«العربية» و«طالبان»

كانت بغداد قد سقطت قبل ساعات، وتم إعلان الخبر في وسائل الإعلام كافة، وبعد ذلك بدا مراسل التلفزيون المصري من هناك، نائماً واستيقظ لحظة الاتصال به من الاستوديو، وظل ينظر حوله، فوجد أجواء مختلفة فأخذ يقول إنه لا يدري ما يحدث الآن!

وكان اللافت أن المذيع استمر معه في الحديث البيزنطي، فلم يخبره بما حدث، ولم ينه الاتصال به لوقف حالة الذهول هذه، وباعتبار أن ما يحدث صار معروفا للكافة، وبدا استمراره وكأنه يعمل بالقطعة، وكأن حسابه يتم على الوقت الذي يقضيه على الهواء، فترك وشأنه مذهولاً على الهواء، يسأله المذيع فيردد نفس الاجابة!

تذكرت هذه الواقعة، بينما قناة «العربية» تذيع كلاماً «أهطلاً» لوزير الدفاع الأفغاني، وكيف أنه لم يغادر كابل وأنه لن يتوقف عن قتال الإرهابيين، ولم يبق إلا أن يعلن أنه في انتظار طالبان ليصلبهم على أسوار كابل الاعتبارية، كما قال سعيد الصحاف وزير الإعلام العراقي من قبل مع استبدال العاصمة الأفغانية ببغداد. بينما طالبان في القصر الرئاسي!

قديماً قيل إذا كان المتحدث مجنوناً، فليكن المستمع عاقلاً، وإذا كان من الجائز أن وزير الدفاع الأفغاني تلقى اتصال «العربية» بينما هو في «سابع نومه، فقال ما قال، فكان ينبغي أن يتم إخطاره بالتطورات الجديدة، وقد بدا كمراسل التلفزيون المصري، منفصلاً عن الواقع، لكن الأماني هزمت المهنة في «العربية» وأماني القوم أن يستمر حكم الأستاذ أشرف، الذي رفض نصيحة بايدن بالحوار مع طالبان، وأعلن أنه سيقاتل، وفي ساعة الجد، أطلق لقدميه الريح، وغادر إلى «أبو ظبي» عاصمة الفرار العربي!

وإذا التمسنا العذر لوزير الدفاع الأفغاني، والذي فقد سيطرته على الجيش، الذي ترك طالبان بدخول كابل بدون قطرة دماء واحدة، فالرجل على ما يبدو كان نائماً، وقديماً قالت العرب «النوم سلطان» فلا عذر لقناة «العربية» التي أهدرت مصداقيتها تماماً، فلا أظن أن هناك عاقلاً أو مجنوناً يمكن أن يسلم بما تقول، وبدا الأمر واضحاً في محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، وهي تنقل مع «سكاي نيوز عربية» حديث الإفك لليلة كاملة عن نجاح الانقلاب، وهروب أردوغان، وبعد ساعات قليلة ظهر الرئيس التركي، ليصفع القوم على أقفيتهم، في ليلة ابيضت فيها وجوه واسودت فيها وجوه.

ومبكراً استشعرت «سكاي نيوز» الحرج، فتخلصت من العار، بحذف ارشيفها، ولعل «العربية» فعلت بعد ذلك، ولا أحد يحاسب هذه القناة على هذه الأكاذيب، لأن هذه رسالتها تأتي بحكم كونها «بوقاً» وليست «اعلاماً» وقد خسرت «كنزها الاستراتيجي» في العاصمة التونسية، عبير، التي كانت في كل يوم لها «طلعة» تشغل به حيزا من الفراغ لدى القناة، لكن «عبير» انتهت، ليس فقط لأن «المقاولة» لأعمال الهدد، رست على من هو أهم منها في تونس، وأكثر انجازاً بحكم منصبه، فالحقيقة أنها انتهت بسحب الحرس منها، وكنت أعتقد أن من يسيرون خلفها في هذه «الطلعات الجوية» هنا وهناك، هم أنصارها أو نواب حزبها، وكان يدهشني، وهم مجرد تابعين لها، إذ كيف يقبلون على أنفسهم هذه الصورة، قبل أن يتبين أنهم الحرس المكلفون بحمايتها، وقد تم سحبهم فقد انتهت!

لا بأس، فلتتصل «العربية» بوزير الدفاع الأفغاني للاطمئنان على صحته الغالية!

مذيعة طالبان

لم تكن مذيعة من طالبان، ولا أعتقد أن الحركة كان لديها ترف ليكون لها مذيع أو مذيعة، ولست مطلعاً على إعلام القوم، للوقوف على مدى التزامه المهني، والذي لا بد وأن يكون إعلاماً حربياً! يتحلل بحكم طبيعته من الكثير من الضوابط المهنية.

فالمذيعة المقصودة هي التي ظهر معها أحد قيادات طالبان في الأستوديو، ولم تكن محجبة حجاباً كاملا، فقد كان حجابها، كحجاب المذيعات والمراسلات اللاتي يعملن في إيران، ويبدو أن حديث طالبان عن ضرورة خروج المرأة بالحجاب، يقصد به هذا المستوى، وهو ليس أكثر من «طرحة» توضع بطريقة، تظهر بها الشعر الناعم كالحرير، وتكون الطرحة مؤهلة للتزحلق على الجليد، كما حجاب بنازير بوتو. وهو تطور مهم، لا سيما وأن هذا هو الغطاء الذي شاهدناه عبر الشاشات من أفغانستان بعد أن أكدت الحركة ضرورة أن تلتزم المرأة بالحجاب، وكذلك كان حجاب المذيعة الأفغانية، ولعل مذيعة «سي إن إن» كانت أكثر التزاما بقواعد الحجاب من الأفغانيات!

هذا القبول من أحد قيادات الحركة المتهمة بالتشدد، الظهور مع مذيعة اكتفت بوضع «الطرحة» والسلام، أكد أن هناك تطوراً حدث على فكر القوم، وأعمى من لا يرى من الغربال، فبعد عشرين سنة لا بد للإنسان أن يتطور فكره، وقد سمحت طالبان بمظاهرات خرجت ضدها، بعد أيام من تحريرها التراب الأفغاني، ولو حدث هذا ا قبل عشرين سنة لتم قمعها بالقوة، كما المظاهرات في القاهرة، ولو كان في بداية حكم الحركة فلم يكن لهذه المظاهرات أن تخرج، ومن الواضح أن السماحة المعلنة لطالبان هي التي دفعت لخروجها بعد أن جس الخارجون النبض!

هناك من وضعوا أيديهم على قلوبهم خوفاً من عودة حركة رجعية للحكم، ومما يؤسف أن هؤلاء ليست لديهم تجربة يدافعون عنها، فلا الدولة التي أقامها الغرب خلال عشرين سنة من وجوده في أفغانستان «دولة نموذج» ولا تجربة الاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان قدمت القدوة في مجال حقوق الإنسان!

بل إن الحركة في المرحلة الأولى، قدمت نموذجاً في احترام السجين، لم نجد مثله في غوانتانامو، وفي سجن «أبو غريب» وأمامنا تجربة الصحافية البريطانية «ايفون ردلي» التي اعتقلتها طالبان بتهمة التجسس، وكانت المعاملة الحضارية سبباً في اعتناقها الإسلام بعد ذلك!

إنها دموع التماسيح الذي يسكبها الغرب خوفاً على حقوق الانسان وحقوق المرأة، من طالبان!

وسوم: العدد 943