( قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين )

من المعلوم أن كتاب الله عز وجل، يتضمن في العديد من آياته حديثا عن الجزاء الأخروي الذي يعقب فترة الحياة الدنيا التي هي فترة اختبار وابتلاء . والجزاء في القرآن الكريم عبارة عن ثنائية، فهو إما فوز أوخسارة حسب السعي الدنيوي الذي يقوّمه الله تعالى بعدله ، ولا يبخس خلقه منه شيئا ، وهو تقويم في منتهى الدقة باعتبار أداته التي لا تهمل ما يكون مثقال ذرة من شر أو خير .

والناس في هذه الدنيا صنفان : صنف دنيوي منكر أو مهمل للآخرة ، وكل همه هو السعي من أجل الجزاء الدنيوي، وصنف يضع في اعتباره الآخرة، وكل همه هو السعي من أجل الفوز فيها . ومعلوم أن الجزاء الدنيوي له نهاية وزوال كنهاية الدنيا وزوالها ، أما الجزاء الأخروي، فلا نهاية  ولا زوال له سواء كان فوزا أم كان خسارة كدوام الآخرة .

ومعلوم أن الله عز وجل يسوق في القرآن الكريم  حديثا عن الفوز في الآخرة بأسلوب الترغيب ، كما أنه يسوق الحديث عن الخسارة بأسلوب الترهيب، لأن طبيعة  النفس البشرية تتأرجح بين الرغبة والرهبة، وهما مؤثران فيها بقوة  . وسعي الإنسان في الحياة الدنيا محكوم بهما .

ومعلوم أن الإنسان الدنيوي ، وهو العلماني بلغة هذا العصر، تقتصر الرغبة والرهبة عنده على سعيه الدنيوي المنقطع الصلة  تماما بالآخرة ، فهو يرغب في الفوز الدنيوي ، ويخشى  خسارتها ، وعن هذا يقول الله تعالى : (( فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى )) .

أما الإنسان الأخروي ، فهو يربط سعيه الدنيوي بالجزاء الأخروي ، وهو أشد خشية من خسارة الآخرة ، وأشد رغبة في فوز الآخرة ، وعن هذا يقول الله تعالى : (( ومن أرادا الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا )) .

ومشكل الإنسان الدنيوي  الخاسر في الآخرة، هو أن  خسارته تكون مزدوجة أو مضاعفة ، لأنه يخسر نفسه ، ويخسر أهله أيضا كما قال الله تعالى : (( قل  إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين )) . وهذا الإنسان الدنيوي يكون في الدنيا  أحرص ما يكون على نفسه وعلى أهله ، وأخوف ما يكون من خسارة نفسه ، ومن خسارة أهله إلا أنه  مع اسقاطه الآخرة من حسابه واعتباره  ، يسقط  أيضا خسارة نفسه ، وخسارة أهله ، علما بأن خسارتهما في الدنيا ليست خسارة أبدية لا زوال لها كخسارتهما في الآخرة كما قال الله تعالى عنها : (( ألا ذلك هو الخسران المبين )) .

وهذا الإنسان الدنيوي في قناعته الزائفة  أنه حريص على صيانة نفسه ، وصيانة أهله زوجة وبنين وبنات ، وقد مثل له بعض أهل التفسير بتاجر راغب في تنمية تجارته، لكنه يعرضها للتلف والإفلاس والخسارة، وبهذا تكون خسارة أهله مترتبة عن هذه الخسارة أيضا  .

