الكون في الشعر الإسلامي المعاصر

 الكون في التصور الإسلامي هو هذا الوجود الخارجي الذي خلقه المولى تعالى، هو السماوات والأرض، والنجوم والكواكب، والظواهر الكونية المتناسقة المبدعة ، وهو الليل والنهار، والنور والظلام ، والكائنات الحية والميتة المنبثة في أرجاء المعمورة، وفي غمرات الفضاء والبحار ، مانراه منها ونسمعه، ومالانراه ولانسمعه مما يشير إلى قدرة خالقه، وعظيم إبداعه وتنظيمه .

 والشعر الإسلامي يصور هذا كله ليحرك القلوب والعقول، لتدرك قدرة المولى تعالى وتعلم أن لاإله إلا الله، موجدا ومنظما ومسخرا لمخلوقاته بنظام وإحكام،وأن الكون كل الكون قد استسلم لإرادة الله سبحانه .

 ومن هنا يعد الشعر الإسلامي الذي يصور الكون مناجاةً لخالقه وذكرى لأولي الألباب، وعبرةً للمعتبرين ، وقد يكون رمزا أو إطارا لقضية سياسية أو اجتماعية .

أولا : الكون ومناجاة خالقه ومبدعه :

 لقد رأى الشاعر الإسلامي محمد حكمت وليد([2])

ثانيا ؛ الكون مسرح للتفكر وأخذ العبر :

 هذا الكون لم يخلق عبثا وإنما سخره المولى تعالى لنا ، لنتدبر جليل صنعه ونفكر تفكيرا إيمانيا وعلميا معا بما أبدعه في البر والبحر والجو، فنزداد إيمانا وإجلالا للخالق المبدع ، يقول يوسف العظم في ذلك :

لاتَمْــتـــــــروا في ذاتــــــــــــه فالوحي من آياتــــــــه

والعقـــــــــــل في إبداعه والفكـــــــــر في سبحاته

والعلم في العصر الحديـــ ـــث يضج في آلاته

يرتـــــــاد آفاق الفضـــــا ء ويمتطـــــــــي طيــّـــــاته

كم مجهــــر قـَـــرُبَتْ لنا الــــــ أبعادُ في عدساته

أو هاتفٍ حمل الــ حديث مرددا همساته

لاتمـــــــــــتروا في ذاته فالــــــــــــكلُّ من آياتــــــــــــــه([4])

 وفي اختلاف الفصول آية وأيَّةُ آية وقد مرت نوال مهنّى([6])

 ويسبح الشاعر عبد الرحمن حبنكة الميداني([8])

 وقد يكون الكون زمانا يدور فتستخلص منه العبر ، يقول عبد الله إدريس([10])

ثالثا : الكون إطار لقضية اجتماعية :

 حينما يتطلع الشاعر الإسلامي إلى الطبيعة ويرى فيها العطاء والنشاط يدعو الإنسان إلى السعي في طلب الرزق، وإلى التعامل مع الآخرين بألفة ومحبة ولو اختلفوا معه، فالورد والشوك يجتمعان معا فوق غصن واحد ، وأنوار السماء تهدي، والزرع يعطي ثماره، يقول الشاعر الشيخ الصاوي شعلان([12])

 والاغتراب قاس وتزداد معاناته حينما يسدل الليل ظلامه ويخلد المرء فيه إلى نفسه، يقول علي المطيري في شوقه إلى أهله في ليلة قضاها ساهرا وقد نأى الصبح عنه، وأحس كأن نسيم الليل غدا رائحة الأحبة النائين عنه ، يقول :

ياليل ماسهر النائي وما رقدا وما وفى صبحك النائي بما وعدا

وما نسيمك في الأسحار غير شذى من الأحبة أذكى فيه ماخمدا

 رابعا : الكون إطار لقضية سياسية :

 اتخذ الشاعر الإسلامي من الكون مجالا للحديث عن قضية سياسية ما فالشاعر مصطفى عكرمة يرى سحابة اقتربت من الأرض وكادت أن تنزل رحمتها ثم انقشعت، فذكر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم " ولولا البهائم لم تمطروا([14])

