دروس في فقه الجهاد والقيادة الراشدة 24

دروس في فقه الجهاد والقيادة الراشدة

إرهاصات ومقدّمات فتح الشام ( 24 )

د. فوّاز القاسم / سوريا

لقد كانت فكرة الفتوحات العربية للشام وغيرها ، راسخة في عقل النبي الكريم صلى الله عليه وسلّم ، وأصحابه رضوان الله عليهم ، منذ اللحظة الأولى التي شرّفهم الله بهذه الرسالة العظيمة ، حيث عرفوا منذ وقت مبكّر ، بأن رسالتهم الخالدة هي رحمة للعالمين ، وليست مقتصرة على العرب وحدهم ، قال تعالى في قرآنه العظيم :

(( وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )) .

ولقد كان لبلاد الشام أهمية خاصة في نفوس الرسول الكريم صلى الله عليه وسلّم وأصحابه ، كما رأينا في الحلقة الأولى من هذه السلسلة ( فضل الشام ).

ولقد حدثت جملة من الإرهاصات والإشارات ، كانت المقدّمات الأولى لفتح الشام ، وهذه أهمها:

القبلة الأولى :

 لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم خاتم الأنبياء والمرسلين ، ووارث رسالات جدّه إبراهيم ، كما كانت أمته هي خير الأمم ، ووارثة الدين ..

ولذلك فقد كان المسلمون يتوجهون في صلاتهم ، وهم في مكة إلى بيت المقدس ويجعلون الكعبة بينهم وبينه ، فلما هاجروا إلى المدينة المنوّرة توجهوا إلى بيت المقدس قرابة سبعة عشر شهراً ، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقلّب وجهه في السماء ، متمنياً على الله أن يخصّ أمته بقبلتها الخاصّة ، وهي الكعبة المشرّفة ، ولكنه كان يستحي من ربّه ، إلى أن أنزل الله عليه : (( ومن حيث خرجت فولّ وجهك شطر المسجد الحرام ، وحيثما كنتم فولّوا وجوهكم شطره ))

فخصّهم بقبلتهم التي كانوا يرجونها .

ولاشك بأن القبلة الأولى للمسلمين جديرة بأن تكون جزءاً لا يتجزأ من هذه الأمة، وجديرة بأن يخلّصها العرب من براثن الرومان المشركين ، ويعيدوها إلى دائرة العقيدة الخاتمة ، والتوحيد الخالص .

الإسراء :

كذلك كان في رحلة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلّم من مكة المكرّمة إلى بيت المقدس في فلسطين الشام ، ثم عروجه من هناك إلى السماوات العلى ، بدلاً من أن يعرج مباشرة من مكة إلى السماوات العلى ، دلالة عظيمة على الرابط الوثيق بين رسالات الله كلّها ، ودلالة أكيدة على تحول الرسالة من ذريّة إسرائيل إلى ذريّة إسماعيل ، ووراثة العرب لإرث النبوّة الخالد ...

ولذلك فقد كان فتح بيد المقدس ، واسترداده من أيدي الروم المشركين ، وإعادته إلى حضن العروبة والإسلام ، وتخليصه من لوثات الشرك والتثليث ، من صميم  رسالة العرب ، ومن أولى أولوياتهم كما ذكرنا ...

نبوءات مبكّرة :

نبوءة الرسول صلى الله عليه وسلّم وهو في طريق هجرته إلى سراقة بن مالك وبشارته له بأن يلبس سواري كسرى ...!!!

ونبوءة الرسول صلى الله عليه وسلّم للمسلمين ، وهو يحفر الخندق في العام الخامس للهجرة ، وبشارته لهم بفتح قصور الحيرة ، وقصور المدائن ، وقصور صنعاء ، وقصور الروم .!!!

مدح القرآن والرسول صلى الله عليه وسلّم للشام وأهله :

ولقد فصّلنا ذلك في الحلقة الأولى من هذه السلسلة ( فضل الشام ) بما يغنينا عن الإعادة والتكرار .

