مشاهداتي في انجولا 1 و2

أشرف إبراهيم حجاج

مشاهداتي في انجولا

أشرف إبراهيم حجاج - إعلامي – القاهرة

[email protected]

[email protected].com

(الحلقة الأولى)

ما قبل السفر

مقدمة : - 

وقائع يشهدها التاريخ . فيها جميل وفيها غريب وفيها أكثر من ذلك .

وفي السطور الأتيه  ملخص لمشاهداتي في رحلتي للعمل بأنجولا عام 2011 . منها :

ما قبل السفر : 

كانت البداية هي انطلاقة عفوية مني للسفر للعمل بالخارج . توكلت على الله في هذا الأمر فكان الله تعالى بعوني فيه ، ظهرت لي دون مقدمات سفرة للعمل بأنجولا وأنا من قبل ما سمعت عنها ولا علمت عنها إلا القليل بل أقل القليل فهي دولة أفريقية قريبة من جنوب أفريقيا وهي بلاد فقيرة ، دينها المسيحية ، أما مواردها فلم أكن أعلم عنها  شيئا .

 ولكني استخرت الله تعالى في سفرتي هذه فكان القبول فيها واستعددت للسفر بعد ما وقعت على عقد العمل لدى إحدى الشركات اللبنانية الشهيرة .

 وانتظرت تذكرة السفر الخاصة بي ولكن الفيزا تأخرت قبل أن تأتي الأوراق من دولة أنجولا .

 وأخذ الوقت يجري سريعا حتى كانت المفاجأة السارة الجميلة وهي قيام أعظم ثورة شهدها التاريخ المصري بأكلمه . كنا بفضل الله تعالى يوم 25 يناير في ميدان التحرير ، وكان الثوار وقتها عددا غير قليل ، والحمد لله تعالى قمت بتصوير بعض المشاهد الخاصة والتي تحمل أغلى لحظات من تاريخ حياتي . لم أحس وقتها أنني وحيد بل ــ ولأول مرة ــ يتم الإحساس لدي أنني في أمان شديد . تلاحمنا وتجمعنا وكانت الأيادي تتشابك في أخوة غامرة بصورة عفوية ، وضعت يدي في يد أحد الإخوة المسيحيين . فأدركت أنها إرادة الله أن نكون شعبا واحدا على اختلاف أديانه ومذاهبه .

وقادني فكري إلى الإيمان بأننا على حق ... ، ولما نودي لصلاة العصر رأيت الناس في أماكنهم يصلون في خشوع عجيب ، وأنا واحد منهم .

وأمنت إيمانا راسخا ــ وأنا مستغرق في صلاتي ــ  أن الحق سينتصر بإذن الله تعالى . فالبقاء للأصلح والله سبحانه وتعالى قد قال في محكم كتابه " .... وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ  " الروم (47) .

والكثير الكثير حدث في هذا اليوم الجميل من روائع تاريخية ...  وقائع لها أثرها الجميل الرائع في حياة المصريين ، لم يكن للوقت عندي حساب مع أنني كنت قد عزمت على السفر إلى بلدتي طنطا بمحافظة الغربية . ولم أتمكن من التوجه للسفر إلا بعد المغرب .

وفي اليوم التالي كان الثوار يبيتون يومهم الأول في ميدان التحرير وأنا في طريقي للعودة إلى بيتي بالقاهرة بعد أن قضيت وقتا ممتعا مع والدي ووالدتي وأشقائي ، وحدثتهم عما كان في ميدان التحرير ، ففرحوا وتمنوا على الله تعالى أن يتم نجاح ثورة الحق .

وعدت إلى ميدان التحرير من جديد لأكون مع الثوار .

وفي السابع والعشرين كان العدد في ميدان التحرير في زيادة مطردة ، وتطور عظيم ، فكان المطلب الأساسي للثوار من ميدان التحرير هو إسقاط نظام مبارك الظالم.

وكانت " جمعة الغضب " هو اسم اليوم الرابع للثورة المباركه ، وكان الطلب لهذا اليوم هو رحيل مبارك ونظامه .

وحدث مالم يكن في الظن : إذ  خطب مبارك  بكلمات مؤداها : " سوف أظل حاكما لوطني مصر " . وكأن مصر تكية أو عزبة ورثها عن آبائه وأجداده .

وازدادت فورة الغضب مع أن مبارك أحدث تغيرا في بعض الوزراء ، وعين نائبا لرئيس الجمهورية . وكل هؤلاء رفضهم الشعب رفضا حاسما .   

وبدأ اغتيال الثوار بالرصاص الذي كان ينطلق من أماكن مجهولة فسقط مئات من الشهداء .

