السيد محمد المكي الكتاني

clip_image002_74b68.jpg 

رجالات سورية

ولد السيد محمد المكي بن الإمام محمد بن جعفر بن إدريس الكتاني الإدريسي الحسني بفاس عام (1312هـ/1894م)، وينتهي نسبه إلى سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنهم.

نشأ في بيت علم وسيادة وكرم، وكان محاطاً بالعناية الإلهية التي ألبسته لباس التقوى ومحبة العلم والعلماء منذ نعومة أظفاره، وقرأ العلوم على والده ، كما درس في جامع القرويين. وانصرف منذ صغره إلى حياة الرجولة بإشارة من والده، فأتقن السباحة والرماية، وركوب الخيل، والصيد والضرب بالسيف.‏

رحلته إلى المدينة المنورة ومصر:

هاجر للمدينة المنورة سنة 1329هـ/1911م بمعيَّة والده الإمام محمد بن جعفر الكتاني ، وأخيه السيد محمد الزمزمي، قَصْدَ المجاورة الشريفة, مروراً بمصر الأزهر، حيث أقاموا مدة اغتنمها السيد المكي بالدرس على يد كبار علماء الأزهر, وفي الحجاز أتمَّ حفظ القرآن الكريم، وتابع تلقِّي علومه على يد كبار علمائه، ومنهم: محدِّث الحرمين عمر حمدان المحرسي، وقرأ عليه الأجرومية وألفية ابن مالك، وبعض رسالة ابن أبي زيد القيرواني، والمفتي السيد أحمد بن إسماعيل البرزنجي، والشيخ عبد الباقي الأنصاري اللكنوي، والشيخ عبد القادر الشبلي الطرابلسي، كما سمع على والده كثيراً من كتب الحديث الشريف. وحجَّ في هذه الرحلة حجة الإسلام.

ثم عاد إلى المغرب في عهد السلطان عبد الحفيظ، وأقام عدة سنوات، وأخذ عن السيد محمد بن إدريس القادري ، وشيخ الجماعة أحمد بن الخياط الزُّكاري، وعمه السيد أحمد بن جعفر الكتاني، وأبي شعيب الدِّكالي ، والسيد عبد الكبير الكتاني ، وجميعهم أجازوه.‏

استقراره في دمشق وتلقيه العلم على أكابر علمائها:

وفي خضم الحرب العالمية الأولى رحل مع والده وأخيه إلى دمشق الشام، حيث تابع تلقِّي علومه على يد كبار علمائها، وعلى رأسهم المُحدِّث الأكبر الشيخ بدر الدين البيباني الحسني، والشيخ أمين سويد، والشيخ توفيق الأيوبي وغيرهم،ثم رحل إلى بغداد، وإلى الهند، وأخذ عن بعض علمائها،ثم رجع إلى دمشق وبقي فيها إلى زمن ثورة قام بها الدروز، ثم رجع إلى المغرب مع والده، فتوفي هناك والده في مدينة فاسفي 16رمضان سنة 1345م، ثم رجع إلى دمشق فاستقرَّ فيها، ينشر العلم والدعوة إلى الله عزَّ وجل.

ومع تعدُّد الرحلات والهجرات والدروس واللقاءات مع كبار علماء البلاد الإسلامية في المغرب ومصر والحجاز والشام بهمَّة عالية ودأب لا مثيل لهما أصبح السيد المكي عَلَماً من أعلام العلم والتربية والدعوة والجهاد ممَّا أهَّله لتبؤ منصب مفتي المالكيَّة في سورية.

نشاطه العلمي و الإسلامي :

واستمرَّ  في دروسه ونشاطه العلمي والإصلاحي بداره في حيِّ الصالحيَّة، ثم درَّس بداره في حي الميدان، ثم بداره في حي العمارة، كما درس في مختلف مساجد دمشق، كالأموي، والشيخ محيي الدين، والسنجقدار، وغيرها من المساجد السورية, حُسْبة دون أجر. وأقرأ شتى العلوم والفنون، وبخاصَّة الحديث الشريف رواية ودراية، والتصوف والفقه المالكي. وكان يُركِّز على عنصر الشباب المسلم، ويُوجِّههم الوجهة الدينية الصحيحة، وقد أسَّس لهذا الغرض عدداً من الجمعيات والمنتديات الفكرية بهدف الإصلاح الديني ومكافحة قوى الاستعمار، فأسَّس (رابطة شباب دمشق) وأصبح منزله قبلة للمواطنين المناضلين والعلماء والمثقفين المخلصين، واستطاع بإخلاصه وتفانيه في خدمة القضايا الدينية والوطنية أن يُعزِّز مكانة العلماء، ويزيد من تأثيرهم الفكري الإصلاحي والاجتماعي والسياسي, ممَّا جعله محطَّ أنظار زعماء الأحزاب والقوى السياسية إذ أن أغلبهم كان يطلب دعمه ورضاه لما يتمتَّع به من نفوذ في الأوساط الوطنية والشعبية.

