في محراب موسى عليه السلام

 

  • ألقِيَ موسى في التابوت خوفاً أن يقتله فرعون ...وحملته أمواج النهر إلى قصر فرعون ليعيش في حمايته وأكنافه .
  • - لم يدّخر فرعون وسعه في الحفاظ على ملكه ،فبدأ يقتل الأطفال تحسباً لكل طارئ ، وظن أنه قضى على غريمه أو كاد ، ولم يكن يدري أن قضاء الله يكمن في قصره.
  • قد يأتي الأمان من قلب الخوف : { وأوحينا إلى أم موسى أنْ أرضعيه فإذا خفت عليه... إنا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين } ... وعْدٌ بعودته إلى أمه آمناً ، ووعْدٌ لها أن يكون رسولاً ، فعرفت أن لابنها شأناً عظيماً في النبوّة ، فلا بدّ إذاً أن يحفظه الله ليكبر ويصبح نبياً رسولاً .
  • لا ريب أن أم موسى أخبرتْ ابنها أن الله اوحى إليها أنه سيكون نبياً رسولاً . وربّته على الإيمان والتوحيد. ليكمل المهمّة حين يستوي عوده.
  • أمرها الله تعالى أن ترضعه قبل إلقائه في اليمّ ليتعرف عليها من بينِ عشرات المرضعات ، فكان للرضعة الاولى بصمة اللقاء المرتقب.
  • لا بأس من الخوف فهو سمة إنسانية ،على أن لا يشل التفكير ولا الحركة ، وهذا لا يتأتّى إلا بتقوية الإيمان وتثبيته في القلب. { وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً إنْ كادت لتبدي به لولا ان ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين}.
  • متابعة الأمر وقوة الإيمان والرضا بالقدر يوصل للهدف : { وقالت لأخته قُصّيه} فلا ينبغي التهاون في العمل. فعلى الرغم ان الله تعالى وعدها بإعادته إليها أمرتْ أخته أن تتابع مسيره في الماء والمكان الذي قد يقف عنده
  • حسنُ التصرف والذكاءُ وسرعة البديهة مطلوبان فيمن يوكل بمهمة ما،فقد تدخّلت الأخت في الوقت المناسب للدلالة على أمها مرضعةً مباركة مع التعليل الذكي المُرضي والمقنع { ... وهم له ناصحون} في الوقت الذي احتارت فيه زوجة فرعون في تأمين المرضع المناسبة.
  • وعدُ الله حق لا مراء فيه ، هذا عند صاحب القلب المؤمن الذي يعلم أن ما قدّره الله كائن، فيرتاح إلى قضاء الله وتخطيطه { ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون} وسبب الجهل بهذه الحقيقة بعدُ الناس عن الله .
  • في قصة يوسف عليه السلام نقرأ قوله تعالى : { ولما بلغ أشده آتيناه حكماً وعلماً} وفي قصة موسى نجد كلمة { استوى } بعد كلمة { أشُدّه } للدلالة أن يوسف نال النبوّة فتى،
    أما موسى فقد نالها شاباً بعد أن استوى ونضج. وقد وصف الله النبيين كليهما بصفة الإحسان. فما ينال الخير الصراحَ إلا من وصل في إيمانه درجة المحسن.
  • ما دخل موسى المدينة على حين غفلة من أهلها إلا لأنه كان مطروداً من قصر فرعون حين رفض عبادته وأعلن عبوديته لله ، وتابعه رجال الأمن خوف أن يلتقي بالناس فيُؤثر في أفكارهم واعتقادهم. وهذا دأب الطغاة في كل زمان ومكان.
  • والداعية المؤمن يغتنم الفرص لإيصال الخير إلى الناس كلما سنحت له الفرصة ، ولا ننسى أن زكريا عليه السلام حين حملت زوجته فخفَتَ صوته ثلاثة أيام كان يدعو الناس إلى التسبيح والذكر بالإشارة إذ كان صوته حبيساً .
  • مساعدة الضعفاء وإغاثة اللهفان واجب الجميع وخاصة القوي المتمكن حين يقع الظلم عليهم ، ولكن بطريقة واعية مدروسة لا تترك أثراً سلبياً على أيٍّ من الطرفين المتنازعين.
  • الفيئُ إلى الحق والاعتراف بالخطأ فضيلة المسلم الذي إن زلّ عاد إلى الصواب واستغفر الله وأصلح زلته ، فلما وكز موسى القبطي قتله دون ان يقصد ذلك فاستغفر ربه مقراً بخطئه ،وعلم الله تعالى فيه الندم الصادق فغفر له.
