المفكر الإسلامي المغترب، إسماعيل راجي الفاروقي

المستشار عبد الله العقيل

clip_image003_4a30e.jpg

(1340 - 1406هـ / 1921 - 1986م)

مولده ونشأته

ولد إسماعيل راجي الفاروقي في مدينة (يافا) بفلسطين، سنة 1340هـ (يناير 1921م). درس الحقوق في الجامعة الأمريكية ببيروت، وفي كلية الحقوق بالقدس.

عمل في الحكومة الفلسطينية أيام الانتداب، حيث كان حاكمًا (محافظًا) للواء الجليل، وبعد عام 1948م، سافر إلى أمريكا لإتمام الدراسة، فالتحق بجامعة (إنديانا) ثم جامعة (هارفارد)، وحصل على درجة الماجستير من كل منهما، كما حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة عام 1952م، وبعد الدكتوراه ذهب إلى الأزهر بمصر، فقضى ثلاث سنوات يتردد على قاعات المحاضرات والمكتبات هناك.

نشاطه العلمي والعملي

عمل أستاذًا للفكر الإسلامي الحديث في جامعة (ماكميجل) في (مونتريال) بكندا سنة 1958م، وفي سنة 1961م، دعته حكومة باكستان للعمل أستاذًا ومدير بحث في المعهد المركزي للأبحاث الإسلامية، الذي أسسته خصيصًا لتقديم المشورة الإسلامية للحكومة في شتى دوائرها، وبعد عامين من العمل في باكستان عاد إلى أمريكا للتدريس في جامعة (شيكاغو)، ثم جامعة (سراكيوز)، ثم جامعة (تمبل)، وهناك أنشأ قسمًا خاصًا لدراسة الدين الإسلامي، وحضر مؤتمر التعليم الإسلامي الأول في مكة المكرمة، وكان له دور في دعم إنشاء (اتحاد الطلبة المسلمين) في أمريكا سنة 1962م، وإنشاء (رابطة العلماء الاجتماعيين) سنة 1973م وغيرهما.

وأهـم الـمواد التي قـام بتدريسهـا في الـجامعات هي: التاريـخ الإسـلامي، والحضارة الإسلامية، والدولة الإسلامية، والحكم الإسلامي، والأدب العربي، والفن الإسلامي، وأصول الفقه، والفلسفة الإسلامية، وعلم الكلام، وحركات التجديد في الإسلام، ومناهج البحث لدراسة الأديان ومقارنتها.

وكان كثير الكتابة في الـمجلات والدوريات العربية والإنـجليزيـة والفـرنسيـة، كما كان كثير الحضور في المؤتمرات الإسلامية داخل الولايات المتحدة وخارجها، والمشاركة في المناظرات التي تضم أصحاب الديانات الثلاث.

وتولى رئاسة مجلس الأمناء لمؤسسة الوقف الإسلامي بأمريكا الشمالية، ورئاسة جمعية علماء الاجتماع المسلمين، ورئاسة المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وكان له نشاط دعوي في السجون الأمريكية التي تضم الكثير من السود وغيرهم، حيث وفقه الله لهداية الكثير منهم إلى طريق الإسلام المستقيم، وكان يوزع عليهم النشرات، ويدعوهم إلى الإسلام أثناء زيارتهم.

شخصيته وأفكاره

الدكتور الفاروقي شخصية متميزة، ومفكر إسلامي عميق النظر، وهب نفسه للعمل الإسلامي، وقد شغلته قضية "إسلامية المعرفة"، حتى أصبحت حياته وهدفه، وكان بحكم كونه أستاذًا في الجامعات الأمريكية، يسخّر معرفته وخبرته لخدمة هذه القضية، وهذا الهدف، وله آراء متميزة وفريدة وهي: ضرورة تحويل كارثة فلسطين إلى قوة دافعة للشعب الفلسطيني، لكي يرتبط بالفكرة الإسلامية، وهو من المجددين المسلمين الملتزمين والعلماء المتميزين الذين أثروا الساحة العلمية بالكثير من المؤلفات، التي تناولت جوانب المعرفة في ميادين مختلفة، كما أسهم بترجمة العديد من المؤلفات العربية إلى اللغة الإنجليزية.