 أماالشاعر محمد رمضان الأحمر فرأى أن كل ما في الوجود فراشه وزهره ونسيمه يتحرك، إلا الإنسان سكن للظلم والعدوان ،فأذله العدو ولا سلام له ولاخلاص من هذه المعاناة إلا باتباع هدي ربه . يقول :

قد رأينا الأزهار أيقظــــــها الطلُّ - وأنها للنسيــــــــــم تطيــــــــــــع

ورأينا الفراشات للنــــــور تسعى سابحات وللشعـــــــــــاع سطوع

كل مافي الوجود إلاك يقظا ن نشوان وأنت المعزول والمقطوع

فاستفق أنت في غيابة الجبّ - وانهض فالغياب منــــــــك يروع

الحماقات تعبث بالأرض والضلالا ت وأنت المحكم المخلوع

فمــــــــتى كان للعلـــــــــــوج كيان ومـــــــــتى كان للجبــــــــــــان جمــــــوع

كيف ترضى بالذل ياسيد الأر ض ياأيها المسلم العزيز المنيع

تضــــــــع الحــــرب أوزارها ويزين الــ ــوجـــــــــــود الســـــــــــــلام البديع

عندمــــــــا النفــــــوس تسلم لله - وغيـــــــــر هديــــــــــه لاتطيـــــــع([16])

 أما الأميري فيجعل من وصف قرنايل اللبنانية مطية لذكر غربته السياسية التي فرضها الطغاة ، وقد استهل الحديث بوصف هذه القرية الفتانة، والصراع بين الشمس والوادي على ابتزاز الجمال ساعة الغروب ، وكأن قصة الصراع هي قصته وهو يسعى أن تشرق نور الشريعة في بلاده، ثم انتقل من ذلك إلى وصف غربته فقال :

إيه قرنايــــــــــل عليـــــك سلام من غريب مرزأٍ في دياره

باعــــــدت بينه وبين ذويه قِسَم من طباعــــــــــه ونجـــــــاره

وسأبقى أجاهد الشر عمري ولو أني كالعود في تياره

رب حــــــر مكبَّل اليــــــد عانٍ بتَّ في عزمِه مريرُ إساره

هشم الكف في عناد ملح ورمى القيد عنه في إصراره

كم ينــــال الزمان من أحراره وفخــــار الزمان في أحراره([18])

 أما الشاعر عاطف عكاشة فجعل الأرض رمز المظلومين ، فهي تشتكي ابن آدم الذي عبث بالطبيعة ولم ينج من شره أحد ، تقول في شكواها إلى الله تعالى :

إلى الله تشكو الأرض من ظلم ابن آدم وإتيانـــــــــــه منها شنيـــــــــــع المـــــــــآثم

تقـــــــول إلهـــــــــي مَــــــن سواك يغـــيثــــــني وقــــــد شــوَّه الإنسان وجــــــه معالمي

يــــــروح ويغــــــــدو بالطبيعـــــــة عابثــــــــا ومستصغـــــــــرا في الشــــــــر كل العظائم

أنا الأرض مثــــــــوى الكائنات جميعها فيـــــــارب مرني بابتـــــــــلاع ابــــــن آدم

ستحلـــــــو حيــــــــاة الكائنـــــــــات بدونه وتخـــــــلو اللُّغى من مفــــــردات المظالم(

[2] - ديوان مع الله / 41

[4] - من رسالة من الشاعر في 2009م

[6] - مجلة الأدب الإسلامي ع58 نوال مهنى ، الشاعرة والشجرة / 43

[8] - معجم الأدباء الإسلاميين 1/ 446

[10] - ديوان مرافئ / 41

[12] - مجلة الأدب الإسلامي ع 68 من ت1-ك1 س2010م شوال –ذي الحجة س 1431م الشيخ الصاوي شعلان ، بهجة الربيع في حدائق النيل / 25

[14] - مجلة الأدب الإسلامي م5 ع19 س1419هـ مصطفى عكرمة ، نحن والمطر /88

[16] - في رحاب الأقصى / 160

[18] - مجلة الأدب الإسلامي ع 62 ، محمد خلف الونيني ، عندما يبكي الربيع / 61

[19] - مجلة الأدب الإسلامي ع 58 ، عاطف عكاشة السيد ( الشاعر مصري ) ، ثورة الكائنات / 57

وسوم: العدد 625