جهاده:

هذا وقد ساهم مساهمة فعَّالة في الجهاد ضدَّ القوات الفرنسيَّة الغازية داعياً إلى الجهاد، ومساهماً فيه مع إخوانه من الزعماء الوطنيين أمثال الشيخ محمد الأشمر، والشيخ حسن الخراط، وغيرهم من زعماء الثورة السوريين .

كما ساهم رحمه الله بإنشاء فرقة فدائية فلسطينية أسماها: شباب فلسطين من بعض تلاميذه وأتباعه الذين تكاثروا في بلاد الشام من فلسطينيين وسوريين وأردنيين، وذلك بالتنسيق مع المجاهد الحاج أمين الحسيني، والحاج فرحان السعدي منذ عام 1936م، وقد قاموا بأعمال جريئة ضدَّ القوات البريطانية والصهيونية في فلسطين المحتلة، واستمرَّ ذلك لسنوات عدَّة, وكان مُدركاً إدراكاً تاماً لخطورة الهجمة الصهيونية على حياة ومستقبل الأمة العربية والإسلامية، مما دعاه لمضاعفة دعمه للمجاهدين في فلسطين مادياً ومعنوياً.‏

ولما أنشئت المقاومة الشعبية عام 1956م اشترك فيها، وهو إذ ذاك نائب رئيس رابطة العلماء، فتدرَّب مع زملائه علماء دمشق على الرمي وحمل السلاح تطبيقاً للسنة الشريفة.

تأسيس رابطة العلماء ورئاسته لها:

وبعد استقلال سورية ساهم بتأسيس رابطة العلماء التي اختير فيها نائباً للرئيس الشيخ أبي الخير الميداني لفترة، ثم أصبح رئيساً لها بعد وفاة العلامة الرباني أبي الخير الميداني سنة 1380هـ، وبقي رئيساً حتى وفاته, وكانت هذه الرابطة تضمُّ في عضويتها خيرة العلماء العاملين بسورية, ويضمَّ مجلس شيوخ الرابطة كلاً من فضيلة العلامة الشيخ أبو الخير الميداني رئيساً، وفضيلة العلامة الشيخ إبراهيم الغلاييني، وفضيلة العلامة الشيخ حسن حبنكة الميداني، وفضيلة الشيخ أحمد الإمام (الشيخ المجهول)، وفضيلة العلامة الشيخ محمد صالح فرفور، وفضيلة العلامة الشيخ محمد  سعيد البرهاني، وفضيلة العلامة الشيخ عبد الوهاب دبس وزيت، وفضيلة العلامة الشيخ عبد الكريم الرفاعي، وفضيلة الشيخ عبد الرحمن الزعبي، وفضيلة الشيخ عبد الرؤوف أبو طوق، وفضيلة الشيخ محمد بلنكو مفتي حلب، وأغلبية علماء المحافظات السورية، وغيرهم كثير, فكانت من أهم التجمُّعات الدينية والفكرية تأثيراً في مجريات الأحداث الاجتماعية والسياسية، خصوصاً على الانتخابات النيابية السورية.

دوره في الحياة السياسية في سورية:

وكان له دور بارز في الحياة السياسية السورية بعد الاستقلال وحتى أوائل الستينات من هذا القرن, إذ كان الرؤساء والوزراء والزعماء عموماً يطلبون دعمه ورضاه.

اهتمامه بقضايا المغرب العربي:

وعلى الرُّغم من انشغاله في مشكلات المشرق العربي والعمل لما فيه مصلحة العرب والمسلمين فيه فلم يحل ذلك بينه وبين اهتمامه بقضايا المغرب العربي, فقد كانت داره ملتقى المجاهدين والثوار والزعماء والطلاب المغاربة على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم السياسية. مما دفعه لتأسيس جبهة تحرير المغرب العربي لدعم جهاد إخوانه المغاربة، ولتقديم العون المادي والسياسي والأدبي للمجاهدين المغاربة والجزائريين.‏

هذا وكان منزله ولا يزال بيت المغاربة في المشرق طلبة علم وزائرين، وقد أكد هذا المعنى الملك الحسن الثاني بقوله له: " إنني أعتبركم السفير الدائم للمغرب في المشرق" وذلك خلال زيارة فضيلته للمغرب بدعوة من الملك الحسن الثاني عام 1962م.‏

دعوته لتأسيس رابطة العالم الإسلامي:

دعا لتأسيس رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، وكان عضوا مؤسِّساً بمجلسها التأسيسي.‏

زار عدداً من ملوك ورؤساء وعلماء الدول العربية والإسلامية على رأس وفود رابطة العلماء ناصحاً ومُرشداً، مهنئاً ومعزياً‏.

