في الساحة الحمراء

جميل السلحوت

[email protected]

في أواخرشهر حزيران 1984 سافرت الى  الاتحاد السوفييتي لتلقي العلاج الطبي، من تقرحات في جهازي الهضمي، وخصوصا في القولون، ففي أثناء تواجدي في سجون الاحتلال الاسرائيلي كمعتقل اداري، وما تعرضت له من تحقيق وتعذيب أورثني انزلاقا غضروفيا في رقبتي، وآخر في أسفل العمود الفقري، وتقرحات في جاهزي الهضمي، خصوصا في القولون الذي استأصله الأطباء لاحقا في العام 1994 بعد أن بدأت مرحلة تدمير الخلية، أيّ مرحلة ما قبل السرطان، ولم يُبقوا لي منه سوى تسعة سنتيمترات متقرحة هي الأخرى، وتمثلت عوارض تقرحات القولون باسهال شديد مصحوب بالدماء عشرات المرات يوميا، لكنه بدون ألم، فحصني طبيب في السجن وشخص المرض بأنه (ماسور) وقال لي:عندما ستتحرر من السجن ستحتاج الى عملية جراحية، كان الاسهال يختفي لأسابيع ثم  يعود مرة أخرى.

في مستشفى المقاصد:

وعندما تحررت من السجن في 20نيسان 1970 بعد قضاء ثلاثة عشر شهراكموقوف اداري بدون محاكمة، راجعت الأطباء الذين كتبوا لي أدوية مختلفة، لم تساعدني في شيء، الى أن حولني أحدهم في شهر تموز-يوليو 1971 الى  مستشفى المقاصد الخيرية الاسلامية الكائن في جبل الزيتون-الطور في القدس، وكان المستشفى حديث العهد، شَخَّص طبيب الأمراض الداخلية حالتي بأنني مصاب بـ "الماسور" وحولني لقسم العمليات، وفي الساعة المحددة للعملية، فحصني الطبيب الجراح-محمد عيسى- وقال: أنت غير مريض بالماسور، وأعادني الى قسم الأمراض الباطنية، كي يحدد الأطباء المختصون مصدر الدماء النازفة وأسبابها، وهناك قرر طبيب اختصاصي أنني مصاب بسرطان في الأمعاء، لأن هناك قاعدة طبية تقول:" كل أعراض مرضية مصحوبة بدماء وبدون ألم هي سرطان" وكتب لي العلاج بالحقن الكيماوية، ومنعني من تناول أيّ طعام غير السوائل، كنت لم أكمل عامي الثاني والعشرين من عمري، ووزني 81كغم، وأخذت صحتي تتردى يوما بعد يوم، وتساقط الشعر من جسمي بما في ذلك شعر حواجب العينين، ووزني ينزل يوميا، وبعد ثلاثة أسابيع أخذت بشرة جلدي تتساقط، وفي اليوم الثالث والثلاثين لوجودي في المستشفى، وصل وزني الى 49 كغم، وهو وزن الجلد والعظم حيث أن طولي 1992 سم، وخارت قواي بالكامل، وأصبحت في حالة عطش دائم، الماء في فمي وأنا عطشان لا أرتوي.

يهودي كردي عراقي ينقذني:

 وفي ذاك اليوم زارني يونا سلمان، اليهودي الكردي العراقي الذي كان يعمل في مكتب محاميتي الشيوعية والمناهضة للصهيونية وللاحتلال فيليتسيا لانجر، والتي تركت اسرائيل وعادت الى ألمانيا، حيث تعمل الآن محاضرة في احدى الجامعات، وكتبت عدة مؤلفات عن المعتقلين الفلسطينيين الذين دافعت عنهم، ويونا سلمان ووالداه واخوانه أبعدوا رغما عنهم من العراق الى فلسطين عام 1951، بطائرة من مطار بغداد الى مطار اللد في فلسطين، وشقيقه نعيم اقتيد من سجن"نقرة السلمان" الى مطار بغداد مباشرة، ولا يزال يحتفظ بجواز سفره العراقي المكتوب على صفحته الأولى بالحبر الأحمر"مجرم شيوعي" وعليه ختم وزارة الداخلية العراقية.

زارني يونا سلمان وبصحبته طالب طب عربي في سنته الخامسة في الجامعة العبرية في القدس، وعندما رأوا حالتي، أصروا على نقلي الى مستشفى هداسا الاسرائيلي، وأقنعوا والديّ واخواني بذلك، وعندما وصلت مستشفى هداسا محمولا، اجتمعت عليّ لجنة طبية من مختلف التخصصات، وأول عمل قاموا به هو أنهم أعطوني سائلا من الأملاح المركزة، فقد كانت الأدوية التي تعاطيتها في المقاصد قد سحبت الأملاح من دمي، وهذا هو سبب عطشي الدائم، وبعد تناولي الأملاح تحسن وضعي بشكل ملحوظ، كما سمحوا لي بتناول الأطعمة، وبعد الفحوصات المخبرية، وصور الأشعة، وتنظير للأمعاء قرر الأطباء أنني مصاب بتقرحات في القولونUlserative colitesوأعطوني دواءSalazopyrinفتوقف الاسهال، وهذا الدواء لا أزال استعمله يوميا منذ ذلك التاريخ، وهو يترك ترسبات في الكلى... أمضيت56 يوما في هداسا، وخرجت بوزن 72كغم.

