أعلنوها صريحة .. وأريحونا

أ.د. حلمي محمد القاعود

[email protected]

رب ضارة نافعة !

كان من اللازم أن يرى الناس ويسمعوا ويعيشوا محنة الانتخابات / المهزلة؛ لكي يزدادوا تأكيدا أن السلطة البوليسية الفاشية ليس عندها أدنى قدر من التسامح أو التفاهم مع شعبها التعيس المنكود ، فهي في كل الأحوال والظروف ليست على استعداد أن تسمح لغير أتباعها ، وعبيدها بالمشاركة في تقرير مصير الوطن ، والإسهام في بنائه وتطوره وتقدمه ، وقد أغلقت على نفسها الباب ، واستعانت بالعصا الغليظة لترد كل من يدق ، أو ينقر على هذا الباب إذا رأى أنه مواطن في هذا البلد ويشعر أن له حقوقا مساوية  مع من يتحصنون وراء الباب !

القتال الذي قاده البلطجية والأمن وأصحاب السوابق وأهل العصبيات والقبليات ، فضلا عن رجال حزب السلطة ، كشف حقيقة أزهى عصور الحرية الذي يتشدق به حزب السلطة ورجاله..

بدأ القتال بقصف إعلامي رخيص شارك فيه أبواق النظام وأقلامه ضد المعارضين كافة مع التركيز على الإخوان المسلمين بوصفهم الفصيل الأكثر وعيا وتأثيرا وصدقا وتضحية في الواقع الاجتماعي ، وسمعنا هجاء متدنيا ومنحطا لكل من يشتم منه المعارضة الحقيقة للاستبداد وتجلياته ، وراح رؤساء التحرير ورؤساء الإدارات في معظم الصحف الحكومية وصحف ملك اليمين ونجوم الأجهزة الدعائية الحكومية ، يتنافسون في الهجاء والبذاءة دون سبب مقنع اللهم إلا إرضاء السيد السند الذي يدفع لهم مئات الألوف شهريا من عرق الشعب البائس وكدّه ، بل يدفع لبعضهم الآخر الملايين وخاصة من يتمتعون بنسب إعلانات عالية .. وتأمل عندما يحصل رئيس مجلس إدارة على مليون جنيه شهريا في المتوسط ، وهو لا يملك من المؤهلات إلا القدرة على الردح والشتائم البذيئة  وقلب الحقائق ، وقارنه بألف أستاذ جامعي يعيشون حياتهم اليومية بشق الأنفس ، ويبحثون ويدرسون ويسعون لترقية الوطن بالعلم والعمل ولا يحصلون معا إلا على هذا المليون بواقع ألف جنيه شهريا لكل منهم .. ألا يحق لصاحبنا أن يعبد من يمنحونه المليون من دون الله ويركع ويسجد لهم ، وينسب إليهم ما لا ينسب إلا لله ؟ وأستغفر الله ؟ !  

ثم كانت الدعاية المضحكة التي تخجل من اللغة العربية ، وتقدم الفلاح المصري في صورة زاهية في ملبسه ومسكنه ومزرعته والمياه النقية التي يشربها ، والمدرسة الجميلة التي يعلم فيها أولاده، ويتحدث عن مستقبل أفضل ، ونسي دعاة الاستبداد والفاشية فشلهم الذريع في توفير كوب من الماء النظيف لعشرات الملايين من الفلاحين والعمال الفقراء ، وتجاهلوا عشرة ملايين مصاب بالوباء الكبدي ، وعشرين مليونا مصابون بأمراض أخرى مثل السرطان والسكر والكلى وغيرها ، بسبب الخيبة الثقيلة في عدم القدرة على تنقية المياه وتنظيف نهر النيل من الملوثات التي يقوم بها حيتان حزب السلطة وأتباعهم .

ثم جاءت الانتخابات ليشهد العالم كله على فسادها وتزويرها وشراء الأصوات والذمم ، والتدخل الفج الذي نقلته بالصوت والصورة القنوات الفضائية والإذاعات العربية والمنظمات الدولية ، ولست بحاجة إلى رصد كل معالم الفساد والتزوير والتدخل في الانتخابات المهزلة ، ولكن يكفي أن النتائج التي أعلن عنها الأشاوس والنشامي من حزب السلطة وأبواقه سلفا ، هي التي تحققت خلفا ، فلم يفز إلا أعضاء حزب السلطة ، وبعض من ألقي إليهم فتات المقاعد من الأحزاب الورقية التي صنعها حزب السلطة على عينه ..

ومع كثافة الدعاية التي صنعها حزب السلطة فلم يذهب إلى التصويت غير أقلية ضئيلة لا تتجاوز 10% ، كثير منهم قام النظام بتوفير حضورهم ، وصوت نيابة عنهم ، ووجد بعض من ذهبوا للتصويت أن هناك من قام بالواجب بدلا منهم ، فعادوا  لا يدرون ماذا يفعلون أو يقولون !

وكانت النتائج في كل الأحوال صناعة محلية تثبت أن حزب السلطة هو صاحب القول الفصل في الاختيار والتصويت والفوز والإعادة أيضا . ونحن  لا نملك إلا تهنئة حزب السلطة بإنجازه العظيم في صناعة المهزلة ونهايتها ، ولكننا نود أن نقدم إليه اقتراحا مريحا للغاية حتى لا يورط نفسه مستقبلا في فضائح إعلامية يراها العالم بالصوت والصورة ..

