حامد زايد صباحي -رحمه الله-

حامد زايد صباحي -رحمه الله-

التاجر والمربي والداعية

محمد مسعد ياقوت -  باحث تربوي

بلطيم كفر الشيخ

[email protected]

http://www.ebdaaty.com/yakout 

درسٌ في صناعة الحياة :

إن من الناس من يعيشون من أجل أنفسهم وذواتهم .. وهؤلاء هم الذين يعيشون في حاشية التاريخ ، وفي هامش الدنيا ، سرعان ما يموتون ويدفنون ، هذا صنف من الناس وجوده كعدمه في هذه الدنيا ، وحياته كمماته سواء بسواء .. أما الصنف الثاني من الناس فهم الذين يعيشون من أجل عقيدتهم ومن أجل دينهم .. من أجل كل خير إلا أن يعيشوا من أجل أنفسهم .. وهؤلاء يصفهم النبي – صلوات الله وسلامه عليه – بقوله : "  إن من عباد الله عبادا ليسوا بأنبياء يغبطهم الأنبياء والشهداء قيل : من هم لعلنا نحبهم ؟ قال : هم قوم تحابوا بنور الله من غير أرحام ولا انتساب وجوههم نور على منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس ثم قرأ : " ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"(1) .

ولقد كان أستاذنا رحمه الله من هذا الصنف الثاني ، نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله ، وهؤلاء  يشير إليهم صاحب الظلال رضي الله عنه بأنهم أصحاب الدعوات الذين يستطيعون أن يموتوا هم لتعيش أفكارهم .. هم الذين يطعمون أفكارهم وعقيدتهم من لحومهم ودمائهم وعروقهم وأموالهم(2)  .. هم الذين يقولون كلمة الحق ، ويعيشون من أجل كلمة الحق ، ويموتون في سبيل كلمة الحق ، ويبعثون في ظلال كلمة الحق ، ويدخلون الجنة بكلمة الحق" إن كلماتنا تظل جثثاً هامدة حتى إذا متنا في سبيلها ، وغذيناها من دمائنا ؛ انتفضت حية وعاشت بين الأحياء"(3) .

عندما نعيش لذواتنا ولشهواتنا تبدوا لنا الحياة قصيرة ، تافهة، ضئيلة ، تبدأ من حيث بدأنا نعي ، وتنتهي بانتهاء عمرنا المحدود ! أما عندما نعيش لغيرنا ، أي عندما نعيش لفكرة ، فإن الحياة تبدو طويلة عميقة ، تبدأ من حيث بدأت الإنسانية وتمتد بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض !… إننا نربح أضعاف عمرنا الفردي في هذه الحالة ، نربحها حقيقة لا وهما ، فتصور الحياة على هذا النحو ، يضاعف شعورنا بأيامنا وساعاتنا ولحظاتنا.. فليست الحياة بعد السنين (4) .. فيعيش بضع وثلاثين سنة ،في مقياس البشر ، وفي دووين الأرض .. أما عند الله فيكتب أنه عاش دهوراً طويلة ، وعصوراً مديدة . طالما عاش لهذا الدين .

ونقول : إن جسد الأستاذ قد استراح .. ذلك الجسد الذي أضنته العبادة ، وبراه طول القيام والسجود والركوع ، وغبرته الأسفار المتواصلة في سبيل الله .. واستراحت عين طالما بكت من خشية الله ، وسهرت على قضاء حوائج المسلمين ..استراح الجسد الذي غبرته جدران السجون العتيقة . سجناً في ذات الله ، من أجل الله ، حباً في الله ..

الميلاد والنشأة :

هو : حامد إبراهيم السيد صباحي ، ولد في 21\3\1967م، في مدينة بلطيم بمحافظة كفر الشيخ بمصر ، نشأ في بيت تدين وخُلق ..

ولما لا  .. وجده الشيخ زايد صباحي الواعظ التقي ..!

 وتخرج حامد صباحي في كلية الآداب جامعة طنطا عام 1988م ، في تخصص الفلسفة . والتحق بصفوف الأخوان المسلمين أثناء دراسته في الجامعة عام 1986م .

من التدريس إلى العمل الإداري :

بدأ العمل في التدريس بإحدى مدارس التربية والتعليم .. وسرعان ما  حوله الظالمون من التدريس إلى العمل الإداري ، بإدارة بلطيم التعليمية .. إذ رأى الظالمون إن إقصاء مثل حامد صباحي عن التدريس مهم جداً ، لسد الباب أمام أي محاوله لبث الأخلاق الحميدة والسلوكيات الإسلامية في نفوس التلاميذ .. لاسيما أن حامد وأمثاله ينتهجون النهج القرآني القائل: "ادْعُ إِلِىَ سَبِيلِ رَبّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنّ رَبّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ"(5). ولكن الأستاذ  يعتقد أن الدعوة إلى الله تكون في كل مكان وفي كل مجال ، إنه يوقن بالقاعدة القرآنية المخضرمة: (وَللّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلّواْ فَثَمّ وَجْهُ اللّهِ إِنّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)(6).. ومن ثم أخذ على عاتقه نشر دعوة الخير بين أبناء بلدته على النحو الذي رسمته الآية !