وفي العام 1984 ونتيجة لمعاناتي المتواصلة من ذلك المرض اضافة الى قرحة في المعدة، قررت السفر للاتحاد السوفييتي باعتباره دولة عظمى ومتقدمة، وصديقة للشعب الفلسطيني وللشعوب المضطهدة،  وجاء قراري بناء على نصيحة المرحوم بشير البرغوثي الذي كان أمينا عاما للحزب الشيوعي الفلسطيني، وهو من رتب لي اجراءات السفر.

في قبرص:

طرت من مطار اللد الى مطار لارنكا في قبرص على متن شركة الخطوط البريطانية، ومن لارنكا استقليت سيارة الى نيقوسيا العاصمة القبرصية...وفي الطريق ما بين لارنكا ونيقوسيا شاهدت تربة جيرية قاحلة كالبراري الصحراوية في بلادنا، وفي قبرص مقود السيارة على اليمين، وليس على اليسار كما هو في بلادنا، ويسير السائق على يسار الشارع وليس على يمينه كما هو في بلادنا أيضا،  وفي نيقوسيا اتصلت بالاستاذ نعيم ناصر الذي كان يعمل في الهلال الأحمر الفلسطيني، وتحديدا في مجلة بلسم الصادرة عنه، فرافقني الى السفارة السوفييتية حيث زودوني بتذكرة سفر في الدرجة الأولى على متن شركة الخطوط الجوية السوفييتية(إير فلوت)....

أمضيت في نيقوسيا ثلاثة أيام، وغادرتها في اليوم الرابع، وفي اليوم الثاني لوصولي، وقبل أن ألتقي الاستاذ نعيم ناصر، خرجت باحثا عن مطعم لأتناول طعامي، فشاهدت مطعما مكتوبا عليه:"طعام عربي وهندي" فدخلته....نظرت الى لائحة الطعام واخترت اسما طويلا، فأنا لا أعرف اسماء الطعام بالانجليزية، فسألني النادل:Do you want hot food?فأجبته:نعم..وكنت تعلمت في المدرسة أن Hotتعني ساخن، واذا بالرجل يأتيني بطعام هندي مثلج لم أشاهد مثله سابقا ولا لاحقا، فقلت له:I told you that I want hot food not like thise فاعتذر الرجل وأخذ الصحن وأضاف اليه الكثير من الشطة الحارقة، أكلت من أطراف الصحن وفمي يحترق من حرقة الفلفل والشطة...دفعت الحساب وغادرت المطعم جائعا....مشيت في الشارع وشاهدت أشخاصا في(أكشاك)يشوون اللحوم على قارعة الطريق، ولديهم بعض الطاولات، يضعون سيخا من اللحوم بعظامها يزيد وزنه على الكيلو غرام....وثمن السيخ مع زجاجة مشروب  مع الخبز باوند واحد-يعادل دولارين- أكلت واستمتعت، واستمريت آكل كل يوم وجبتين، وفي اليوم الثالث وبعد أن أنتهيت من طعامي مرّ بي شخص ملتح يرتدي ثوبا وسروالا على طريقة الباكستانيين، فسألني الرجل بلغة عربية فصحى بعد أن طرح عليّ السلام: هل أخي مسلم؟ ولما أجبته بنعم عاد وسأل: هل تعلم ماهي اللحوم التي تأكلها؟ فأجبته: نعم انها لحوم خراف لذيذة...فقال: كلا انها لحوم خنزير، وكل هذه "الأكشاك" التي تراها لا تشوي الا لحوم الخنازير ولحوم الأرانب....فاستغربت ذلك، مع أنني كنت أظن أن اللحوم الصغيرة هي لحوم دجاج، ولو كنت أعرف لحوم الخنزير لما أكلتها...شكرت الرجل ...وكانت تلك هي الوجبة الأخيرة لي في تلك الأكشاك.

وعند المساء التقيت شبانا فلسطينيين وعربا، فدعوني باصرار الى وجبة عشاء في مطعم قالوا عنه أنه الأفضل في مطاعم نيقوسيا، استقلينا السيارات، واذا بهم يقفون أمام المطعم إياه الذي يقدم الطعام العربي والهندي، فرويت لهم ما جرى معي ظهرا...فضحكوا وقالوا Hot تعني حار من حرارة الفلفل وليس ساخنا كما علمك مدرسك في المدرسة، وشرحوا لي بأن مالك المطعم صاحب الشنب الكثيف، قيادي في الحزب الشيوعي القبرصي، وهو صديق للشعب الفلسطيني، وترخيص مجلة" فلسطين الثورة" التي أصبحت تصدر من نيقوسيا بعد الخروج من بيروت في العام 1982مسجل باسم الرجل، وعندما جاء الرجل ليرحب بنا، فسأله أحدهم وهو يشير إليّ:

هل سبق وأن رأيت هذا الرجل؟

فأجاب: نعم ...تناول الغداء عندي في المطعم.

-        وهل لاحظت أنه لم يتناول الطعام الذي طلبه؟

-        كلا فالنادل هو من حمل الصحون.

