أسوأ الخيارات في أقصر العبارات

زهير سالم*

أسوأ الخيارات الاستراتيجية على مستوى الحياة الفردية والجماعية، الاجتماعية منها والاقتصادية والسياسية.. استراتيجية التهرب من تحمل المسؤولية، والانسحاب أمام ما قد يفرض على الإنسان من تحديات..

السياسات الاتقائية التي تمثلها العبارة المأثورة عن السيد المسيح عليه السلام: من ضربك على خدك الأيمن، فأدر له الأيسر، ومن نازعك الرداء فأعطه المعطف أيضا، وهذه السياسة قد تترك الآخذ بها بدون إزار… حتى قالت العرب: وقد بدا هنوك من المئزر

جميل في الإنسان العاقل أن لا يسعى إلى المغامرات أو المشكلات وأن لا يستعجل الحروب أو المعارك. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تتمنوا لقاء العدو، وإذا لقيتموه فاصبروا.

ومع ذلك فالصراع- الدفع والطلب؛ بأنواعهما وخلفياتهما وإسقاطاتهما هو جوهر الوجود الحيوي للتاريخ البشري..

وهو سنة ربانية، لا يصح الصحيح إلا بها: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ).

المتنبي:

يرى الجبناء أن العجز عقل

وتلك خديعة الطبع اللئيم

وأول ما يجب في عملية ترتيب المعارك، ترتيب أولوياتها…

ولم أجد فيما قرأت في حياتي من انحطاط الهمة، ما وجدته في خور الخليفة العباسي الأخير المستعصم بالله، عندما قال: لا أظن أن هولاكو يبخل عليّ بحكم بغداد!! وبخل عليه هولاكو، ووضعه في جولاق وداسه بالأقدام…

ولا شك أيضا أن تأخير بعض المعارك، قد يكون حكيما، إذا كان التأخير مقترنا بما سميته من قبل بالصبر الاستراتيجي، ولكن التهرب من مواجهة كل التحديات مرة بعد مرة حتى لا نجد إلا أخانا فذلك هو الأمر المريب..

وبني الصبر على ثلاثة أحوال:

الصبر السلبي

صبر المستضعف بلا حول ولا طول على الأذى.. مثل صبر السجين على أذى سجانه. وقد خبرناه طويلا.

والصبر الإيجابي.. وهو صبر المصابر.. تلخصه الآية الكريمة: (إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ). ويمثلون له بلعبة عض الأصابع..

وثالثا الصبر الاستراتيجي..

وهو صبر من يستغفر جهده لينتقل من موضع المغلوب إلى موقع الغالب. وهذا لا يمكن أن يكون: بنقض الغزل، ونفض اليد، وهدر ما في اليد على أمل ما في الوعد..

كلام لا أكتبه في فراغ، ولا من فراغ، ولا أريد إسقاطه على واقعة خاصة، بل أكاد أقول أصبح في حياتنا القصيرة شبه ظاهرة، وأرجو أن تكون سحابة صيف عن قليل تقشع..

ومن أجمل ما قال المتنبي

ولا تَحْسَــــــــــــبَنّ المَجْــــــــــدَ زِقّـــــــاً وقَيْنَــــــةً

فما المَجدُ إلاّ السّيفُ والفتكةُ البِكرُ

*مدير مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية

وسوم: العدد 1129