شهر الصيام فرصة تقرب إلى الله عز وجل من خلال عبادة الإنفاق

مر بنا في مقال سابق أن شهر رمضان هو فرصة سنوية أنعم بها علينا المولى جل جلاله ليقربنا منه من خلال استجابتنا له بالصيام والقيام ،علما بأنه سبحانه وتعالى يعلن قربه من عباده المؤمنين الذين يسألون عنه ، ويستجيب لهم إذا ما استجابوا له مصداقا لقوله تعالى : (( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون )) . وقد وردت هذه الآية مباشرة بعد ذكر عبادة الصيام، الشيء الذي يعني أن العباد الذين يسألون عن ربهم هم الصائمون القائمون ، وسؤالهم عبارة عن رغبة في نفوسهم لمعرفة قربهم من خالقهم بعد طاعة الصيام والقيام ، ومعرفة مدى قبول استغفارهم ومدى الاستجابة لدعائهم  وهو على هذه الحال . وقد طمأنهم خالقهم بأنه قريب مجيب وهم في عبادة متميزة  خلال أيام وليالي الشهر الفضيل ، وقد استجابوا له بالطاعة . ومعلوم أن الخالق سبحانه يحب  تقرب عباده المؤمنين إليه بما افترضه عليهم  وهو الصيام ، ويزدادوا تقربا منه بالنوافل  وهي القيام ، فإذا فعلوا ذلك أحبهم ووجه أسماعهم  وأبصارهم وأيديهم وأرجلهم ،فلا  يسمعون ولا يبصرون ولا يبطشون ولا يسعون إلا مسددين كما جاء في الحديث القدسي المشهور. ويزداد المؤمنون  في رمضان قربا من خالقهم بعبادة أخرى هي عبادة الإنفاق التي سنها لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه حيث قال : "  كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبي القرآن فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة " ويتبين من خلال هذا الحديث أنه ليس من قبيل الصدفة أن يقترن عرض النبي صلى الله عليه وسلم القرآن على جبريل عليه السلام مع كثرة جوده بالخير ، ذلك أن القرآن الكريم يحث على مكارم الأخلاق ، وقد كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن كما جاء في حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها حين سألت عن خلقه الذي عظمه الله عز وجل . ومعلوم أن الكرم والجود من مكارم الأخلاق . ولما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إسوة للمؤمنين ،فإنهم مطالبون بالاقتداء به في كثرة الجود والكرم في شهر رمضان المعظم . ومن أجل تحفير المؤمنين على الإنفاق أغراهم خالقهم سبحانه وتعالى بصفقة تجارية مربحة فقال جل شأنه : (( إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور )) وليس من قبيل الصدفة أن يجعل الله تعالى مقابل التجارة الرابحة  تلاوة القرآن وإقامة الصلاة والإنفاق . ومعلوم أن تلاوة القرآن والصلاة تبلغ أوجها في شهر الصيام لما فيه من قيام يستعرض فيه القرآن تلاوة وتدبرا ، وهو قيام يتزامن مع عبادة الصيام . ومعلوم أيضا أن عبادة الصيام تمكن الصائمين من الانصراف عن شهواتهم والاهتمام بما هو أفضل منها من صلاة وتلاوة قرآن وذكر . وبتحررهم من  التفكير في الشهوات  والسعي لإشباعها يتحقق سموهم الروحي ، ويؤهلهم ذلك للاحتكاك بالقرآن الكريم ، الشيء الذي يجعلهم يتخلقون بأخلاقه  التي منها الجود والكرم . ومعلوم أن الإنسان ما لم تشغلهم شهواته والسعي من أجل إشباعها يكون أقرب إلى الجود والكرم، وقد تحكم في شهواته عن طريق الصيام ، فضلا عما في الصيام من تحسيس له بحرمان غيره ، وذلك مدعاة للكرم والجود . ومعلوم أن العرب كانوا أهل