فأخبروه قصتي مع الغداء، كما أخبروه أنني فلسطيني مريض قادم من الأراضي الفلسطينة المحتلة في طريقي للعلاج في موسكو، فبكى الرجل تأثرا، وحاول أن يعيد لي ما دفعته مقابل الغداء فرفضت ذلك بشدة، لكنه أصر بأننا جميعنا ضيوفه، وأن عشاءنا على حسابه....ومما قدمه لنا من سلطات ومقبلات، كان الحلزون البحري، وهي المرة الأولى والأخيرة التي رأيت فيها الحلزون يقدم في المطاعم.

في موسكو:

وفي مطار موسكو وجدت شخصا اسمه فيكتور في استقبالي على سُلّم الطائرة،اصطحبني في سيارة سوداء الى قصر الضيافة الجديد، وهو فندق راق جدا ومكون من عدة طبقات...يحيط به سور عالٍ، وله بوابة يحرسها ضباط، ولا يسمح بدخوله الا للشخصيات الرسمية المحلية، ولضيوف الدولة المقررة اقامتهم فيه، وفيكتور هذا يجيد العربية بطلاقة، بل انه يجيد مختلف اللهجات العربية المحكية، ويفاخر بأنه ترجم كتاب(خريف الغضب) للأستاذ محمد حسنين هيكل، كما أنه يفاخر بأنه علم الشاعر الكبير محمود درويش في المدرسة الحزبية في أوائل سبعينات القرن العشرين.

أما غرف الفندق فإنها مرتبة بشكل فاخر جميل ولافت، وفي كل غرفة تلفاز، وطاولة عليها أوراق وأقلام لمن يريد كتابة أيّ شيء، وفيها ثلاجة تحوي عددا من زجاجات العصائر والمشروبات الروحية والغازية، وكل زجاجة تفتح كانت تُستبدل بأخرى فور خروج نزيل الغرفة منها، وتقوم على خدمة نزلاء الفندق حسناوات يرتدين الملابس البيضاء، تماما مثل ممرضات المستشفيات، وكل طابق من الفندق يتكون من جناحين، يفصل بينهما مساحة فيها طاقم جلوس فاخر، لمن يريد استقبال الضيوف....عدا عن لوبي الفندق الموجود في الطابق الأول، أمّا المترجم فانه لا يدخل غرفة الضيف، وينتظر في اللوبي دائما.

وما حظيت به من استقبال في مطار موسكو، وفي فندق الضيافة أشعرني بإنسانيتي التي هدرت في مطار تل أبيب من خلال التفتيش الدقيق الذي يصل الى درجة التعرية غير المبررة.

دهشة:

ومما أدهشني في يومي الأول أنني رأيت فتاتين ممن يعملن في خدمة الضيوف يتزاحمن على أخذ كيس نايلون، وضعت فيها السجائر التي اشتريتها من طائرة الخطوط الجوية البريطانية، التي سافرت على متنها من مطار اللد الى مطار لارنكا، ولم أعرف إلا لاحقا أن أكياس النايلون لم تصل الى الاتحاد السوفييتي في حينه...كما أن المترجم فيكتور كان سعيدا جدا بالآلة الحاسبة"كالكوليتر" البسيطة، التي كانت مرفقة كدعاية بكرتونة سجائرKent التي اشتريتها من الطائرة البريطانية....ومع أن ثمن الآلة الحاسبة لا يتجاوز الدولار، وهي في متناول أيدي طلاب المدارس في مختلف دول العالم، إلا أنها لم تكن متوفرة في أسواق الاتحاد السوفييتي....لكن المفجع أن ورق التواليت في حمامات الفندق الفاخر هو ورق مصقول، مما يعني عدم توفر ورق التواليت بجميع أشكاله المعروفة غير موجود أيضا.

ومن المدهش أيضا أن المحلات التجارية الضخمة، بما فيها المخازن الحكومية الواقعة في ساحة الكرملن، والتي تحتوي بضائع مستوردة وبسعر رخيص جدا، ولا يدخلها الا كبار رجالات الدولة، أو الضيوف على الحكومة، والحساب في المحلات يتم بقوائم عليها خرز ملون، أما الآلات الحاسبة بجميع أشكالها فهي غير متوفرة في السوق، وليست في متناول أحد....حتى السيارات"الأوتوماتيك" غير معروفة أيضا.

في المستشفى:

ولا أعرف لماذا يطلقون عليه مستشفى"اللجنة المركزية" فلربما لأن العلاج فيه مقصور على كبار رجالات الحزب الحاكم، وضيوف الدولة القادمين اليها طلبا للعلاج.

والمستشفى عبارة عن عدة أبنية جميلة ومن عدة طوابق، وتحيط بأحد جوانبه غابة، تدخل منها الحيوانات كالخنزير البري، وغزال الرنة، الى ساحة المستشفى، وقد شاهدت غزال الرنة أكثر من مرّة في ساحة المستشفى، ويقرع الحراس أجراسا محمولة بأيديهم وهم يطاردون الحيوانات لاعادتها الى الغابة، وحدائق المستشفى جميلة ورائعة، وتتوسطها بحيرة صغيرة، فيها عدد من طيور البط، التي تتكاثر في قنّ مبني لها بشكل جميل.

