حوار مع الأديب إبراهيم عاصي قبل اعتقاله بأشهر !؟

من المؤسف حقاً أن أمتنا العربية قد تفوقت على بقية الأمم في اغتيال الكلمة الحرة وفي اغتيال أصحابها نظراً لأنها ترزح تحت حكم ديكتاتوري دموي متسلط يخاف من الكلمة التي تدين ممارسته الإجرامية بحق هذه الأمة المنكوبة بهم.

وهذه المقابلة مع أديب متميز، أبى الركوع للطغيان وآثر أن ينتصر لقضايا أمته، فدفع حياته ثمناً لذلك. إنه الأديب الإسلامي السوري الكبير: إبراهيم عاصي، الذي أجريت معه هذه المقابلة منذ أكثر من ثلاثين عاماً، ولعل قيمة هذه المقابلة تكمن في أنها آخر ما قاله وما كتبه قبل اعتقاله بثلاثة أشهر، ثم تصفيته جسدياً في أحد سجون الطاغية الهالك في أوائل ثمانينيات القرن الماضي. كما أن قيمتها تكمن في كلماته التي تلقي الأضواء الكاشفة على كثير من القضايا الأدبية والفكرية والسياسية، عبّر عنها تعبيراً ناضجاً يبين لك مدى عمق تفكيره ورؤيته المتميزة للأمور. وهذا نص المقابلة:

- في حياة كل أديب منعطفات.. فما هي المنعطفات المؤثرة في حياتكم وأدبكم؟

* قصة المنعطفات هذه أمرٌ وارد في حياة معظم الأدباء فيما أظن، غير أنني عندما أواجه سؤالك هذا شخصياً، وأرتدّ بذاكرتي إلى أيامي الخوالي أجدني حياة بلا منعطفات. صدّق أو لا تصدق! قد أكون حالة الاستثناء.. ربما! وقد يشاركني هذا الاستثناء أدباء آخرون. ليس هذا هو المهم.. المهم أنني كما أقول لك، أعني أن مسار حياتي كما ألاحظه يسبح على خط بياني لا منعطفات عليه، أو على الأقل لا منعطفات حادة عليه، وهذا لا يعني بالطبع أنني أعيش بلا تجارب.. بلا مثيرات.. بلا معاناة.. كذلك لا، بل لعل المثيرات – وما أكثرها- التي ما زالت تعترض طريقي منذ عقدين من الزمن على الأقل، هي التي تشكل عصب المعاناة لديّ ومن ثم الزناد الذي يقدح شرارة الفكر وراء كل عمل من أعمالي الأدبية، بعض هذه المثيرات شخصي، وبعضها الآخر اجتماعي، وبعضها الآخر سياسي، وهكذا..

من المثيرات الشخصية مثلاً: حالة الاضطراب وعدم الاستقرار بسبب قرارات النقل التعسفية الظالمة التي تعرضت لها مراراً عبر حياتي الوظيفية، ودائماً بناءً على مقتضيات المصلحة العامة!!.. الأمر الذي كان وما يزال يشحنني بالكثير من الأفكار ويلهمني العديد من الموضوعات.

ومن المثيرات الاجتماعية مظاهر البؤس الفاشية في مجتمعنا إلى جانب مظاهر الترف الباذخ!!.. أنواع المستفحلة كالنفاق، والتسلقية، والذنبية!!.. إضافة إلى اهتزاز القيم واضطراب الموازين الخلقية، ولهاث الجيل وراء الصراعات الوافدة من خنفسةٍ وإباحية!!.

ومن المثيرات السياسية: الإرهاب الفكري.. الكبت.. التملق.. التهريج.. الاستغباء.. الديماغوجية، وغيرها..

2- متى بدأتم الكتابة.. قصّة ومقالاً؟!

* بدأت الكتابة عام 1963م، وفي شتاء هذا العام نشرت أول مقال، وفي صيفه نشرت أول قصة. كان المقال بعنوان (احذروا هذا الزواج) وكانت القصة بعنوان (سلة الرمّان).

3- من يعجبك من الأدباء القدامى والمحدثين، وبمن تأثرت منهم؟!.

* لست من المعجبين بواحد منهم على وجه التخصيص، ذلك لأن لكل أديب (نكهته) الأدبية الخاصة به، والتي إذا ما وجدتها عنده افتقدتها عند غيره، ولهذا فإن إعجابي بالأدباء (قدامى ومحدثين) لا ينصبّ على أحدهم جملة، وإنما على جانب منه في الغالب. فمن القدامى مثلاً، ينال الجاحظ مني ما هو أكثر من الإعجاب في (بخلائه) على الأقل، فهاهنا تجد الأسلوب الرائع والبيان الخالد والسخرية المرّة التي تضحكك على الرغم منك.