وبدأ بلطجية النظام المباركي في إرهاب المواطنين بالسلاح  الأبيض والأسود  ضد الأبرياء . ودارت عمليات التخريب والنهب والسلب وحرق البيوت والمحلات .

ولكن الله كان أقوى من هؤلاء جميعا . وجاء الحق وزهق الباطل وتنحى مبارك ونظامه الفاسد ، ورأينا آيات وآيات من قدرة الله .  

وللحديث بقية بعنوان وغادرت البلاد .

( الحلقة االثانية )

وغادرت البلاد

مقدمة : - 

وقائع يشهدها التاريخ . فيها جميل وفيها غريب وفيها أكثر من ذلك .

  وفي السطور الأتيه  ملخص لمشاهداتي في رحلتي للعمل بأنجولا عام 2011 .

ومن هنا بدأت إستعداداتي للرحيل ، ومرت الأيام بحلوها ومرها ، ورأيت الدنيا وأنا ذاهب للمطار بعين المسافر إلى غير مجهول .

وبعد نجاح الثورة كان لي نصيب في السفر خارج البلاد للعمل في إحدى الشركات التجاريه اللبنانية . وهي تعمل في مجال التجارة والتوزيع لجميع المنتجات الغذائية ومهمات المنازل .

رأيت فيها خيرا يغمر أهلها وسيظل موجودا لفترة طويلة ، ففيها ترى بعد إقلاع الطائرة من مطار القاهرة الدولي بدقائق ...

ترى مصر بعين جديدة مشتاقة للتعرف على مساحة البلد الحقيقية وهي غير التي نقرأ عنها في كتب التاريخ ، بل هي أعظم من ذلك بكثير .

غادرت القاهرة ليلا ، فخيل إلي أنها قطعة لؤلؤ جميلة تتلألأ ، تبهر الأنظار ... رأيت خيطا رفيعا جدا على  يمين النيل ويساره . ولكن وا حسرتاه فقد احتضن النيل مساحات شاسعة جدا  من الصحراء القاحلة .

وفي الطائرة تمنيت أن أعود لأجمع شباب بلادي وكما تواجدنا جميعا في الثورة متحابين نجتمع مرة أخرى متعانقين يدا بيد ، وكتفا بكتف ، وقلبا بقلب ، لنزرع صحراء بلادنا ، ونعمرها بالخيرات .

إن الحقيقة المؤسفة تقول : إن النيل أطول نهر في العالم ، لا يروي إلا أضيق رقعة أرضية في الدنيا . ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه .      

 كان إلى جواري بالطائرة شقيق سوداني قال لي بالحرف الواحد ( ألم ير حكامنا هذه المساحات الشاسعة ، وإن رأوها فلم يفكروا في اكتساب مهارات شبانهم في التصنيع والتجارة ، إنهم ــ للأسف ــ  لم يواكبوا العالم المتحضر ويزرعوا هذه المساحات ) . فطفرت الدموع إلى عيني فقلت له :

" يا صديقي لو كان حكامنا يهتمون بالذي تقول لأصبحنا ملوك العالم بما نصنع ، ولكنهم طبعوا بالجشع والنهب والسلب ، وآثروا دنياهم على أخراهم ، فلم يبقى لهم إلا لعنة التاريخ . 

ومازالت دموعي تغالبني حتى خرجنا من سماء مصر ، وبدأت الطائرة تحلق فوق السودان الشقيق ، وما رأيناه في أرض مصر رأيناه في أرض السودان :   النهر تخنقه  الصحراء الجرداء . ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم .

وهبطت الطائرة في أديس أبابا التي تتميز بأشجارها اليافعة الضخمة الجميلة . وبناياتها ذات الطابع الأثيوبي الجميل ، لم أمكث بأثيوبيا إلا بضع ساعات ، فلم أتمكن من أن أرى فيها باقي محاسنها .

انطلقت بنا الطائرة التى تصحبنا إلى أنجولا ، إنها من طراز بوينج 777  ... حقا فهي كبيرة الحجم تتسع لأكثر من 560 راكبا ، زيادة على طاقم الطائرة .       

بدأت أحلم بمستقبلي القريب  في أنجولا ، وتأخذني العزيمة بأن أكون مثاليا فيما عزمت عليه . الطائرة تحلق السحاب تحتنا كأنه جبل أو سلسلة جبال من الجليد أو القطن ... فنحن نحلق فوق الأرض بحوالي تسعة ألاف قدم .

بدأ الإعلان عن الهبوط  وبدأت أرى الأرض كأنها شيئا لم أره من قبل ، 

وهبطت الطائرة ورأيت نظاما جديدا في التعامل ، وسمعت لغة غير اللغة التي نتحدث بها ، وأشخاصا غير الذين نتعامل معهم  .

ولنا لقاء جديد في الحلقة الثالثة .