أما الإنسان الأخروي، فهو حريص على صيانة نفسه ، وصيانة أهله أيضا ،لأنه يعلم علم اليقين عن طرق الوحي الذي لا يأتيه باطل من بين يديه ولا من خلفه أن أهله إذا ما وقاهم مما يقي نفسه ألحقهم الله تعالى به في الآخرة ، وأشركهم معه في ما يحصل له من فوز مصداقا لقوله جل وعلا : (( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرىء بما كسب رهين )) . وهكذا تلحق ذرية الإنسان المؤمن الأخروي به في الجنة، لأنها تتبعه بإيمان قد تعلمته أو تلقته منه . وقد جاء في كتب التفسير أن هذه الذرية تلحق بالمؤمن إكراما له وتفضلا من الله عز وجل ، وإن قل سعيها عن سعيه ، ولم تبلغ درجة سعيه، لأنه كان حريصا في حياته على فوزها الأخروي ، وبذل في ذلك كل  الوسع.

مناسبة حديث هذه الجمعة ،هو تنبيه المؤمنين إلى التفكير الجدي والمسؤول  في الفوز الأخروي أولا لأنفسهم ثم لأهليهم  أكثر من حرصهم على فوزهم الدنيوي ، خصوصا ونحن مقبلون على موسم دراسي جديد ، حيث ترسل فلذات الأكباد إلى المؤسسات التربوية لتتعلم ، وينتهي موسمها بفوز ينقلها من مستوى إلى آخر حتى تنهي مشوارها الدراسي ، ثم تبدأ مشوار خوض الكسب .

وإذا كنا لا نقصر في توفير الظروف المناسبة لتعليم أبنائنا ، فنوفر لهم كل اللوازم لضمان فوزهم ، فإننا قد نهمل موضوع فوزهم الأخروي ، ونسلك مسلك الدنيويين مع أبنائهم ، لا نبالي بالخسارة الحقيقية التي  يشغلنا عن التفكير فيها اقتصار تفكيرنا على الخوف من خسارتهم الدنيوية في دراستهم ، وإننا لنهتم بتحصيلهم ، وبما يحصلون عليه من علامات ، ونتائج ، ونحرص على ذلك كل الحرص ، ونبذل الأموال من أجل دعمهم بدروس الدعم والتقوية خوفا من خسارتهم ، لكننا مع شديد الأسف، نغيب هذا الحرص مخافة خسارتهم الأخروية ، فلا نحرص على عبادتهم اليومية التي يجب أن تكون موازية لسعيهم الدراسي الذي هو سعي محسوب في الآخرة لأن العبادة في ديننا  صلتها مباشرة بالمعاملة.  وإذا كنا كمؤمنين أخرويين  نحاكي الدنيويين في تعاملهم مع أبنائهم حيث نغيب عن وجدانهم البعد الأخروي ، ونحصره في البعد الدنيوي فقط ، فإننا سنكون عابثين بمصائرهم ، ومعرضين لهم للخسران المبين كما بينه الله عز وجل في محكم التنزيل  ، لهذا يتعين علينا أن نجعل من مناسبة حلول الموسم الدراسي الجديد مناسبة صلح مع ربنا سبحانه وتعالى ، ومع هديه ، وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم ، وذلك بحرصنا على تنشئة أبنائنا التنشئة الإسلامية السوية خصوصا في ظرف استهدافهم من طرف التيار الدنيوي العلماني الذي يروم طمس معالم هويتهم الإسلامية، سعيا وراء انحرافهم بشتى الوسائل ، وبمكر وخبث لم يعدا خافيين . وعلينا كأولياء أمور أن نراقب ما يتلقاه أبناؤنا من معارف قد يدس في بعضها  ما  يفسدهم ، ويؤثر في إيمانهم ، وتدينهم ، ويؤثر في أخلاقهم  بإفسادها ، ونكون لذلك بالمرصاد بكل الوسائل المتاحة ، ولا يمكن أن يتأتى ذلك إلا بالمصاحبة الدائمة لهم ، وبالعيون الساهرة اليقظة، ليكون فوزنا جميعا  في الآخرة كاملا غير منقوص.

اللهم إننا نسألك الجنة ، ونسألك أن تلحق بنا ذرياتنا ، ونعوذ بك من الخسران المبين .

والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات ، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .       

 

 

وسوم: العدد 1048