ومن القديم كذلك ابن المقفع والهمذاني، الأول بأدبيه (الكبير والصغير) وما فيهما من إشراقات فكرية وكلام ونصح يرقى إلى مستوى الحكم المستعصية على عوادي الزمن، فضلاً عن أثره الآبد (كليلة ودمنة) رشاقة أسلوب، ونصاعة ديباجة، وخلود موضوعات.

والثاني (الهمذاني) بأقاصيصه الطريفة المطرفة وما تنبئ عنه من ملاحظة ذكية وروح مرحة ونقد اجتماعي حصيف.

أما عن الجديد، فهناك الكثيرون، وعلى سبيل المثال: يعجبني من الرافعي رصانته فكراً وأسلوباً ووضوح مبدأ، ومن العقاد عقلانيته، ومن محفوظ مقدرته الفائقة على التوغل في خفايا الأحياء والبيوت والنفوس بنفس مديد وأداء جذاب...

ومن العجيلي أصالته لغة وفكراً، وترفعه ولباقته.. ومن الطنطاوي خفة روحه، وانسياب أسلوبه ومعانيه، وحساسية الموضوعات التي يختارها، ومعذرةً إن قصرتُ كلامي على هؤلاء الأدباء فقد أردت – كما أسلفتُ لك - المثال وليس الحصر.

بقي موضوع (التأثر).. بمن تأثرت منهم؟

أحسب أنني ما تأثرت بأحد ممن ذكرت ولم أذكر إلا أن يكون تأثراً غير مباشر وغير مقصود.. بمعنى أنه تأثر لا شعوري، ذائب في غمار الملكة الذاتية، إن كانت لي هذه الملكة.

4- قال الدكتور عماد الدين خليل أنت برعت في السخرية وكتابة (القصة الكاريكاتير) فلماذا هذا الأسلوب بالذات؟

* بادئ الأمر أحب أن أشكر للدكتور خليل ملاحظته هذه، ويسرني أن يحظى أسلوبي بمثل هذا التقويم في نظر أمثاله من متذوقي الأدب وصُنّاعه.. ومن ثم فإنني لا أعرف "لماذا هذا الأسلوب بالذات؟" إلا إذا عرفت "لماذا بصمة إبهامي تختلف عن بصمة إبهامك وإبهام الآخرين، ولماذا هذا الاختلاف بالذات؟".

أغلب الظن أن مسألة الأسلوب مسألة تكوين إلهي فُطرنا عليها دون أن يكون لنا فيه أي خيار، إلا خيار الصقل والتهذيب عبر المطالعات الجادة المتخصصة، ولست أعني من التخصيص هنا معناه العالم المطلق وحسب، إنما أعني منه أيضاً التركيز على جانب الميول الشخصية، فمثلاً ينبغي للكاتب الساخر أن يقرأ الجاحظ، وبرناردشو، والمازني، والبشري، وموليير، وعلي الطنطاوي، أكثر مما يقرأ لسواهم.

5- لقد استخدمت الرمز في بعض ما كتبت ولكنه قليل، فما هو السبب؟!

* لعل منهجي في الكتابة هو منهج الواقعية النقدية (الاجتماعية والسياسية) ولذلك فإن الرمز فيما أكتبه قليل – كما لاحظت- وقناعتي أن الرمزية مكانها الطبيعي هو الشعر وليس النثر.

6- برأيك، لماذا يلجأ الكاتب أو الشاعر إلى الأسلوب الرمزي؟!

* يلجأ الكاتب إلى الأسلوب الرمزي في إحدى حالتين: الأولى – وهي الأكثر شيوعاً- عندما يكون مكبوتاً مخنوق الصوت، لا يملك حرية التعبير الصريح ولا يجرؤ على اختراق جُدُرِ الإرهاب الفكري.

والثانية: عندما يرغب في نوع من التلوين الفني في بعض كتاباته.

7- لقد شغل الحديث عن المرأة وقضاياها قلمك كثيراً، فما هو السر في ذلك؟! وماذا تقول لها؟!

* ملاحظتك صحيحة، فقد شُغل قلمي بالمرأة كثيراً وليس في الأمر سرّ فيما أظن إلا أن يكون هذا السر كامناً في:

- أن المرأة مهمة بالفعل، وهي جديرة بعناية أخيها أو ولدها أو زوجها الرجل عناية لا تنحصر في مجالات الاحترام والإكرام المادي والمعنوي وحسب، بل تتعداها أيضاً إلى مجال النصح والتوعية من خلال الحوار الموضوعي الهادئ الذي يخاطب العقل والعاطفة معاً عبر قصة أو مقالة أو كتاب.

