رواية "المطلقة" وحقوق النّساء المهضومة

wafa896.jpg

mat8965.jpg

صدرت رواية "المطلقة" للأديب المقدسي جميل السلحوت قبل أيّام معدودة عن مكتبة كلّ شيء في حيفا، وتقع الرّواية التي يحمل غلافها الأوّل لوحة للفنّان التّشكيلي محمد نصرالله، ومنتجها شربل الياس في 192 صفحة من الحجم المتوسط. 

منذ قراءتي للسّطور الأولى للرّواية تبادر لذهني مباشرة تفاصيل رواية "الخاصرة الرّخوة" للكاتب السلحوت" وعندما تقدمت في قراءتي للرّواية أيقنت تماما أنّ رواية "المطلقه" ما هي إلا امتداد لرواية "الخاصرة الرخوة"، بل هي جزؤها الثّاني، مع أنّه يمكن قراءة كلّ جزء منفردا. 

حيث تتمحور كلا الرّوايتين حول وضع المرأة في المجتمع العربيّ الذي لا يزال هشّا حتى يومنا هذا، ومحكوم بمنظومة من عادات وتقاليد عفا عليها الزّمن، بالإضافة إلى مفارقات كبرى بين الرّوايتين فيما يخصّ شأن المرأة، ففي رواية "الخاصرة الرخوة" كانت هي الضحيّة وهي الحلقة الأضعف، ضحية الظلم والسّيطرة من قبل العقليّة والثّقافة الذّكوريّة المستبدّة في عالمنا العربيّ،  لكن مواقف عديدة من خلال تجارب مريرة خاضتها المرأة في خضم معارك الحياة- كما جاء  في رواية "المطلقة" - جعلت منها امرأة متمكّنة قادرة على اتّخاذ قراراتها بنفسها بنضج وعزم وإصرار، وهذا ما جاء في الرّواية من خلال حكايات زواج في الرّواية السّابقة تعكس واقع المرأة في مجتمعاتنا العربية، والتي كان مصيرها في نهاية الأمر "الطلاق"  على الرّغم من الاختلاف الكبير لعقلية كلّ من الأزواج الذّكور في "الخاصرة الرخوة" من حيث نهج التّفكير وأسلوب الحياة ونظرة كلّ منهم لمكانة الزّوجة. 

ففي رواية  "المطلقة" أصرّت جمانه على طلب الطّلاق من زوجها أسامة بسبب قساوة العيش ومرّ الحياة التي عاشتها معه، أثناء وجودهما في السّعودية.. ذاك الزّوج المتزمّت دينيّا، والذي يحمل فكرا تكفيريّا ظلاميا لا علاقه له بالدّين الصّحيح. 

ومن خلال حكاية طلاق "جمانة وأسامة" والتي استحوذت على مساحة كبيرة في الرّواية، فقد جاء في الرّواية إشارة فيها إلى العواقب الوخيمة على من يلجأون إلى الدّجالين والسّحرة والمشعوذين طالبين الحلول لمشاكلهم، وذلك واضح جليّ عندما حاولت أمّ أسامة " الحماة الشريرة" عمل رقية لها ولابنها أسامة عند الدّجال الحاجّ عديّ، حيث اعتقد أسامة أنّ الجنّ تلبس جسد زوجته جمانة عندما هربت منه لأهلها وطلبت الطّلاق،  وكانت النّتيجة أنّ تلك الرّقية أوقعت أمّ أسامة بسبب الجهل والتخلف بخطيئة لا تغتفر بتاتا أدخلتها في دوّامة النّدم. 

جمانة بعد حصولها على الطلاق وحضانتها لطفلها سعيد تنفّست الصّعداء، واستنشقت نسائم الحرّيّة لتحرّرها من سجن حياة زوجية فاشلة، بل كان لهذا "الطلاق" تحوّلات نحو تغييرات مصيرية إيجابيّة في حياتها، حيث أصرت على استكمال مسيرتها العلمية للحصول على ماجستير في الشّريعة الإسلاميّة، والعمل كمدرّسة بشهادة الليسانس في اللغة العربية،وحقّ العمل من بين الحقوق التي سلبت منها أثناء زواجها ألأوّل أسامة. 