 

 

 

رسائل وكتب إلى الملوك :

بعد أن أبرم رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، صلح الحديبية مع مشركي قريش راح يبعث الرسل والكتب إلى ملوك الأرض يدعوهم فيها إلى الإسلام ، ونبذ ما كانوا يعبدونه وأقوامهم من الأوثان ، أو يشركون مع الله آلهة أخرى :

فقد أرسل حاطب ابن أبي بلتعة إلى المقوقس عظيم القبط في مصر

وأرسل شجاع بن وهب الأسدي إلى ملك الغساسنة في دمشق .

وأرسل دِحية بن خليفة الكلبي إلى هرقل عظيم الروم .

وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى برويز ملك الفرس .

وبعث عمرو بن أميّة الضّمري إلى النجاشي ملك الحبشة .

وبعث عمرو بن العاص السّهمي إلى جيفر وعبادا ملكي عُمان الأزديين .

وبعث سليط بن عمرو إلى ثُمامة بن أُثال وهوذة بن علي ملكي اليمامة الحنفيَين.

وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين .

وهذا يدلّ دلالة أكيدة على عظمة هذه الرسالة وخلودها وعالميّتها ...

قتل الدعاة في ذات أطلاح :

بعث رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، في ربيع الأول من العام الثامن للهجرة الشريفة ، كعب بن عمير الغفاري على رأس مجموعة من الدعاة إلى ذات أطلاح على تخوم الشام الجنوبية في أطراف مؤتة ، لدعوة قبيلة قضاعة العربية إلى الإسلام ، ولكن مشركي قضاعة وثبوا على الدعاة وقتلوهم جميعاً ، فلما بلغ الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم حزن حزناً شديداً ، وشقّ ذلك عليه ، وقرر أن ينتقم لأصحابه .

 

 

قتل مبعوث الرسول صلى الله عليه وسلّم في مؤتة :

بعث رسول الله صلى الله عليه وسلّم الحارث بن عمير الأزدي برسالة أخرى إلى هرقل يدعوه فيها إلى الإسلام بعد أن سمع من دحية حسن رده على رسالته الأولى ، ولما نزل الحارث مؤتة من أطراف الشام ، تعرّض له شرحبيل بن عمرو الغسّاني ، ولما علم أنه من رسل رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، أوثقه وقتله صبراً ، ولم يُقتل لرسول الله صلى الله عليه وسلّم مبعوث قط سواه ، فشقّ ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلّم كثيراً .

الحديدُ بالحديد يُفلّ :

دعاة رسول الله صلى الله عليه وسلّم إلى الشام يُقتلون غدراً ، ومبعوثه صلى الله عليه وسلّم إلى ملوك الشام يُقتل صبراً .!!! ما معنى ذلك .!؟

معناه أن باب الدعوة يصفق بالسيف .!!!

ولابد من فتحه بالسيف أيضاً ، فالحديدُ بالحديد يُفلح .!!!

وفي شهر جمادى الأولى من العام الثامن للهجرة ، جهّز رسول الله صلى الله عليه وسلّم جيشاً من ثلاثة آلاف مقاتل ، وجعل عليه زيد بن حارثة ، فإن استشهد فجعفر بن أبي طالب ، فإن استشهد فعبد الله بن رواحة ، وأمره أن يسير إلى مؤتة من أرض البلقاء في تخوم الشام ، لتأديب القبائل العربية التي تقف في وجه الدعوة هناك .

وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم أن يذهبوا إلى المكان الذي قُتل فيه مبعوثة إلى هرقل ، الحارث بن عمير ، ويدعوا الناس إلى الإسلام ، فإن هم أجابوا إلى ذلك ، فبها ، وإن أبوا ، فالقتال ...

وأوصاهم فقال : (لا تغدروا ، ولا تغلّوا ، ولا تقتلوا وليداً ، ولا امرأةً ، ولا شيخاً فانياً ، ولا متعزّلاً بصومعة ، ولا تقربوا نخلاً ، ولا تقطعوا شجرة ، ولا تهدموا بناءً ...ألخ  ).

وما إن وصل المسلمون إلى مؤتة ، حتى فوجئوا بجموع هائلة من الروم وعملائهم من العرب ، تزيد على مائتي ألف مقاتل تنتظرهم ، وفي الحقيقة هم لم يأتوا لقتال الروم ، بل للدعوة إلى الإسلام ، وتأديب القبائل العربية التي تقف في وجه الدعوة ، ومع ذلك فقد قرروا خوض المواجهة مهما تكن النتائج ...