أهم مؤلفاته

له مؤلفات زادت على خمسة وعشرين كتابًا، ومن أهم هذه الكتب:

- العلوم الطبيعية والاجتماعية من وجهة النظر الإسلامية.

- الأخلاقيات المسيحية.

- الإسلام والعصر الحديث.

- ثلاثية الأديان الإبراهيمية.

- أطلس الثقافة والحضارة الإسلامية.

- الأطلس التاريخي للأديان في العالم.

- أسلمة المعرفة.

- الفكر والثقافة الإسلامية.

- كتاب (العروبة).

- الإسلام.

- في نقد النصرانية.

- ترجمة كتاب التوحيد لمحمد بن عبدالوهاب.

- ترجمة كتاب حياة محمد تأليف: د.محمد حسين هيكل.

- ترجمة بعض كتابات محمد الغزالي.

- ترجمة بعض كتب خالد محمد خالد.

- الأصول الصهيونية في الدين اليهودي.

- الملل المعاصرة في الدين اليهودي.

- الديانات الآسيوية الكبرى.

- صياغة العلوم الاجتماعية صياغة إسلامية.

من أقواله

"يتجه العالم الإسلامي في الوقت الحاضر نحو مرحلة حرجة من مراحل تاريخه، فهو يواجه المدنية الغربية بكل ما فيها من زيغ وانحراف، وبكل ما فيها من تجرد من الإنسانية وتنكر لها، تلك المدنية التي فرضت نفسها على أرجاء العالم تقريبًا، وتحاول جاهدة أن تفرض نفسها على العالم الإسلامي، ولقد حاولت ذلك في فترة الاستعمار المكشوف بالقوة السافرة.

أما في فترة ما بعد الاستعمار، فهي تحاول ذلك بأساليب أكثر دهاء وخبثًا، والعالم الإسلامي اليوم مقسم إلى دويلات متناحرة تصل الخلافات بينها إلى درجة المواجهة المسلحة، ووسائل الإعلام فيها والمؤسسات التعليمية في معظمها تعبر عن رأي القوى المحلية أو الأجنبية التي تناهض الإسلام وحضارته، ومما يجعل المواجهة أكثر شؤمًا، أنها ليست قاصرة على ضخامة العقبات في الطريق، أو على الوضع المتخلف المرعب للعالم الإسلامي، بالمقارنة بالعالم الغربي في قوته المادية، ونفوذه العسكري، لقد كانت الأمة الإسلامية في القرن السابع لا تتجاوز تلك الأعداد البسيطة في شبه الجزيرة العربية، وقد ووجهت بالإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية ذائعتي الصيت آنذاك.

وبعد قرن من الزمان، أصبحت نفس الأمة أكثر عددًا، وأحرزت انتصارات عسكرية واسعة، في الوقت نفسه الذي كانت محرومة فيه من العلم والتكنولوجيا، ومن فرصة التمدن.

لقد واجهت ثلاث حضارات ممزقة: الحضارة اليونانية، والحضارة الفارسية، والحضارة الهندية، وقد انبثق النصر من جديد، فقد امتصت هذه الأمة، واستوعبت كل ما يمكن أن تقدمـه هذه الحضارات، بل وأثرتها بالتجربة والبحث.

ثم أعادت صياغة الثقافة الإنسانية والمدنية في أطر وقوالب تتفق والروح الإسلامية.

لقد كان الخلق فريدًا.. حضارة جديدة قوامها التوحيد الخالص، وإثبات الوحدانية المطلقة، والتنزيه لله (سبحانه وتعالى).