وأحد الأبنية مخصص للحجر الصحي، حيث يحجز فيه المصابون بأمراض معدية، أو من يُشك به أنه مصاب بمرض معد.

ومن طريف ما سمعته مباشرة من شخص ترأس الوفد الأردني لمؤتمر الشبيبة الشيوعية في بداية سبعينات القرن العشرين، أنه أصيب باسهال، وذهب للحمام مرتين أثناء تناوله لطعام الغداء في الفندق، فاحتجزوه في قسم الحجر، حتى انتهت نتائج الفحوصات بانتهاء المؤتمر.

بناية تشخيص الأمراض:

وفي المستشفى بناية مجهزة بالآلات الطبية، وفيها غرف للمرضى ينامون فيها حتى يتم فحصهم وتشخيص مرضهم، ومع أنني أحمل تقارير طبية عن تشخيص حالتي المرضية من مستشفى المقاصد الخيرية الاسلامية في القدس، ومستشفى هداسا الاسرائيلي في عين كارم غربي القدس، الا أنهم أعادوا إجراء الفحوصات، حيث مكثت يومين وليلة في تلك البناية، وفي غرفة النوم في المستشفى  سريران، واحد لي، وآخر يشغله شخص من أوزبكستان، كانت زوجته تزوره وقد أحضرت له، خبزا باللحم كالتي كانت تعده لنا والدتي، فدعاني الرجل باصرار أن أشاركه طعامه، مع أنه لا توجد لغة مشتركة بيننا، ولم أستجب له لأن اللحم مخلوط بالبصل الذي لا آكله وتعافه نفسي منذ وعيت هذه الحياة، ولم أستطع ايضاح ذلك للرجل، فاعتقد أنني أرفض طلبه كوني مسلم ولا أتناول إلا اللحم الحلال، واذا بصاحبنا مسلم ويفاجئني بقوله وهو يقدم لي رغيفا: اسلام...لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فتناولت الرغيف مكرها تحت اصراره واصرار زوجته، فأخذت أُخرج البصل وألقي به في سلة القمامة، وأكلت جزءا من الرغيف، ففهموا سبب رفضي، وفي اليوم التالي، أحضرت زوجته لي ثلاثة أرغفة كبيرة محشوة باللحم وخالية من البصل، قدمتها لي وابتسامة عريضة تملأ وجهها الجميل....وكان الزوجان سعيدان وأنا أشاركهما طعامهما، علما أن المستشفى يقدم طعاما فاخرا هو الآخر.

وفي مساء اليوم الأول أخرج الرجل "قطّاعة" كالتي يستعملها الكهربائيون في بلادنا لقطع أسلاك الكهرباء، وأخذ يقصّ أظافره، وقدمها لي كي أقصّ أظافري، فحاولت تجريبها، وشعرت كأنها تقتلع إظفري، مما دفعني الى إخراج مقص الأظافر من حقيبتي، فقصصت أظافري وأهديته إياه، فظهر الامتنان على وجهه ووجه زوجته.

وفي مساء اليوم التالي نقلوني الى قسم المرضى الأجانب الذي يشغل الطابق الأول من البناية الرئيسة، وكل نزلائه ليسوا من الاتحاد السوفييتي.

العلاج بالأعشاب:

وفي المستشفى قدموا لي يوميا كأسا مغليا من أوراق شجرة مزروع منها الكثير في ساحة المستشفى اسمها"شاي" ويقولون أنها مفيدة لكل الأمراض...وفي هذا القسم مترجمون لمختلف اللغات التي يتحدثها النزلاء.

وفي تلك الفترة كانت موسكو لا تظلم ليلا إلا في حدود الحادية عشرة، وتشرق شمسها قبل الرابعة صباحا، حيث يستيقظ السكان على نعيق الغربان التي تُعد بالآلاف.

وبالرغم من العناية الفائقة التي كانوا يقدمونها للمرضى، إلا أنه كان واضحا تخلف الأدوات الطبية المستعملة في المستشفى، والتي لا تختلف عن الموجودة في الكثير من المستشفيات الحكومية في الدول النامية، مما أعطى انطباعا بأن هذه الدولة العظمى، تنفق أموالها على سباق التسلح في الحرب الباردة، وأنها لم تتطور في أمور أخرى كثيرة، وهذا هو أحد أسباب انهيار الاتحاد السوفييتي لاحقا.

أمّا الشيخ داود عريقات فقد كان ينقل خارج المستشفى يوميا ليفحصه الدكتور فيودروف طبيب العيون الأشهر على مستوى العالم.

الفلبينيون والجنوب افريقيون:

وفي غرفتي في المستشفى كان رجلان فلبينيان، من الذين كانوا يقاتلون حكومة ماركوس ويتخذون من الغابات مقرا لهم، كانا عجوزين أعمارهما تزيد على السبعين، وشاهدتهما وهما يخبئان بذور المشمش ذي النواة المرّة، وعندما سألتهما عن ذلك، قالا بأنهما يريدانها لزراعتها في الغابات التي يعيشون فيها.