  • إن الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم في العروق ، يهيّجه ويدعوه لكل مساءة ، فإذا زل أحدنا أو أخطأ ذكر الله وتاب وأناب، وعاهد الله أن لا يعود لزلته واجتهد في ذلك ، فإن عاد لضعفه واجترح خطيئة كان الاستغفار ديدنه والندمُ رفيقه والإقلاعُ عن الذنب هدفَه.
  • بعضهم يقول :لم يكن موسى إذ ذاك نبياً ، فكيف عرف أن الله تعالى غفر له؟ { فغفر له إنه هو الغفور الرحيم} فالجواب أنه كان من " المُحَدَّثين" تحدثه الملائكة ، وكان هذا الأمر شائعاً في الصالحين من الأمم قبلنا ، وليس في المسلمين " مُحدّثٌ" . أكده النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف الذي روته عائشة رضي الله عنها : ) قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم أناس محدثون فإن يك في أمتي أحد منهم فهو عمر بن الخطاب ( المصدر: صحيح الجامع- الصفحة أو الرقم:4377 وأرى أن موسى عليه السلام صار نبياً وهو شابٌّ في الخامسة والعشرين – كما يظهر لي بينما كان يوسف عليه السلام نبياً حين بلغ في الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة شانه شأن يحيى بن زكريا عليهما السلام ، والدليل أن الآية في سورة يوسف تقول: (ولما بلغ أشدّه آتيناه حكماً وعلماً وكذلك نجزي المحسنين ،) وفي سورة القصص تزيد كلمة ( واستوى) وفي الاستواء القوة .
  • يستعطف القبطي الثاني – على ظلمه - موسى حين رأى قوته وعلم أنه قتل قبطياً بالأمس، ويصف موسى بالجبروت والبعد عن الإصلاح ، وتناسى أنه ألجأ موسى إلى مساعدة اليهودي لأن القبطي يصر على استخدامه دون وجه حق.وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يصور الإنسان راغباً بمصلحته دون مصالح الآخرين ، ويرى عيوبهم دون عيبه فيقول : (يرى أحدكم القذى في عين أخيه ولا يرى الجذع في عين نفسه )
  • المسلم أخو المسلم لا يخذله ولا يسلمه ولا يحقره ، فهذا الرجل الصالح من الأقباط ومن آل بيت فرعون يرى قومه يأتمرون لقتل موسى فينطلق إليه مسرعاً يحذره ، ويطلب إليه أن ينجوَ بنفسه، ولو استطاع أن يدافع عنه لفعل ، ويفعل المرء ما يقدر عليه ويُحسنه.
  • اللجوء إلى الله تعالى دأب المسلم ووسيلته في النجاة ، كما أنه يتخذ قراره السليم المناسب إما المواجهة وإما المداراة وإما التواري حتى حين ، فلا يجوز وهو في موقف ضعيف أن يستأسر ويتهاون ، ينطلق موسى بعيداً عن سلطان الظالم إلى مدينة آمنة إلى أن ييسر له الله تعالى عودة آمنة ونصراً مؤزراً.
  • يصل موسى إلى المأمن القريب – مدين- جائعاً متعباً فريداً فارق الأهل والوطن ، يسأل الله التوفيق والهداية ، ولن يُضيّعه الله ، لأنه العبد الملتزم والمسلم المطيع، ولعل الله يُسخٍّر له أمراً يعبر منه إلى بر الأمان، وشاطئ السلامة.
  • المروءة التي يتحلى بها المرء باب إلى كل خير، وسلّمٌ إلى المجد .والمسلم - وهو في حالة التعب والإرهاق والجوع- يأبى التغاضي عن سلبية تخدش مروءته ، ولئن رأى موسى بعض الرعاة يستأثرون بالماء دون امرأتين شريفتين ضعيفتين تذودان أغنامهما إنه ليبذل جهده في خدمتهما دون أن تطلبا مساعدته ، ولن تفعلا ، فهو غريب ، وقد يكون أنانياً على شاكلة الرعاة. هكذا ظنتا ، ولعلهما لم ترياه ابتداءً.
  • يسألهما بأدب عن حالهما فتجيبانه باختصار غير مُخِلٍّ : { لا نسقي حتى يُصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير} فليس لهما إخوة ذكور يرعون الماشية، وأبوهما كبير ضعيف ، ولا قدرة له على استئجار الرعاة ، فلا بد أن تقوما بالعمل، والشريفة تتحمل التأخر حتى المساء ، والعمل بجهد مُضنٍ على ان تفتح باباً ينفذ منه أولو النفوس المريضة.