وبذلك؛ مكنت الحضارة الإسلامية الجموع التي اعتنقت الإسلام على اختلاف أصولها العرقية، وعلى اختلاف مذاهبها الاعتقادية من مسيحية ويهودية وزرادشتية، وبوذية، وهندوسية.. مكنت كل هؤلاء من الانضواء تحت راية الإسلام، بل واعتبروه قضيتهم، وجعلوه يعيد صياغة حياتهم، طبقًا لمنطقه الخاص من القيم والأخلاق، وعلى ذلك فالفرق بين الأمة الإسلامية في تلك العصور القديمة، وبين مسلمي هذه الأيام، هو غياب الرؤية الإسلامية الواسعة الشاملة التي أشرقت عندهم، وغابت عندنا، بتحديد أكثر.. بينما كانت الرؤية الإسلامية كشعلة متوهجة في عقول وقلوب أنصارها الأوائل، فإن نورها قد أعتم، وجذوتها قد خبت عند أتباعها الحاليين.

وقد أسهمت هذه الحقيقة الفريدة أكثر من غيرها في انحدار المسلمين، وإذا لم نكتشف طريقًا لإعادة إشعال جذوة الإيمان من جديد، وتقوية عزيمتنا بنفس معيار الطاقة والفاعلية.. فإن المعركة الدائرة أمام أعيننا بين الحضارات، ربما تتأتى نتيجتها على غير ما نتمنى نحن المسلمين، وهي بناء على ذلك، أصعب من أن يدركها أي دارس لتاريخ العالم المعاصر، ليتعرف من خلالها على عوامل الاستقرار والاستمرار في الأمة الإسلامية، أو ليتعرف على عوامل التغيير والاضطراب لها".

قالوا عنه

يقول الدكتور خورشيد أحمد - رئيس معهد الدراسات السياسية في باكستان:

"إن الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي ليس لأمريكا وحدها، ولكنه لكل الجماعة الإسلامية في العالم".

ويقول الدكتور قطبي المهدي:

"لقد أبعدوا عنا جسمه عضويًا، ولكن الدكتور الفاروقي كان رجل أفكار ومبادئ، وهذه ستعيش في مئات من طلابه".

ويقول الدكتور سيد محمد سعيد:

"كان وحتى قبل لحظات من اغتياله يعمل للإسلام، وإني لأعتبر موته دليلاً على تلك الروح الإسلامية التي ينبغي على كل منّا أن يتمثلها".

ويقول الدكتور محجوب الكردي الأستاذ بجامعة (أم درمان الإسلامية):

"لقد كان الأستاذ الفاروقي وثيق الصلة بطلابه في قسم الأديان بجامعة "تمبل" يعرفهم جميعًا بأسمائهم، ويتصل بهم عن طريق التلفونات، أو الزيارة إن تيسرت، وكان يغضب إن مرض أحد الطلاب ولم يُخبر بذلك، وكان يفرح إذا اتصل به أحد طلابه في منزله ليستفسر عن مسألة علمية، بل كان بيته ملتقى للطلبة المسلمين، تتحول فيه اللقاءات إلى منتدى فكري، ومركز يشتعل حماسًا بهموم الدعوة الإسلامية، ومنطلقًا للعمل الإسلامي، وكـان يحثّ طلبتـه على أن يكـونوا متفوقـين بدراستهم، نشيطيـن في مجال الدعوة الإسلامية، بـل كـان يهتم بتنظيم المحاضرات والدروس للمسلمين السود داخـل السجون الأمريكية".

وقد أشاد به الكثيرون كالدكتور عبد الله نصيف، والدكتور أنيس أحمد، والدكتور طه العلواني، والدكتـور أحمد زكي، والإمام وارث الدين محمد، والدكتور جمال البرزنجي، والدكتور إقبال يونس، والدكتور معين صديقي، والدكتور أمير عبد الحليم.