ما الذي يمنع النظام البوليسي الفاشي أن يعلن على الملأ أن حكاية الديمقراطية هذه حكاية سخيفة ، وأنها تزعج الشعب المصري وتحمله فوق طاقته ، وتعرضه لمشكلات لا تليق به ، وأنه سيقوم نيابة عن الشعب العريق ذي الآلاف السبعة من الأعوام بتعيين نواب مجلسي الشعب والشورى ، مثلما يعين المحافظين ورؤساء المدن والقرى ، ويوفر على الناس بؤس المشهد الهزلي الذي يعرض على الشعب طوال أيام الدعاية والانتخابات ؟

إني واثق تماما من أن الشعب سيقبل ذلك ، وسيكسب النظام المستبد نقطة لصالحة تضعه في دائرة الصدق لأول مرة .

لقد طالبت ذات يوم بأن يعلن النظام عن ديكتاتوريته الصريحة ليريح ويستريح ، ووضعت له نموذجا يقتدي به إذا بدا له أن يخدم البلد ومسألة تطويره وتقدمه ..

لقد طرحت نموذج إسبانيا في عهد الجنرال الراحل فرانكو . ومن المفارقات أن فرانكو حظي بهجاء ممتد من جانب الشيوعيين المصريين الذين يخدمون الآن النظام البوليسي الفاشي عندنا ؛ لسبب غير مفهوم ، مع أن الرجل خدم بلاده كما لم يخدمها أحد آخر ، فقد خاض الحرب الأهلية لمدة طويلة ، واستطاع أن يخرج من هذه الحرب بتوحيد إسبانيا تحت قيادته ، ثم أعلن الديكتاتورية حتى آخر حياته بناء على توافق وطني حيث جمع قادة الجيش والشرطة ورجال الدين والأعمال وأساتذة الجامعات وأصحاب الرأي والفكر وأعيان المجتمع الإسباني ، واتفق معهم على أن يتفرغ النظام للبناء والتعمير والتعليم وتحسين الزراعة وإقامة الصناعة والترويج للسياحة ورفع مستوى المعيشة ، شرط أن تكون كرامة المواطن الإسباني مقدسة ، ولا يقبض جهاز أمن الدولة على أي مواطن إلا بسبب قانوني ، ولا يتم ذلك إلا بين العاشرة صباحا ، والسادسة مساء .وبعد موت فرانكو تتحول إسبانيا إلى ملكية دستورية بها حزبان كبيران يتبادلان الحكم وفقا لتصويت الناخبين ، وتتحول أسرة فرانكو إلى أسرة ملكية تملك ولا تحكم . وتم تنفيذ الاتفاق وصارت إسبانيا اليوم نموذجا جيدا للديمقراطية وخدمة المواطن الإسباني ؛ وحقق الإسبان إنتاجا يفوق إنتاج الدول العربية مجتمعة بما فيه البترول والمعادن سبع مرات ،ويتنافس السياسيون هناك على خدمة بلدهم وشعبهم وليس على الحصانة والمناصب والمغانم وقهر المواطنين !

أعلنوها دكتاتورية صريحة على غرار إسبانيا فرانكو ، وسوف تريحون وتستريحون ، فالديمقراطية المزيفة لا تنتج إلا عناء لا لزوم له ولا مسوغ ، ولستم في حاجة حينئذ إلى جيوش الكذبة والمنافقين والأفاقين الذين يمدحون حزب السلطة ويهجون من يعارضه ، ويسبون الإسلام والمسلمين باسم الدولة المدنية والحداثة والتنوير ، ويحاربون هوية الأمة ولغتها وثقافتها وتاريخها ومستقبلها .

أعلنوها ديكتاتورية صريحة على غرار إسبانيا فرانكو، لتستريحوا وتريحوا، ويتفرغ الناس للعمل والإنتاج وتنظيم حياتهم الاقتصادية والعلمية والثقافية ، وفي الوقت نفسه يتاح للإنسان المصري فرصة بناء ذاته فكريا وعقديا وسلوكيا ، ويلتقط جميع الفرقاء أنفاسهم فلا محاكمات عسكرية أو استثنائية ، ولا حملات إجرامية على الإسلام والمسلمين من جانب النخب العميلة الموالية للغرب واليهود، ولا استنفار لقوى الأمن ضد المواطنين وأهل الرأي .. فقط حافظوا على كرامة الإنسان المصري ..

عندما تخبرون الشعب المصري التعيس بحقيقة نواياكم سوف تستريحون وتريحون ، فقد تعب الشعب من الأكاذيب والتضليل ، و أنهكته لقمة العيش ، ولم يعد قادرا على مواجهة الكذبة ؛ أصحاب الوجوه السميكة الذين لا يعرفون الحياء ولا حمرة الخجل ، وتشربت أكتافهم السحت والحرام ..

يومئذ – أيها السادة – لا حاجة بكم إلى العصف بالصحف المشاغبة أو إغلاق القنوات الإسلامية وترك القنوات الطائفية التي تخطط لتمزيق الوطن ، ولا حاجة بكم إلى معاداة قناة الجزيرة أو البرامج الحوارية التي تنغص منامكم ، وتكشف أكاذيبكم ، ولا حاجة بكم إلى حجب المواقع الضوئية ، لأن الناس حينئذ يكونون قد استراحوا إلى صراحتكم وصدقكم التاريخي الذي عبر عن نفسه لأول مرة ، بأننا نعيش أزهى عصور الاستبداد والديكتاتورية .

أما أهل الحركة الإسلامية فلهم حديث آخر إن شاء الله !