ولهذا يكره إتيان عبادة الصلاة  عند حضور الطعام أو عند مدافعة الأخبثين ، وهما مركبان يركبهما إبليس اللعين للصد عن الخشوع في الصلاة ، وإفساد جانبها المعنوي . وقد توجد  أيضا أمور أخرى صارفة عنه ، والتي يكون مبعثها  جموح الهوى والغرائز .            

ومما ميز به الله تعالى بين عباده المؤمنين وبين المنافقين هوالفرق بينهم في الجانب المعنوي من الصلاة حيث قال  جل شأنه : (( إن  المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلى قليلا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا )) ، ففي هاتين الآيتين الكريمتين ذكر الله عز وجل محاولة المنافقين مخادعته ـ  تعالى عن ذلك علوا كبيرا ـ ، وهذه المحاولة إنما هي في الحقيقة مخادعة للمؤمنين من خلال إظهارالمنافقين لهم الإيمان الكاذب والمغشوش مع إضمار الكفر أو الشرك . وقد توعدهم الله تعالى بعاقبة السوء مهما طالت مخادعتهم للمؤمنين  .

ومن صور هذه المخادعة أن المنافقين ينحشرون في الصلاة مع المؤمنين ، ويحضرونها معهم في مساجدهم ، علما بأن حضور الصلاة شهادة على إيمان الظاهر ، وليس على باطنه الموكول علمه إلى الله عز وجل المطلع على السرائر.

وكشف الله تعالى عن هذه المخادعة من خلال مؤشرات تلحظ عند المنافقين منها التكاسل في الصلاة ، وهو عدم الاكتراث بها ، وله عدة صور منها الغياب عنها مع الجماعة في بيوت الله عز وجل في أوقات معلومة فيه بعض المشقة كصلوات الليل دون أعذار مقبولة شرعا  أو حضورها المتأخر باستمرار ، أوالفتور في أداء جانبها المادي كراهة لها أو سآمة منها.

 ومن المؤشرات أيضا الرياء ، وهو الحرص على إظهار القيام بها للخلق عوض أن يكون المقصود بها هو الخالق سبحانه وتعالى دون شريك معه في ذلك . والرياء يكون عاما عند المنافقين في كل العبادات ، وليس في عبادة الصلاة وحدها ، فهم يراءون في صومهم ، وزكاتهم ، وحجهم ، كما أنهم يراءون في معاملاتهم التي تكون في الظاهر عكس ما يبطنون . ومن المؤشرات أيضا على المخادعة قلة ذكر الله تعالى، ذلك أن المنافقين يشاركون المؤمنين في الجانب المادي من الصلاة قياما، وركوعا ،وسجودا دون  انخراطهم في الجانب المعنوي الذي هو الغاية والمنتهى منها من خلال صدق التفكر والتدبر في كلام الله عز وجل ، وصدق التوجه إليه ، وصدق استحضار ذاته الإلهية ، وصدق مناجاته تضرعا ، وتوسلا ، ورغبة، ورهبة ، وخوفا ، وطمعا .

وبهذا تتشتت أذهان المنافقين  بسبب التناقض الصارخ بين أدائهم المادي للصلاة ، وأدائهم المعنوي لها  بحيث يتوزعهم الحضور البدني مع المؤمنين ، والغياب الوجداني والذهني المنصرف كليا إلى الكفر والشرك ، لهذا وصفهم الله تعالى بالتذبذب ببن الانتساب إلى المؤمنين ظاهرا ، والانتساب إلى الكافرين والمشركين باطنا ، وليس الأمر في هذه الحالة  متعلقا بمنزلة بين المنزلتين كما قد يخطر على بال البعض، بل هم في واقع الحال منحشرون في زمرة الكفر والشرك لا يؤدون الصلاة على وجهها مع المؤمنين ، ولا يتركونها كترك الكافرين والمشركين لها ، وهي حال أسوأ من حال هؤلاء .وقد عقب الله تعالى عن هذه الحال من النفاق بأنها من الضلال الذي يضل به سبحانه وتعالى هؤلاء المنافقين لعلمه بما هم عليه في سرائرهم ، وهو رد على مخادعته  التي تكون من خلال مخادعتهم عباده المؤمنين عن طريق مشاركتهم  في الصلاة مشاركة  تقتصر على جانبها المادي فقط .  