تجارة الدنيا والآخرة :

وكما كان الأستاذ حامد زايد ماهراً في تجارة مواد البناء ، فقد كان ماهراً أيضاً في بناء النفوس وتربيتها ورعايتها .. فكم هدى الله على يديه أناس كثيرين .. وكم أدخل الله شباباً المساجد بسبب حامد صباحي .. كم قدم من أعمال البر والخير في محافظة كفر الشيخ .. يشهد بذلك كل حجر بمسجد الفاروق بكفر أبي شلبي بمدينة بلطيم ، ويشهد بذلك كل جدار من جدران مسجد القدس على طريق برج البرلس ،تشهد بذلك رؤوس الأيتام التي تعرف يد الأستاذ السخية ، ويتجلى سخاؤه رحمه الله  في استثمار تبرعات جلود الأضاحي في شراء الماشية واستثمار أموالها من أجل فقراء المسلمين ، ويتواصل كرمه إلى مشروع تبرعات الملابس ، إلى جلسات الصلح في فض النزاعات المتأصلة بين عوام الناس ..فهو يعلم أن إصلاح ذات البين أفضل الصدقات عند الله ، كما أخبر (7)بذلك النبي – صلى الله عليه وسلم - .

السجن في ذات الله :

إن حياة الأستاذ لا تختلف كثيراً عن حياة إخوانه الدعاة والمصلحين الذين سبقوه في درب الدعوة  المباركة .. فمذ بزغ نجم دعوة الإخوان .. وسمت الابتلاء فيها هو الاعتقال والسجن والتعذيب في سجون مصر العتيقة . لخيرة أبناء مصر .. فقد اعتقل الأستاذ حامد صباحي في سجن ليمان طرة  في 15\4\1999م واستمر اعتقاله حتى 29\7\1999م .. فلم ينخر فيه الوهن أو الترعيب قيد أنمله .. ومن ثم اعتقل للمرة الثانية في 23\5\2005. واستمر اعتقاله حتى 12\8\2005 م .

ذرية الأستاذ:

تزوج الأستاذ حامد زايد عام 1993م من أخت مربية تحمل نفس مبادئه الإسلامية الصميمة، وقد كانت بحق ركنه الشديد . و لم يُرزق الأستاذ بذكور قط ، بل رزقه الله  بأربع بنات .. وإليك أسمائهن :

تلك الأسماء التي لا يسميها سوى الأستاذ حامد زايد صباحي  !

1- مريم : 11 سنة

2- حماس : 7 سنوات

3- جهاد : 5 سنوات

4- استشهاد : سنة ونصف .

خاتمة حسناء !

ويتوج المولى تبارك وتعالى حياة الأستاذ بخير خاتمة ، ونعم الختام : الشهادة في سبيل الله ،نحسبه كذلك ولا نزكيه على الله . فبعد خروج الأستاذ من المعتقل بأيام معدودات ، توجه(هو وزوجه) بسيارته في طريق مدينة بيلا شرق محافظة كفر الشيخ ، ما خرج من بيته من أجل دنيا فانية ، بل كان مقصده هذه الدعوة المباركة ، وهذا الدين العظيم الذي عاش الأستاذ له ومات في سبيله .. وإذا بقدر الله الذي لا مرد له يتحقق ، يتحقق بتصادم عنيف بين سيارة الأستاذ وأتوبيس سياحي .. وعلى الفور تتحول سيارة الأستاذ  إلى حطام .. تلك السيارة المتواضعة التي طالما سار بها الأستاذ في سبيل الله في أرض الله الواسعة .. وهكذا نال أستاذنا الشهادة .. نحسبه شهيداً .. ولا نزكيه على الله .. أما أم مريم فقد أصيبت إصابات شديدة وخرجت مرة أخرى للحياة ، لا من أجل الحياة ، بل أجل صناعتها في مريم وجهاد وحماس واستشهاد .. حفظهم الله . وثبتهم الله . ورعاهم الله.

دروس مستفادة :

1- الابتلاء وسام على صدر الدعية المسلم .

2- عمر المسلم الحقيقي يقاس بساعات قدمها في سبيل الله.

3- القدر لا ينجي من الحذر . وأينما تكونوا يدرككم الموت !

4- حسن الخاتمة كرامة من الله لعباده المصلحين .

توصيات عملية :

* عش للآخرتك . لا تعش لدنياك

* ليكن العطاء شعارك وليكن الأخذ عدوك.

              

هوامش:

1- صحيح - أبوداوود( 2\310 ، وأحمد (5\342)،وابن حبان ( 2\332)،وصححه الألباني في الترغيب (3\93 )، وفي حاشية فقه السيرة ص157.

2- انظر : سيد قطب : دراسات إسلامية (931) نقلاً عن عبدالله عزام : عملاق الفكر الإسلامي.

3- المصدر السابق.

4- سيد قطب : أفراح الروح: رسالة إلى حميدة قطب ، نشرتها مجلة الفكر التونسية في عددها السادس من السنة الرابعة ، آذار (( مارس )) 1959م بعنوان ( أضواء من بعيد ).

5- سورة: النحل - الأية: 125.

6- سورة: البقرة - الأية: 115

7- صحيح - السلسلة الصحيحة6\141 ونص الحديث "أفضل الصدقة إصلاح ذات البين"