  • يسقي لهما دون أن يكلمهما ، ويأوي إلى ظل شجرة ،يستريح تحتها من وعثاء السفر، وتعودان مبكرتين - أو قل - في وقت مريح على غير الزمن الذي اعتاد أبوهما أن يراهما عائدتين فيه ويلجأ الشاب المؤمن إلى ربه يستغيثه: { ربِّ إني لما أنزلت إليّ من خير فقير} ،ولا ملجأ إلّا إلى الله في كل آن.
  • ويأتيه المدد ، ويلوح له الفرج ،فقد أخذ بالسبب إذ سقى للمرأتين ، وحين أخبرتا أباهما بما رأتا من حاله علم أنه غريب فأرسل إحدى ابنتيه إليه يستزيره، ولعله يستخدمه في رعي الماشية فتستريح ابنتاه، فالمرأة للبيت والرجل للسعي والعمل خارج البيت.
  • حياء الفتاة واضح في مشيتها نحوه، وليست هي الداعية إنما هو أبوها الذي أراد أن يجزيه أجر ما سقى لهما، وحريٌّ به أن يجيب دعوة الرجل.. ويكون بينهما حديث مستفيض ليس فيه سرٌّ يخفيه :ولعلنا إذ نقرأ الاية (فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت) فنضع الفاصلة بعد تمشي أو بعد استحياء فنجد المعنى يختلف جمالاً وروعة.ففي القراءة الأولى مشية الحياء ، والثانية في حديثها حياء.
  • {قصَّ عليه القصص } والقَصص بفتح الصاد ( القصة من أولها إلى آخرها)، فقد رأى موسى في الرجل سمات النبل والأخلاق وحسن الضيافة . والمصارحةُ سبيل الثقة والأمان، فنسمع كلمتين خفيفتين في اللفظ مليئتي المعنى { لا تخف نجوتَ من القوم الظالمين }.
  • التقيا قلباً وحاجة ، فجمعهما الإيمان بالله والأخوّة فيه ، وحاجة موسى للاستقرار والزواج والعمل، وحاجة الرجل الكبير لشاب أمين قوي يعتمد عليه في تحمل مسؤولية العمل ، ورأى كل منهما في الآخر مبتغاه .
  • يختار الرجل لابنته الزوج الصالح كما يختار لولده الزوجة الصالحة سواء بسواء، فهو حريص على سعادة ابنته، ويرتاحُ أنْ يصطفي لها من يضمها إليه بحب وحنان ورجولة . والعاقل من يختار ذا الخلق والدين ( إذا جاءكم من ترضون دينه وخلُقه فزوجوه....) ويتزوج موسى إحدى ابنتيه فيكون واحداً من أسرته.
  • أما المهر الذي دفعه موسى على مدى ثمانية أعوام – وإن جعلها موسى عشرة - فالعملُ في خدمة الأسرة الكبيرة { إني أريد ان أُنكحك إحدى ابنتيّ هاتين على أن تأجرني ثماني حِجج} كان الرجل يود أن يكون المهر عشر سنوات لكنّه طلب ثمانية لأنه يعلم أن حب الوطن كبير ، وأن المرء حين يُمكن له العودة إلى وطنه ثم يجد عائقاً يتألم ، وقد يضعف عمله تبعاً لحالته النفسية { فإن أتممتَ عشراً فمن عندك } فلِمَ كان هذا التخيير؟
  • حين يهرب الجاني خارج سيطرة الحاكم – في قانون فرعون – ثماني سنوات يسقط الحكم عليه بسبب التقادم فإن عاد فهو حرٌّ، والشيخ حريص على أن يعود موسى إلى وطنه وأهله في الوقت المناسب ، فالغربة قاتلة ، والغريب سجين في غربته وإن كان حراً . لكنّ موسى أكمل السنوات العشر ، وهكذا الانبياء والدعاة ، يحبون الكمال.
  • فماذا تقول في فراعين العصر الذين يبطشون ويقتلون ويدمرون، ولا تعرف الرحمة سبيلاً إلى قلوبهم السوداء المربدة؟ يحكمون على المسلم بالظن ، ويطاردونه عشرات السنين في كل أصقاع العالم، ويضيقون عليه في الحركة والرزق والاتصال، ويؤذونه في أهله وأقاربه وماله؟!

وسوم: العدد 1046