 ومن محاسن الصدف هناك أنني التقيت في المستشفى (الشيخ) داود عريقات، ابن قرية أبو ديس المجاورة لقريتنا، والذي يعيش في مدينة أريحا، وسبق أن تعرفت عليه في معتقل المسكوبية، في ربيع العام 1969 هو والمرحوم رضوان الحلو، الشيوعي الفلسطيني الذي كان يفاخر بأنه قابل لينين في العام 1919 واتفق معه على تأسيس حزب شيوعي فلسطيني، وفؤاد أبو شوشة اللاجئ في أريحا، وداود عريقات يعاني مشاكل صعبة في عينيه أفقدته البصر، وهو يجيد العزف على العود كما يجيد الغناء، وعوده كان بصحبته في المسكوبية، وهناك قال له أحد المحققين لو كان في رأسك مخ بحجم الأموال التي تملكها لملكت العالم، فرد عليه: لا يوجد عندي مال، وعندي مخ أكثر منك...وأبعد الشيخ داود الى لبنان ليستقر به المطاف في دمشق حتى عودته الى أرض الوطن في العام 1993 ضمن من عادوا في اطار اتفاقات أوسلو، واقامة السلطة الفلسطينية، وهو لا يزال يعيش في أريحا حتى أيامنا هذه....والرجل سريع البديهة مرح صاحب نكتة.

وفي المستشفى شاهدت رجلين من حزب المؤتمر الجنوب افريقي، من زملاء الزعيم نلسون مانديللا في السجن، تم الافراج عنهما ضمن صفقة تبادل الجواسيس بين الاتحاد السوفييتي وأمريكا...وأدخلوا المستشفى للعلاج، وقد لاقوا رعاية خاصة من السوفييت، حيث وضعا في غرفة مفروشة بالسجاد الفاخر، ويبدو أنهما في السجن الجنوب افريقي العنصري كانا مقطوعين عن العالم، فكانا لا يعلمان بوفاة الرئيس جمال عبد الناصر، وبالانقلاب على الرئيس الجزائري أحمد بن بيللا، والحرب العربية الاسرائيلية في حزيران 1967 وما أعقبها من احتلال اسرائيل للضفة الغربية وقطاع غزة، وهضبة الجولان السورية، وسيناء المصرية، وما جرى من تغييرات على منظمة التحرير الفلسطينية، فهم يعرفون اسم أحمد الشقيري أول رئيس لمنظمة التحرير، ولا يعلمون شيئا عن فصائل المنظمة، وهم يريدون التنسيق مع أيّ فلسطيني لأنهم يعتبرون ذلك تنسيقا بين حزب المؤتمر الجنوب افريقي، ومنظمة التحرير الفلسطينية.

المرأة السوفييتية:

وقد شاهدت في طريقي من مطار موسكو الى الفندق نساءا يعملن في تعبيد الشوارع جنبا الى جنب مع الرجال، كما شاهدت في ساحة المستشفى نساءا يعملن على آلة الحفر"الكومبريسة" التي تحتاج الى رجال أقوياء، كما شاهدت نساء يعملن في البناء.

مأساة ايمان:

 وفي المستشفى التقيت الطبيبة العراقية ايمان سلام عادل، وهي طبيبة متخصصة في جراحة الأعصاب الدقيقة، كانت مريضة في المستشفى تتلقى العلاج، ووالدها سلام عادل معروف باسم"الرفيق فهد" كان الأمين العام للحزب الشيوعي العراقي، وعندما استولى البعثيون على الحكم أعدموه، وتم تهريبها هي وشقيقها وكانا طفلين مع والدتهما الى سوريا ومن هناك الى الاتحاد السوفييتي، حيث تربيا وتعلما وعاشا هناك، وايمان فتاة حسناء شديدة الفخر بعراقيتها وبعروبتها، وهي حزينة لأنها أميّة باللغة العربية، التي تتحدثها بطلاقة.

وقد شاهدتها أكثر من مرة تخرج قطعة قماش من عبّها تشمها وتعيدها، فحسبت أنها تستنشق مخدرات، ولما جالستها مرات، تجرأت وسألتها عن المادة التي تشمها عشرات المرات في اليوم، فأخرجتها لأراها وهي تبكي وتقول: هذه خصلة من شعر طفلي الذي حرموني منه.

وحدثتني أنها افتتحت عيادة طبية في دمشق، وتردد على عيادتها بطل سباحة سوري، أصيب بكسر في عموده الفقري عندما قفز ليلا في بركة سباحة أُفرغت من مياهها دون علمه، فأحبت ذلك الرجل وتزوجته وأنجبت منه طفلا، غير أن أهل الزوج انقلبوا عليها وأجبروا زوجها على طلاقها، وجردوها من طفلها الذي تعيش على رائحة خصلة من شعره...كانت ايمان ترسم الحزن خريطةَ تعاسةٍ على وجهها الجميل.