يقول عنه الدكتور محمود أبو السعود:

"حديثي عن إسماعيل الفاروقي اليوم، حديث عن رجل انفرد بعقلية فذة، وشخصية مجاهدة، وإيمان عميق، امتزجت جميعًا وانفعلت بما أحاطها من ظروف حياتية، وانصهرت في بوتقة الواقع العملي المرير، ففهمت الحياة كما هي: قاسية ظالمة، واتخذت من سلاحي العلم والإيمان ما صمدت به في وجه قوة الطغيان وظلم الإنسان.

نشأ إسماعيل بعيدًا عن وطنه المغتصب، وكأنه أحسّ أن من أسباب نكبة فلسطين والمسلمين جهل المسلم بأمور الدنيا، فهو قاصر غير مدرك لمجريات الأمور، ثم جهله بأمور الدين، فهو يقصر إيمانه وعبادته على أداء الشعائر والمحافظة على الطقوس، وهو يستسلم دون مقاومة لما يأتي به الغد متقبلاً الصغار والاستعمار، وكأنه القدر المقدور.

ثار إسماعيل الفاروقي في نفسه ثورة عارمة، ولكنها عاقلة واعية، فإذا به ينصرف إلى العلم والمعرفة حتى يصبح من أعلام الفلسفة الإسلامية المعاصرين، وهداه قلبه إلى وجوب تعرف عقائد الذين يكيدون للإسلام والمسلمين، فإذا هو حجة في اليهودية والنصرانية، وما عداهما من الأديان، وإذا به يجابه أهل الملل جميعًا، يدفع عن دينه الشبهات، ويصد عنه المفتريات، ويقرع بحججه الترّهات، ثم هو أبدًا مزهو بتعاليم دينه، فخور بإسلامه، لا تخدعه ثقافة الغرب التي تربى في حجرها عن نور ربه، وبرهان عقيدته، فهو لا يلتمس الأعذار ليبرر حكمًا من أحكام الشريعة المقررة، بل إنه ليباغت الخصم وينازله، ويعتد بالشرع ويناصره، ويجد الباطل في غيره فيدمغه، وشعاره في ذلك كلمة: إن الله ينصر من ينصره.

تلفت الفاروقي حوله، فإذا بالدعاية الصهيونية موغلة فاحشة، تتجنَّى على الإسلام والمسلمين، وتنكر على الفلسطينيين وجود فلسطين، وتؤيد المسيحية على الإسلام، وتقلب حقائق التاريخ لتستقر في قلب الوطن الإسلامي العربي وتتركه خواء دون روح، وجسدًا دون حراك.

وانبرى الرجل يجاهد الصهيونية بمفرده، سلاحه إيمانه بربه وبحقه في الحياة، وإذا بصوته يرتفع، وإذا بكلماته تنتشر، وإذا بعدوه يحس خطر ما يتهدده من انكشاف حيله وغدره، فيكيد له ما وسعه الكيد، ويمكر ما استطاع المكر: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } (الأنفال: 30).

لقد تلقى الفاروقي في أواخر أيامه العديد من التهديدات، وكان يحسب أن أصحابها من الجبن بحيث إنهم يخافون لقاءه، ومن الضعف بحيث لا يحسب لهم حساب، فلم يتخذ من الحيطة وليجة، فإذا بهم يقتلونه غيلة وغدرًا كأجبن وأخس ما يكون القتل والغدر.

كان إسماعيل طاقة هائلة، قل أن تجد مثلها في الرجال، كان مؤمنًا برسالته في الحياة، يريد أن يخرج الإسلام من ظلام الماضي إلى نور الحاضر، وأن يخلصه من قيود الجمود محلقًا في آفاق التطور والحركـة، ويخرج به من قمـاقـم الانعزال إلى حلبة الواقع {وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} (الأنفال: 42).

