الشيخ المحدث شعيب الأرناؤوط

د. محمد ابو صعيليك

clip_image002_6ba28.jpg

كان من الأسر الألبانية التي هاجرت بدينها أيام حكم الشيوعيين في بداية القرن العشرين الى بلاد الشام، أسرة الشيخ شعيب الأرناؤوط، والذي ولد سنة 1929 بدمشق، وتلقى مبادئ العلم الضرورية على يد أشهر علمائها، وكان منهم الشيخ نوح نجاتي الألباني والد الشيخ الألباني الذي تلقى عليه الفقه الحنفي، تلقى على هؤلاء الأعلام الفقه والحديث واللغة، وله ذكريات عن بعض مشايخه الذين كان يحضر دروسهم في اللغة بحفظ بعض متونها عند صلاة الفجر، فكان يأتي من بيته وهو صغير يردد تلك الأبيات ويحفظها ويعمل على تثبيتها، ثم اشتغل بنشر التراث وتحقيق الكتب في مكتب التحقيق التابع للمكتب الاسلامي للشيخ زهير الشاويش رحمه الله، وكان قريناً في هذا المكتب للشيخ الألباني رحمه الله، فشارك في تحقيق ما نشر المكتب الإسلامي من كتب التراث في الفقه الحنبلي مثلاً، من أمثال كتب «غاية المنتهى للشيخ مرعي»، و«مطالب أولي النهى للرحيباني»، و«المبدع لابن مفلح»، و«الكافي لابن قدامة»، و«المقنع له كذلك»، برفقة عالم حنبلي من دوما، كان يعمل في غسل مصاطب تقطيع اللحم، فأعادوه الى مهنته واستفادوا من علمه.

وله ذكريات في صعوبة اخراج الحديث من مسند الإمام أحمد، وكيف كانوا يستفيدون من كتاب المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، الذي أصدره المستشرقون، ثم بدأ من منتصف الستينيات يخرج كتباً محققة في سائر أبواب العلوم الشرعية، وكان أجود تلك التحقيقات وأبرعها:

1- تحقيق زاد المسير لابن الجوزي.

2- تحقيق شرح السنة للبغوي.

3- تحقيق زاد المعاد لابن القيم.

4- تحقيق رياض الصالحين للنووي.

وفي مرحلة العمل مع مؤسسة الرسالة في الأردن من بداية الثمانينيات، حقق الشيخ مع فريقه من تلامذته، الذين كانوا يعملون معه، أمثال: الأستاذ حسين أسد، الذي شاركه في تحقيق صحيح ابن حبان، وسمير الزهيري الذي شاركه في تحقيق مشكل الآثار للطحاوي، والدكتور نجم عبدالرحمن خلف والدكتور أحمد عبدالله، والشيخ علي الحلبي، والشيخ حمدي صبح، والدكتور أحمد برهوم، والشيخ عادل مرشد، وسواهم.

وقد صدرت للشيخ في مرحلة العمل مع الرسالة تحقيقات لكتب كبيرة أمثال:

1- مسند الإمام أحمد بن حنبل في 55 مجلدا.

2- صحيح ابن حبان بترتيبه المسمى الاحسان 16 مجلدا.

3- شرح مشكل الآثار للطحاوي في 16 مجلدا.

وقد تنوعت أعمال الشيخ في التحقيق وكان منها في أصول الدين والاعتقاد، تحقيق:

1- شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي.

2- أقاويل الثقات لمرعي الحنبلي.

3- العواصم من القواصم لابن الوزير.

وفي علم التفسير:

1- زاد المسير لابن الجوزي.

2- تفسير ابن كثير.

وفي الفقه زاد المعاد لابن القيم:

1- غاية المنتهى للشيخ مرعي.

2- مطالب أولي النهى للرحيبان.

3- المبدع لابن مفلح.

4- الكافي والمقنع كلاهما لابن قدامة.

كان الرجل يتحلى بالإنصاف، والرغبة في الخير، ونشر العلم، وكان يحس بهموم أمته، والتي أدرك بعضها ومات في خضمها، ويعرف أقدار الناس، ويذكر الخيّرين بما فيهم، واشتغل بتعليم الناس علوم الشريعة في بيته، فدرس عليه بعض طلبة العلم أجزاء من سبل السلام للصنعاني، وشرح العقيدة الطحاوية وغيرها.

ولئن كانت سنة الله تعالى في حياة الناس، أنه ما نما نبت الا آل إلى ذبول، ولا ظهر نجم حتى آل إلى أفول، ولا نشأ طفل حتى زلف إلى حياة الكهول، ليفارق الدنيا كما فارق من سبقه، وبعد هذه الحياة العامرة بكل خير، الزاخرة بكل حب التي أصبحت فيها تحقيقات أبي أسامة ورد الناس ومصدرهم، وقد أصبح اسمه بفضل الله تعالى، علماً من أعلام السنة، ومرجعاً من مراجعها، وأستاذاً من أساتذتها، خلف الجيل الذي سبق أمثال المشايخ: أحمد شاكر، والساعاتي، وحبيب الرحمن الأعظمي، وعبدالعزيز بن باز، والغماري الكبير، وعبدالله بن الصديق الغماري، وعبدالفتاح أبو غده، ومحمد ناصر الدين الألباني، وسواهم الكثير.

بعد هذا كله يغادرنا هذا الرجل في السابع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، منتقلاً إلى مثواه قريباً إلى ربه، شاكراً لأنعمه، مقراً بأفضاله، مودعاً الأمة ليحدثها عن قادمات أيام يعدل فيها مزاج الأمة وتعود فتية كما كانت تمسح الغبار عن وجهها، وتدفع الظلم عن نفسها، وتعيد ما أخذ منها، وتعيد سيرة السلف في حل المعضلات، والتعامل مع المشكلات والولاء للمؤمنين والبراء من الكافرين، والبصر بخفايا الأمور.

رحم الله شعيباً وأخلف الأمة من يقوم مقامه، وكتب أجره، ورفع مقامه، وأعلى رتبته.

وسوم: العدد 694