طلاب فلسطينيون:

 وفي المستشفى زارنا أكثر من مرة عدد من الطلبة الفلسطينيين منهم باسل ابراهيم ابن عمّي الذي كان يدرس الطب، وأكرم سليمان شقير الذي كان يدرس الهندسة، وسليمان مطر الذي درس الاقتصاد، ونمر اسماعيل الذي درس القانون الدولي وهو الآن سفير السلطة الفلسطينية في كمبوديا، أما الدكتور خالد عريقات قريب الشيخ داود والذي حصل على الدكتوراة في القانون الدولي وهو يعمل الآن سفيرا للسلطة الفلسطينية في موسكو فقد كان يزورنا يوميا في المستشفى، ويسألنا يوميا عمّا نريد...

كما زارتنا ماجدة البطش التي كانت تدرس الصحافة، وبعدها عادت الى البلاد وعملت في عدة صحف، ثم حصلت على الدكتوراة في الصحافة من إحدى الجامعات الأمريكية وهي تعمل الآن في مكتب وكالة الأنباء الفرنسية في القدس.

فايق وراد:

وفي المستشفى زارنا المرحوم فايق وراد الأمين العام للحزب الشيوعي الأردني في حينه، وكانت برفقته زوجته، والحقيقة أنه حضر الى المستشفى لتلقي العلاج، حيث كان مصابا بجلطة دماغية، وقد أعطوه رعاية خاصة في المستشفى، فخصصوا له غرفة في الطابق السادس، وهناك قال له المرافق السوفييتي: أنت ضيف مهم يا رفيق، لذا خصصنا لك الغرفة التي توفي فيها الرفيق أندروبوف الرئيس السابق للاتحاد السوفييتي.

فرد علي فايق وراد ساخرا: الله يطمنك"يطمئنك" يا رفيق.

ولادة قيس:

وفي 21-7 وأنا في المستشفى زارني قريبي محمود صبيح طالب الطب، وأخبرني بأنه هاتف أسرته، فأخبرته بأن زوجتي قد أنجبت ابننا قيس يم أمس، فكانت فرحتي كبيرة جدا، كنت أتجول والشيخ داود عريقات في حديقة المستشفى الشاسعة عندما جاءني الخبر السعيد، ومرت بنا مترجمة الانجليزية، وكانت فتاة حسناء في الرابعة والعشرين من عمرها، فقالت مازحة:

 أرى الفرحة مرسومة على وجهك على غير عادتك.

فقال لها الشيخ داود: جاءه خبر أن زوجته قد أنجبت ابنه البكر، وهو فرح مرتين، مرة لأنه أصبح أبا، والثانية لأن المولود ذكرا، ففي بلادنا لا يحبون الاناث.

 فقلت لها: لا تصدقيه...فلا فرق بين الذكر والأنثى.

فردت: لماذا لا أصدقه...قبل عدة شهور أنجبت مولودي البكر طفلة جميلة، لكنني بكيت لأنها لم تكن مولودا ذكرا.

وعندما عدنا الى الغرفة بعد حوالي الساعة وجدت باقة ورد بجانب سريري، مكتوب عليها بالعربية والروسية والانجليزية: أجمل التهاني بالمولود الجديد من ادارة المستشفى...ونتمنى له حياة سعيدة في ظل والديه، وبجانب باقة الورد علبة شوكولاته فاخرة وزنها حوالي ثلاثة كيلو غرام...فشكرت لهم ذلك وأكبرت فيهم هذه اللفتة الكريمة.

في المستشفى:

مكثت في المستشفى حوالي الشهر، ولم أجد أيّ جديد طبي في مساعدتي على الشفاء، بل بالعكس فقد شعرت أنني سأعود كما جئت، ولينصحني الأطباء السوفييت بمواصلة العلاج في مستشفى هداسا الاسرائيلي...وهذا ما حصل.

وفي المستشفى قابلت الموسيقار اليوناني الذي كان يعتبر نفسه صديقا وفيا للشعب الفلسطيني، وهو الذي وضع لحن النشيد الوطني الفلسطيني... كان في أواخر الستينات من عمره، وهو رجل رقيق المشاعر والأحساسيس.

وفي المستشفى كان يرقد السيد   الأيوبي رئيس وزراء سوريا الأسبق، والذي كان لا يخالط أحدا.

ومن اللافت في المستشفى أن الممرضات والأطباء والطبيبات كانوا ينظفون القسم يوميا في العاشرة ليلا، وعندما استفسرت عن سبب ذلك، قالوا لي هذه ديكتاتورية الطبقة العاملة، فالسادة كانت للعمال، وهذه أيضا إحدى الأسباب التي أدت الى انهيار الاتحاد السوفييتي لاحقا.

وفي القسم كانت عشرات الكتب لمؤلفين روس المترجمة الى العربية، والصادرة عن دار التقدم، فقرأتها كاملة.

عودة الى الفندق:

تحررنا من المستشفى أنا والشيخ داود في نفس اليوم، فأعادوني الى فندق الضيافة الحديث، بينما أعادوا الشيخ داود الى الفندق القديم، والشيخ داود سبق له وأن زار الاتحاد السوفييتي أكثر من مرة للعلاج، وهو معجب بهذا البلد الى درجة كبيرة بحيث أنه لا يطيق سماع كلمة انتقاد لهذا البلد مهما كانت صحيحة...وتبين لي أن هناك ميزات للفندق الحديث على الفندق القديم، فجاء الشيخ داود يسأل عني، وعندما رأى الفندق الحديث سأل:

لماذا وضعوك في الفندق الحديث ووضعوني في الفندق القديم؟

فأجبته مازحا: الناس مقامات ويبدو أنهم عرفوا مقامي ولم يعرفوا مقامك.