وقف الفاروقي في طليعة المجاهدين ينادي "بأسلمة" المعرفة، اشتق اللفظ وأضفى عليه معناه، إنه أراد أن يرجع الفكر إلى الله، وأن يتعلق مستتر الضمير ونفخ الروح بالله، وأن تكون المعاملات والعبادات كلها مستمدة من الله، وذلك حتى تتعلم المادية الطاغية الملحدة أن لا ملجأ من الله إلا إليه، وأن السعادة ليست من المادية الديمقراطية أو الاشتراكية، وإنما هي في المزج المتسق بين إشراقة الروح ونزعات الجسد، بحيث تصدر كلها عن نغم واحد لا اضطراب فيه ولا نشوز.

وشهد الله أني حين لقيته آخر مرة منذ أشهر ثلاثة، وجدت فيه عزمة جامحة، وتصميمًا على المضي في تنفيذ ما ملأ قلبه من إيمان بفكرته، أحاول أن أبطئ من خببه، وأقلل من اندفاعه، فلا يكاد يسمع قولي، أو يستجيب لرأيي، وكأنه كان يحس دنو الأجل، وكأنه كان يخشى فوات الوقت، وكأنه كان يدرك أن الزمن قد لا يجود بمن يحمل رايته من بعده، فهو منطلق يطوي في اندفاعه وسراه كل ما يعترضه.

استشهد إسماعيل الفاروقي ولكن ليس كما استشهد غيره من المجاهدين في سبيل الله، إذ نفقده لأنه كان فذًا في مسلكه وعزمه وإيمانه وفكره، {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} (آل عمران: 169-171).

استشهد إسماعيل الفاروقي وعز من شهيد.

معرفتي به

لقد حدثني الكثير من الإخوة المقيمين في الولايات المتحدة الأمريكية أثناء زياراتهم لنا بالكويت عن شخصية الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي وثقافته الواسعة، واستيعابه للحضارات، قديمها وحديثها، واطلاعه على الديانات والمذاهب من خلال الكتب والمراجع ومشاركته في الحوارات لأتباع تلك الديانات، وإلزامهم الحجة على انحراف مساراتهم عن الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء والرسل.

ورؤيته العميقة لواقع اليوم، وأوضاع المسلمين البائسة، وحماسته الشديدة لتغيير هذا الواقع، والاستفادة من العلوم المعاصرة، وأسلمتها، كل هذا وغيره سمعته من الإخوة: طه وغيره، ولذلك حرصت خلال زياراتي للولايات المتحدة، وكانت أربع زيارات، أن ألتقي الدكتور الفاروقي، وقد سعدت بثلاث منها في مقابلة هذا العلامة الجهبذ، وأكبرتُ فيه هذا الصبر على البحث العلمي المتعمق، والنشاط، والحيوية، وكثرة الأسفار والحركة والمحاضرات والندوات والدروس والحوارات والمشاركة في الأنشطة الإسلامية والعلمية في أكثر من قطر، فلقد كان علاّمة بحق، يفهم الواقع ويستقري التاريخ، ويضع البرامج والخطط للتعامل مع هذا الواقع، والخروج من الأزمات التي تحيط بالمسلمين.

كما كان يولي القضية الفلسطينية وقضايا العالم الإسلامي الأهمية الكبرى، ويرسم للشباب السبل لتحقيق النصر على أعداء الأمة، عن طريق العلم والبحث ومواكبة التطورات العالمية، وما يستجد في عالمنا المعاصر من مبتكرات علمية، يجدر بالمسلمين أن يأخذوا بها دون تفريط في ثوابت الأمة العقدية والخلقية، وإن المطلوب من كل مسلم أن ينهض بالدور المنوط به، كل حسب إمكاناته، ووفق تخصصـه، فكل إنسـان ميسّـر لما خُلق له، ولا يـصح البتّـة الانتقـاص من أي جهد يبذل، وفي كل ميدان، بل المطلوب تضافر الجهود، وتشابـك الأيدي للعمل الجماعي المنظَّم المدروس، بحيث تغطَّى كل جوانب الساحة، وميادين العمل تستوعـب الكثير من الطاقات والرجال، والإمكانـات متوافـرة لدى مسلمي اليوم، ولكنها تتطلب التنسيق والتنظيم وحمل المسؤولية بكل صدق وأمانة.