حثَّ علماء المغرب على تأسيس رابطة للعلماء فيها،ولم يغادر المغرب حتى جمع أغلب علمائه تحت رايتها إثر مؤتمر عقدوه بمدينة (فاس) بمشاركته التوفيقيَّة والفعَّالة.‏

وبعد عودته من المغرب تفرَّغ للعمل العلمي، والدعوة إلى الله تعالى فقط, ولم يقعده مرضه عن المساهمة الماديَّة والوجدانيَّة في معركة حرب رمضان, فقد قام رحمه الله قبيل الحرب باستضافة كبار ضباط وأفراد الفرقة المغربيَّة التي ساهمت بالحرب، وزوَّدهم بإرشاداته ودعواته لهم ولأشقَّائهم السوريين بالنصر، ثم قام بزيارة الجرحى من الضبَّاط والجنود السوريين والمغاربة، وقدَّم لهم الهدايا.

صفاته الخَلْقيَّة والخُلُقيَّة:

كان رجلاً رَبْعة إلى الطول أقرب ، أبيض اللون ، ضخم الأعضاء والقامة، عريض المنكبين، شديد بياض البدن ، عظيم الرأس، أفلج الأسنان، بهي الطلعة، حلو الحديث، لغته مغربية ممزوجة باللهجة الدمشقية أحياناً، يلبس زيَّ علماء المغرب.

عالم جليل، عظيم القدر، حاز على صفات خُلقية عليا، كثير التلاوة للقرآن الكريم، رطب اللسان بالذكر، يهتمُّ بالسنة المطهَّرة ويُطبقها، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يحبُّ العلماء ويحترمهم في حضورهم وغيبتهم، ويثني على من يستحقُّ الثناء منهم، ولا يذكر الناس إلا بخير، متواضع حيي، عليه سيماء الهيبة، كريم ، مبسوط اليد،خصَّص في داره غرفة واسعة لزوَّاره قلَّما كانت تخلو ليلاً ونهاراً، بارٌّ بأرحامه، واصلٌ لهم، ويبدؤهم بالزيارة ، يقسم لهم شطر ماله، ويجعل الشطر الآخر نصفين: نصفاً لضيوفه ، ونصفاً لأهل بيته.

وكان ذا نكتة حلوة ، وبديهة حاضرة، وذكاء لمَّاح ، شهد له علماء عصره بأنه المرجع في الفقه المالكي، والتصوف، وكلام القوم وإشاراتهم، وكان مجلسه مجلسَ هيبة وعلم وذكر.

كره البدعة وأحب السنة، ووقف عند حدود الله ، غزير الدمعة، وحزنه على أحوال المسلمين عميق، ابتلي بآلام في جسمه فكتمها عن المقرَّبين إليه ، وصبر عليها.

وفاته:

وبعد معركة رمضان 1393هـ/1973م بأسابيع عدَّة، انتقل إلى الرفيق الأعلى بعد مغرب يوم الاثنين 16ذي القعدة 1393هـ/10كانون الأول سنة 1973م بعد عملية جراحية في مستشفى دار الشفاء، وصُلي عليه في المسجد الأموي في اليوم التالي، ودفن في مقبرة أسرته بالباب الصغير مع غروب الشمس, حيث شيَّعته الجماهير المؤمنة  يتقدَّمهم كبار العلماء و الزعماء والوزراء والسفراء والوجهاء، وألقيت على قبره كلمات العلماء، فتكلم الشيخ حسين خطاب، والشيخ عبد الرؤوف أبو طوق، وكان العزاء به في مشهد الجامع الأموي، وبقيت المآذن السورية والمغربية تبثُّ القرآن الكريم ذلك اليوم على روحه الطاهرة، وأقيمت مجالس العزاء والتأبين في كلٍّ من دمشق والرباط وجدة والمدينة المنورة.

وسوم: العدد 748