فالطلاق من زوج متزمّت جاهل فتح لها أبوابا جديدة وحياة جديدة وشخصيّة ثابتة قادرة على اتّخاذ قرارات مصيريّة، كقرارها في اختيار زوج عازب مناسب مثقّف تزوّجت منه. ولم يسبق له أن تزوّج سابقا، حيث اختارا بعضهما بقناعة تامّة من كلا الطرفين وبمرجعيّة عصريّة مبنيّة على التّفاهم والمحبّة دون ضغوطات من الوالدين كما حصل في زواجها السّابق، الأمر الذي يشير هنا إلى ضرورة قلب الأعراف التّقليديّة المعشّشة  

في عقول مجتمعاتنا من حيث النّظرة السلبيّة للأسف إلى المطلقة أو الأرملة، خصوصا إلى من هنّ صغيرات السّنّ، حيث يتقدّم للزّواج مهن مسنّون ممّن يظنّون أنّ شباب المرأة وجمالها وحقّها في الحياة يتبخّر بطلاقها أو برُملتها. وفي هذه الحال يتعاملون معها كخادمة أكثر منها زوجة،  تماما كما حدث في حكاية "صابرين طليقة يونس الذّهبي" صاحب الفكر التّغريبيّ المنفتح الذي غرّر بها بماله وأفكاره الجامحة، فحملت منه سفاحا، ممّا اضطره للزّواج منها وبعد وضعها لطفلتها طلّقها،

فتقدّم لخطبتها العديد من المسنّين، لأن الشّباب في مجتمعنا الذّكوريّ التّقليديّ للأسف لا يتقدّمون لخطبة شابّة مطلقة أو أرملة .. الأمر الذي جعلها توافق على الزّواج من ابن عمها أسامه طليق جمانة، الذي لم يجد هو الآخر من تقبل الزّواج منه غيرها.

وهذه مشكلة سائدة في مجتمعاتنا وتعاني منها المطلقات، وتعتبر ظلما وإجحافا بحقهنّ، فالمطلقه إنسانة قبل كلّ شيء، ولا تصل الى هذا الحال الا بعد وصولها إلى قمّة الظّلم من قبل زوج مستبدّ حتّى ولو كان متعلّما، إلّا أنّ العقليّة الذّكوريّة المنغلقة لا تزال تقبع في دهاليز القرون الوسطى لدى الكثيرين  من هذا الصّنف من الرّجال .. فتقع الزّوجة هنا ضحيّة الجهل والتّخلف. 

ما أريد قوله هنا أنّ المرأة لا يعيبها لقب( مطلقة )،  فهذا الحال لا ينتقص أبدا من كونها إنسانة لها كرامتها، ولا ينتقص من أخلاقها وعلمها وسلوكها،  فاختيارها الطلاق، أو فرضه عليها قد يكون لأسباب خارجة عن إرادتها. 

أمّا بالنّسبة لحكاية "عائشه وزياد" 

فبسبب تخلفه وجهله هو الآخر فقد طعن في عذرية زوجته، تلك العذرية التي أثبتتها الطبيبة أميرة عند مخاض عائشة من زواجها الثاني من أسير محرّر يكبرها سنّا. 

فتباهت عائشة بعد الولاده ببراءة شرفها، إلا أنّ الموت اختطف منها زوجها الأسير المحرّر بسبب مرض عضال. عائشة تتفاخر برفضها طلب زوجها السابق زياد  حين تقدّم لطلب يدها بعد أن ظلمها في البداية، ثم تأكد من عذريتها فيما بعد.

والتّخلّف والجهل هما من المواضيع التي يركز عليها الكاتب ويحاربهما، كما لاحظت ذلك من خلال قراءاتي للعديد العديد من رواياته الشّيّقة والهادفة، فهما من العوامل الرّئيسيّة المتعدّدة التي أدّت إلى تأخّر وتراجع مجتمعاتنا العربيّة من نواحي عديدة، فوصلنا إلى ما وصلنا إليه الآن  من تقهقر وتفكّك وهوان. 

 أمّا حكاية مأمون الذي تحوّل إلى ميمونة، فأظنّ أنّه لا داعي لسرد أحداثها اعتقادا من أن مثل هذه الحالة منتشرة ومقبولة في المجتمع الغربي ّكثر منه من المجتمع الشّرقي المحافظ، لكنني أحترم رأي الكاتب في هذا الشّأن. ومن ملاحظاتي للرّواية هو كثرة الأمثال الشّعبيّة التي لا تكاد صفحة تخلو منها، الأمر الذي جعلني أدوّن بعضا منها، وكذلك الأمر للآيات القرآنية التي تدعم العديد من المواقف التي جاءت في الرّواية. وفي كلتا الحالتين فهما دلالة على عمق ثقافة الكاتب الدّينيّة والاجتماعية.

وفي سياق موضوع الرّواية أودّ القول أنّه من الضّرورة القصوى إعادة النّظر الى موضوع المرأة ومكانتها في مجتمعاتنا العربيّة من قبل المؤسّسات الخاصّة بشؤون المرأة ومن خلال تكثيف نشر الوعي بأشكاله كافّة، وإعطاء المرأة حقوقها كونها نصف المجتمع، وحاضنة ومربّيّة الأبناء ذكورا وإناثا.