- وفي أنها أصبحت في ظل قيم الحضارة الغربية (العلمانية والمادية) سلعة رخيصة ومهانة، فكان لابد من التصدّي للخطر، والتنبيه إليه، والتحذير منه، والكشف عن أبعاده الرهيبة، خاصة وأن رياح هذه الحضارة المادية العلمانية الإباحية باتت تهبّ علينا عاتية مزمجرة، صابّة جام غضبها أولاً بأول على تقاليدنا التي هي شخصيتنا المتميزة، وأخلاقنا التي هي حصننا المنيع، وقيمنا السلوكية والاجتماعية التي هي هديتنا التي نعتز بها بين شعوب الأرض..

أما عن (ماذا أريد أن أقول للمرأة بشكل عام؟): فقد قلت لها ما أريد أن أقول، لاسيما في كتابي (همسة في أذن حواء) وعلى الخصوص في مقدمة الطبعة الأولى من هذا الكتاب. ولسوف أثابر على بثّها همساتي وربما صرخاتي – إن شاء الله- كلما وجدتُ ضرورة لذلك.

8- من هم الأدباء الذين يعجبك موقفهم من المرأة، وبالعكس؟!

* لا أريد أن أضع النقاط على الحروف في هذا المقام خشية أن يحمل الكلام على محمل التجريح.. وأكتفي بإبداء رأيي على شكل حكم عام مجرد. إن الأديب الذي لا يعجبني موقفه من المرأة ولا يحظى من ثم باحترامي، هو ذاك الذي يتخذ من المرأة عنصر إثارة جنسية شهوانية للقارئ أو القارئة – وكلاهما يُثار- تحت ستار الواقعية أو شعار (الفن للفن) وما شابه ذلك من مذاهب وشعارات.

هو ذلك الذي لا يشغله إلا الحديث عن القدود والنهود والأرداف والخدود.. هو ذاك الذي لا همّ له إلا معابثة الأعضاء السفلية في المرأة والرجل بقلمه المسموم متذرعاً بالفن والفنية، والعاطفة والعاطفية!!.. هو ذاك الذي لا يستطيع أم يسمو بالمرأة إلى عالم الروح، عالم الحب الطاهر، عالم النسيان. وإذا كنت عرفت الآن من لا يعجبني موقفهم من المرأة –كتاباً وشعراء- فقد بات سهلاً عليك أن تستخلص بنفسك من هم الذين يعجبونني ولماذا.

9- عندما تناولت المرأة فيما كتبت لم تهمل الرجل. ماذا عن الشخصية القصصية لديك؟

* فعلاً أنا لم أهمل الرجل في قصصي.. حتى ولا في مقالاتي.. ولا ينبغي لي إهماله لأن الناس – كل الناس- في كل الأرض هم رجل وامرأة أو قل هم من ذكر وأنثى، وهل أدلّ على ذلك من قوله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا..." ولهذا فإن شخصياتي القصصية – فيما أزعم- هي شخصيات متوازنة على العموم، والتوازن الذي أعنيه هو توازن (الكم والكيف) فمن ناحية (الكم) بعضها عنصر الشخصية فيه نسائي صرف (قصة خيوط الفجر مثلاً)، وبعضها الآخر رجالي صرف (في الطريق إلى العاصمة)، وبعضها فيه الرجل والمرأة معاً (رحلة مع الجمال).

أما من ناحية (الكيف) فشخصياتي القصصية ليست شخصيات خارقة ولا أسطورية.. ليست ملائكية كما أنها ليست شيطانية، غير أنها قد تكون في بعض الأحيان طريفة مبتدعة كشخصية (الولهان) و(الناموس) مثلاً، ولكنها مع ذلك تظل شخصيات معقولة ومقبولة على ما أُقدّر.

وعلى أي حال فالحكم أصلاً في هذه المسألة ليست لي شخصياً – وإن كنتَ أفحمتني بالإجابة عنها من حيث لا أدري- إنما هو للقارئ وللناقد المتجرد على حدّ سواء. وشكراً لك.

منقول 

24 محرم/ 1399هـ

الموافق لـ : 24 كانون الأول/ 1978م.

·        إبراهيم عاصي معتقل في السجون السورية منذ نيسان 1979.

وسوم: العدد 806