فرد عليّ مازحا بكلمات نابية.

بيت لينين وضريحه:

في اليوم الثاني لخروجنا من المستشفى، وجدت مترجمة للعربية شابة، وخريجة حديثا من معهد اللغات، فقد تغيب المترجم فيكتور لوفاة قريب له، كانت هذه المرة الأولى لها التي ترافق فيها ضيفا عربيا، ولا تتكلم الا باللغة الفصحى، اصطحبتني الى الساحة الحمراء-ساحة الكرملن- حيث ضريح لينين قائد الثورة البلشفية، تنزل بضع درجات ...تشاهد الجثمان المحنط...وتخرج من مدخل آخر، والناس يصطفون بالدور في صف يبلغ مئات الأمتار ليلقوا نظرة على جثمان لينين، الذي يحرسه عدد من الضباط، في حين أن ضيوف الدولة والحزب لهم الأولوية، فلا يصطفون على الدور...ويبدو أن لينين لم يكن يحب التصوير، فالصور المنشورة له هي صور جثمانه المحنط، وفي جدار الكرملن هناك بقايا رماد مع لافتة صغيرة لبعض المشاهير، كالرؤساء السابقين، وكرائد الفضاء يوري غاغارين الذي اخترق الجاذبية الأرضية للمرة الأولى في العالم،

وزرنا الكنيسة الذهبية الواقعة في طرف الساحة الحمراء، وفيها تماثيل تزن أطنانا من الذهب.

وبعدها استقلينا السيارة الرسمية الى بيت لينين، وهو بيت عادي من طابقين، كان يشغله محافظ موسكو زمن القيصر، وعندما استولى الشيوعيون على الحكم في اكتوبر 1917 سكنه فلاديمير ايليتش لينين قائد الثورة، وأثاثه لا يزال فيه، وفي حديقته عدة مقاعد خشبية عادية، كما فيها مشربان، واحد للماء البارد، والثاني للصودا.

ومن المعروف أن لينين لم ينجب أبناءا فكان يعيش في البيت هو وزوجته فقط.

متحف موسكو:

وفي اليوم الثاني اصطحبونا لزيارة متحف موسكو، وهو متحف واسع جدا وغني بموجوداته،

ومن اللافت أنه يحتوي على مخلفات القياصرة التي لم تمسسها يد السوء، لأنها ملك للشعب، وهم يمثلون مرحلة تاريخية من حياة الشعب الروسي، وهناك تمثال لافت من ذهب وبالحجم الطبيعي لأحد القياصرة وهو يمتطي حصانا....ويحتاج المرء الى ساعات طويلة كي يرى موجودات المتحف بشكل سريع جدا....وقد أكبرت فيهم هذا الرقي الحضاري، وتذكرت حزينا الانقلابات العسكرية التي كانت تحدث في بلداننا العربية، وتمحو كل أثر تركه النظام السابق، وفي المتحف رسالة ملك اليمن الامام يحيى حميد الدين الى لينين، والتي يعترف فيها بالثورة البلشفية، حيث أن اليمن هي الدولة الأولى التي اعترفت بهذه الثورة نكاية ببريطانيا التي استعمرت عدن وما عرف بجنوب اليمن، والرسالة مخطوطة بريشة وبحبر أسود، ومما جاء فيها:

بسم الله الرحمن الرحيم

من أمير المؤمنين يحيى حميد الدين الى رئيس الكفرة والملحدين فلاديمير ايليتش لينين.

بعد الاتكال على الله قررنا الاعتراف بثورتكم الكافرة، ولكم دينكم ولي دين.

فكتب لينين" لا أستغرب كيف دخل الاستعمار دول العالم الثالث ما دام هذا فهم قادتهم...اكتبوا له ردأ مهذبا يليق بالملوك"

المسارح:

وعند المساء كانوا يصطحبوننا الى أحد المسارح، ومسارح موسكو بذاتها تحفة فنية، وكانوايحجزون لنا في الصف الأول، ومن أجمل ما رأيت رقص الباليه على خشبة مسرح البولشوي-الكبير-وهو المتحف الأجمل والأكبر والأحسن اعدادا وتجهيزا في العالم.

العرب في الفندق:

وفي فندق الضيافة، كان المرحوم خالد الحسن عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، وبصحبته عدد من أفراد أسرته، نساءا وأطفالا وشبابا، شاهدته في غرفة الطعام بصحبة تيسير قبعة القيادي في الجبهة الشعبية، الذي يعرف الشيخ داود عريقات، فقام وصافحنا في حين تجاهلنا المرحوم خالد الحسن لأنه لا يعرف أحدا منا، كما أن وزير الدفاع الكويتي والوفد المرافق له كانوا يشغلون جناحا كاملا في الفندق.

أمّا خالد بكداش الأمين العام للحزب الشيوعي السوري، وكان شيخا هرما فقد كان هو وابنه وصبية لم أعرف ان كانت ابنته أم هي زوجة ابنه.