واستشهد في هذه المعركة غير المتكافئة قادة المعركة الثلاثة الذين عيّنهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، ثم آلت القيادة إلى خالد بن الوليد ، فاستنقذ الجيش ببراعته المعهودة ، وانحاز به إلى المدينة منتظراً فرصة أفضل .

ذات سلسل :

وفي شهر جمادى الآخرة من العام الثامن للهجرة أيضاً ، وصلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم أخباراً تفيد بأن جمعاً من قضاعة قد تجهزوا للإغارة على أطراف المدينة المنوّرة ، فجهّز لهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم قوّة سريعة جعل عليها عمرو بن العاص ، ثم أتبعها بقوّة أخرى عليها أبا عبيدة بن الجرّاح ،

فلما سمعت قبائل قضاعة بأن المسلمين يزحفون إليهم تفرّقوا في الصحراء ، وعاد المسلمون إلى مدينتهم سالمين ، بعد أن قذف الله الرعب في قلوب أعدائهم.

غزوة تبوك :

وكانت في أول رجب من العام التاسع للهجرة ، حيث وردت أنباء إلى المدينة عن حشود كبيرة للروم وعملائهم العرب من قبائل قضاعة على تخوم الشام الجنوبية، فتجهّز لهم رسول الله صلى الله عليه وسلّم بنفسه على رأس جيش يربو على ثلاثين ألف من الصحابة الكرام ، وتحرك المسلمون حتى نزلوا في منطقة تبوك فلم يجدوا أثراً لأعدائهم ، فأقاموا بضعة أيام ، وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلّم خالد بن الوليد إلى دومة الجندل في الشرق ففتحها ، ثم إلى إيلة في الغرب على البحر الأحمر وتيماء وجرباء وأذرح ، فصالحه أهلها على أداء الجزية .

ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلّم بأصحابه إلى المدينة بعد أدخل الرعب في قلوب المشركين ، حتى لا يفكّروا بالتحرش بالمسلمين بعد اليوم أبداً .

بعث أسامة بن زيد :

ثم عقد رسول الله صلى الله عليه وسلّم لأسامة بن زيد لواءً ، على رأس جيش من المسلمين ، وأمره أن يسير إلى مؤتة حيث استشهد والده زيد ، كان ذلك في آخر يوم من صفر ، في السنة الحادية عشرة للهجرة الشريفة ، ولكن مرض  رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، ثم وفاته ، أخّرت خروج الجيش حتى ربيع الآخر من نفس العام بعد أن بويع لأبي بكر الصديق رضي الله عنه .

وكان لخروج جيش أسامة أعظم الأثر في إخافة القبائل التي كانت تتربص بالمسلمين ، فلما رأوا  الجيش المسلم قالوا في أنفسهم : لو لم يكن المسلمون أقوياء بما فيه الكفاية ، لما أخرجوا هذا الجيش والجزيرة العربية تموج بالردّة ..

وبعد ... فهذه كانت أهم الإرهاصات والإشارات والمقدّمات لفتح المسلمين لبلاد الشام ، فلما سحق المسلمون حركة الردّة ، وحطّموا الأصنام ، واقتلعوا الشرك من جزيرة العرب ، خرجت جحافلهم  المظفّرة فانساحت شرقاً حتى أزالت دولة الفرس من الخارطة العالمية ، ووطئت حوافر خيلهم تربة الصين ، وأزاحوا حدود دولة بيزنطة إلى الشمال والغرب آلاف الكيلومترات ...!!!

فرضي الله عنهم وأرضاهم ، وجزاهم عن أمتهم خير الجزاء، وألهم أحفادهم من أبطال الشام النجباء ، التخلّق بأخلاقهم ، والسير على نهجهم ،   والجهاد على طريقهم ، حتى تحرير سورية الحبيبة من أرجاس اليهود والقرامطة والصفويين. (( ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله ، ينصر من يشاء ، وهو العزيز الحكيم )) الروم(5) / صدق الله العظيم.