مناسبة حديث هذه الجمعة هي أولا تنبيه  المؤمنين من الوقوع غفلة أو سهوا في  بعض منزلقات النفاق أثناء أدائهم عبادة الصلاة ، إما تخلفا عن أدائها في بيوت الله تعالى أو تلكؤا أو تأخرا في إدراك أدائها أو تكاسلا وتراخيا في أدائها ، وثانيا تحذيرهم من  مخادعة المنافقين لهم من خلال حضورهم الصلوات معهم  ، وقد كشف الله تعالى  في محكم التنزيل النقاب عن كيفية إتيانهم الصلاة بكسل  وتراخ واضحين يدلان على ريائهم  فيها ،وعلى تذبذبهم  الصريح بين الإيمان والكفر والشرك . ومعلوم  أن الحذر من المنافقين يعتبر صيانة لدين الإسلام  ودفاعا عنه، لأنهم أخطر عليه من أعدائه  الكافرين والمشركين الظاهرين ، فهم بمثابة طوابير خامسة  يخدمون مخططاتهم وأهدافهم الخبيثة  والماكرة .

وهنا لا بد من تنبيه المؤمنين إلى التمييز بين المنافقين الذين تمحضوا للنفاق الصريح من خلال مؤشرات بينة ، ودالة على نفاقهم، والتي لا ترقى إليها الشكوك بالنظر إلى ما يصدر عنهم من أقوال أوأفعال شاهدة على خالص نفاقهم  وولائهم لأعداء الإسلام والمسلمين كما هو شأن من يجاهرون بهذا الولاء  لهم ،ولا يخفونه ،ويلقون إليهم بالمودة ، وبين بعض ضعاف الإيمان الذين يتكاسلون  إما عن جهل أو عن غفلة ، ودون قصد في صلاتهم دون أن تكون لديهم خلفية النفاق ، ولهذا لا بد أن يُحتَرز من  سوء الظن بإيمانهم ،و اتهامهم  ظلما بالنفاق ، فيكون ذلك اعتداء عليهم  ووبالا على من يتهمهم .

ولا بد أيضا من التمييز بين كسل المنافقين في الصلاة ، وبين كسل بعض ضعاف الإيمان من المؤمنين الذين عافاهم الله من آفة النفاق ، ذلك أن كسل المنافين يكون دائما ومستمرا ،  وصفة ملازمة لهم لا تنفك عنهم أبدا ، بينما كسل ضعاف الإيمان يكون في بعض أحوالهم إما لجهلهم بحقيقة الجانب المعنوي في الصلاة الذي تختزله لفظة خشوع أو غفلتهم عن ذلك أو وقوعهم تحت ضغط مشاغل وهموم دنياهم التي  يعتريهم  التفكير فيها أثناء صلاتهم .ولا يمكن أن يكون خشوع المؤمنين في صلاتهم على وتيرة واحدة، بل تختلف درجاته  فيه بينهم .ولقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من تجاوز حد النشاط في العبادات والذي من شأنه أن يوقع في الفتور والسآمة  منها بقوله : " عليكم من الأعمال بما تطيقون ، فإن الله لا يملُّ حتى تملُّوا " ، كما أنه من رحمة الله تعالى بعباده المؤمنين أن شرع لهم سجودا  لجبر صلواتهم إذا ما اعتراهم فيها شيء من السهو.

وبناء على ما تقدم تكون  عبادة الصلاة على ثلاثة أوجه ، صلاة بخشوع ، وهي صلاة المؤمنين التي امتدحها الله تعالى في محكم التنزيل ، وصلاة ضعاف الإيمان بخشوع أقل، والذين عافاهم الله تعالى من آفة النفاق ، وصلاة المنافقين نفاقا خالصا لا خشوع فيها بل هي محض رياء .

اللهم إنا نعوذ بك من النفاق، وما يوقع فيه من قول أو عمل ، ونعوذ بك من  خداع وكيد المنافقين الذين لا يخفى عنك خداعهم وكيدهم بعبادك المؤمنين . اللهم إنا نسألك نعمة الخشوع  التي هي منة منك في صلواتنا لا تدرك إلا بعون منك سبحانك .

والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

وسوم: العدد 1129