في برج موسكو:

وعندما زرنا برج موسكو الذي يرتفع 450 مترا، صعدنا بمصعد سريع جدا، لا تشعر بحركته، وفي قمة البرج مطعم دائري، يدور ببطء ليرى المرء معالم موسكو، فتذكرت مصعد كلية الزراعة في جامعة موسكو، عندما دعتنا ماجدة البطش وزميلتها الطالبة السورية الى وجبة"مقلوبة" حيث حسبت أن البناية ستنهار فوق رؤوسنا من الصوت المزعج جدا الذي انطلق من المصعد.

أمر لافت:

وفي بهو الفندق هناك عرض لبراويز نظارات طبية، سعرها مكتوب عليها بالدولار، فطلبت مني المترجمة أن أشتري لها بروازا ثمنه أربع دولارات ونصف، فنقدتها عشرة دولارات، فرفضتها وهي تقول: إنهم لا يبيعونها إلا للأجانب، فاشتريته لها، ثم رافقتني الى مكتبة تبيع كتب الأطفال بالدولار وللأجانب أيضا، واشتريت لها أربعة كتب اختارتها، ثمنها جميعها خمسة دولارات...وبعد نقاش مع طلبة عرب قالوا لي بأن الغالبية العظمى من الشبات والشبان لا يستعملون النظارات الطبية-مع حاجتهم الماسة لها- لأن البراويز المتوفرة في السوق هي التي كانت مستعملة قبل أكثر من خمسين عاما، وتُبشع وجه من يستعملها.

قبل الرحيل:

وعندما عاد المترجم المرافق فيكتور من عزاء أحد أقربائه، سألني:

كيف ترى الاتحاد السوفييتي؟ وقبل أن أجيب أضاف قائلا: أرجو أن تكون مقارنتك مع أمريكا أو احدى دول أوروبا الغربية إن كنت زرت بعضا منها.

فأجبته: عليكم أن تشعروا بالسعادة أنتم شعوب الدول الاشتراكية....فكل شيء متوفر لكم.

فقال: اسمع ما سأقوله لك: توفي صديقان، أحدههما مؤمن ذهب الى الجنة، والآخر كافر ذهب الى النار، وذات يوم خرج نزيل الجنة يتنزه في أطراف النار، فرأى صديقه الكافر يجالس فتيات جميلات، ويشوي وإياهن اللحوم ويحتسون الخمور، فتساءل قائلا: أتوجد مثل هذه الأمور في النار ولا يوجد مثلها في الجنة؟ سأطلب الانتقال الى النار..

وذهب الى خازن النار يستأذنه بدخولها.

فقال له: أحضر شهادة انتقال من خازن الجنة، لكن يتوجب عليك أن تعرف أن من يدخل عندي لا يخرج مرة أخرى.

فعاد الرجل المؤمن الى خازن الجنة وطلب منه شهادة انتقال الى النار، فأخبره بدوره بأن من يخرج من عنده طواعية لن يسمح له بالعودة مرة أخرى...فوافق الرجل، وحمل شهادة الانتقال وذهب الى خازن النار.

ولمّا قرأ خازن النار شهادة الانتقال، أمسك بتلابيب الرجل، ودفعه دفعة قوية تدحرج على أثرها عشرات المرات وتهشم جسمه، فصاح غاضبا:

لماذا فعلت هكذا يا ابن.....؟ وما هذا الذي شاهدته عندما مررت بكم؟

فأجابه خازن النار: السياحة ليست كالإقامة.

فسألت فيكتور بعد أن ضحكنا على الحكاية الطريفة: ماذا تقصد؟

فأجابني: فسرها كما تريد.

فتأكدت أن حياة الشعوب السوفييتية ليست كما يجب.

الرحلة الى الجنوب:

 قرر مضيفونا ارسالنا الى الجنوب للاستجمام اسبوعا على شاطئ البحر الأسود، وقبل السفر بيوم جاءت مكالمة لداود عريقات تفيد بأن شقيقه علي قد انتقل الى رحمة الله تعالى في الكويت، فقطع زيارته وعاد في نفس اليوم الى دمشق، واعتذرت عن الذهاب وحدي الى البحر الأسود، وعدت بعد يومين الى بلادي عن طريق مطار أثينا...عدت خائبا مما رأيت في الاتحاد السوفييتي، هذه الدولة العظمى عسكريا، لكنها لم تتقدم في مجالات العلوم الأخرى، وفي رفع مستوى المعيشة لشعوبها، ولم تطلق الحريات بل اعتمدت على الحزب الحاكم وحده، وعلى دكتاتورية الطبقة العاملة....لذا فإن انهيار وتفكك هذه الدولة العظمى ومجموعة الدول الاشتراكية الدائرة في فلكه في بداية تسعينات القرن العشرين، كان انهيارا مدويا، لكن الشعوب الواقعة تحت الاحتلال الأجنبي، والمضطهدة من الدول الامبريالية، تفتقد الاتحاد السوفييتي الذي كان يحفظ توازنا دوليا زمن الحرب الباردة، وها هي أمريكا تحرث العالم بقرن واحد، وتحتل دولا وتشعل حروبا، وما كانت لتجرؤ على ذلك لو لم يتفكك الاتحاد السوفييتي.