وفاته

تعرَّض للتهديد أكثر من مرة في أواخر السبعينيات، وأوائل الثمانينيات، وكانت التهديدات تقول: "إننا سنقتلك إذا لم تتوقف عن الحديث عن الفلسطينيين وحقوقهم وقضيتهم".

اغتيل هـو وزوجتـه فـي مسـاء يوم 19 رمضان 1406هـ الموافق 27 مايو 1986م بيد زنجي بهائي يحمل سكينًا مكتوبـًا عليهـا الرقم (19)، وحين حُقّّق مع القاتل قال: إنني قتلته لأنه يكره الرقم (19) واسم القاتل (جوزيف بانج).

وهذا القاتل لم يُعثر عليه إلا بعد أن أعلنت الجالية الإسلامية والعربية والمعهد العالمي للفكر الإسلامي بالولايات المتحدة، عن جائزة كبرى، قدرها خمسون ألف دولار أمريكي لمن يدلُّ على القاتل.

ولقد تم إنشاء (مؤسسة الفاروقي للإعانة) بتعاون الاتحاد الإسلامي في أمريكا الشمالية، مع منظمة علماء الاجتماع المسلمين لإيجاد منح دراسية للطلبة ولإكمال الأبحاث الفكرية التي بدأها الفاروقي.

هذا وقد نعته الندوة العالمية للشباب الإسلامي في الرياض بقولها:

"إن موت العلماء الأفذاذ خسارة كبيرة ولا شك، وإن موت الدكتور الفاروقي بالذات باعتباره من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر، ورئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وصاحب المؤلفات النافعة، والترجمات القيّمة، وصاحب أطلس الحضارة الإسلامية، وغير ذلك من الكتب النفيسة، كان له وقع الصاعقة على نفوسنا، ولكن مما يعزينا في هذا المصاب الجلل، أن الرجل له آثاره الحميدة في المجالات العلمية والفكرية والاجتماعية، وإن غاب عنا بجسمه، فإن له من الآثار ما يخلّد ذكره، ويرفع قدره".

كما نعته مجلة البعث الإسلامي الهندية التي تصدرها ندوة العلماء بلكهنؤ برئاسة أبي الحسن الندوي (رحمه الله) بكلمة قالت فيها:

"كانت وفاة الأستاذ عمر التلمساني في 22 / 5 / 1986م وبعد خمسة أيام أي في 27/ 5 / 1986م أصيبت الدعوة الإسلامية بخسارة أخرى، وهي وفاة المفكر الإسلامي الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي الذي عُرف بكتاباته الإسلامية، وبحوثه القيّمة، ومحاضراته في الندوات العلمية، وقد كانت الطريقة التي حدثت بها وفاته مؤلمة للغاية، فإنه اغتيل بصورة وحشية، بأيدٍ أثيمة، بمؤامرة صليبية صهيونية كانت تعتبره خطرًا عليها، وقد توفيت معه نتيجة لهذه الغارة الوحشية زوجته في بيتهما في فلادلفيا، فإنا لله وإنا إليه راجعون".

والملاحظ أن اغتيال الفاروقي وزوجته يعيد إلى الأذهان، ما دأبت عليه وسائل الإعلام الغربية من حملات رسمية وخاصة، كلها تهدف إلى تصوير العرب والمسلمين كإرهابيين متوحشين، هدفهم تحطيم الحضارة الغربية، والشبهات كلها كانت تحوم حول (رابطة الدفاع اليهودية) التي أسسها عضو البرلمان الإسرائيلي الحاخام (مائير كاهانا) أيام إقامته في نيويورك أواخر الستينيات، كان لها نشاط ضد أنصار القضية العربية الفلسطينية، وتصفيتهم بالاغتيالات، كما حصل للدكتور إسكندر عودة الذي اغتيل على يدها، وغيره كثير، والله غالب على أمره.

وسوم: العدد 819