جود وكرم بسبب بيئتهم الصحراوية التي يقل فيها الماء والطعام، وهو أمر جعل أهلها أهل جود وكرم بحكم تجربتهم في بيئتهم  القاسية ، وبحكم ما كانوا يعيشونه من حرمان فيها  . وقياسا على حال العرب يلعب الصيام دورا في إعداد الصائمين للجود والكرم بحكم تجربة الحرمان من الطعام والشراب  نهارا. ومعلوم أن الجود والكرم من مكارم الأخلاق لأنه عبارة عن بذل يسمو بالإنسان من سلوك الأثرة إلى  سلوك الإيثار، وهو سلوك لا يصدر إلا عن الإنسان المكرم والمفضل ، ذلك أن المخلوقات التي تشاركه شهوتي الأكل والشرب لا تعرف إيثارا . ولا توجد حالة يكون فيها الإنسان مؤهلا للجود والكرم أفضل من حاله وهو صائم قائم  يصلي ويقرأ القرآن الكريم ، لهذا جمع الله عز وجل بين تلاوة القرآن والصلاة والإنفاق . ومن أصاب الغاية من عبادتي الصيام والقيام  يكون بالضرورة جوادا كريما كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم . ومعلوم أن المؤمن كلما وجد رغبة للإنفاق، كان ذلك مؤشرا على حسن صيامه وحسن قيامه . ومن لم يجد وينفق وهو في حالة سمو روحي صياما وقياما لا يمكنه ذلك في غير هذه الحال لأن السمو الروحي يخلص الإنسان من قيود شهواته ، والشهوات والانشغال بها تجعله قتورا لا يهتم إلا بإشباعها ولا يلتفت إلى كرم أو جود . ولقد أغرى الله تعالى المنفقين بالتجارة التي لا بوار لها لوفرة ربحها الذي لا نقيصة فيه ولا غبن،  بل فيه زيادة وفضل ،لأن من يشتري منهم جواد كريم . وأفضل ربح يجنيه المنفقون هو الظفر بالمغفرة ،ذلك أن الإنفاق على غرار الصيام والقيام يغفر به الله عز وجل الذنب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفىء الماء النار " ، ولهذا ذيل الله تعالى كلامه عن التجارة التي لا بوار لها بقوله : (( إنه غفور شكور)) فهو جواد كريم بالمغفرة ، وبالأجر والثواب، وتلك دلالة صفة الشكر فيه سبحانه. وأما قوله تعالى : (( ويزيدهم من فضله )) فهو ما يشير إليه قوله تعالى : (( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء  والله واسع عليم ))  فزيادة فضله سبحانه هي هذه المضاعفة التي تجعل الحبة بسبعمائة حبة وزيادة . وهذه المضاعفة تشجع المنفقين على الإنفاق بالكثير ما دام قليل الإنفاق يكافأ بالكثير، علما بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا ألا نحقر من المعروف شيئا حيث قال : " لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي ولو أن تكلم أخاك ووجهك إليه منبسط " . ومما يؤكد أهمية إنفاق القليل لما يقابله من أجر كثير قوله صلى الله عليه وسلم أيضا : " اتقوا النار ولو بشق تمرة "  فهذا الحديث يؤكد قيمة الإنفاق ، ذلك أن شق التمرة صدقة تطفىء الخطيئة الموجبة للنار كما يطفىء الماء النار . والله عز وجل وهو رؤوف رحيم بالإنسان يحثه على الإنفاق من جهة ليضمن نفقته ورزقه بهذا الإنفاق، ومن جهة أخرى لتخلص بالإنفاق من خطاياه ، لهذا جاء في الحديث : " انفق يا ابن آدم ينفق عليك "، فمن وسائل تحصيل القوت الإنفاق لأن الله عز وجل تعهد بأن يخلف على المنفقين فقال جل شأنه : (( وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين )) . ومعلوم أن ما ينفق لا ينقص من مال المنفق لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما نقصت صدقة من مال " ولو أحصى المنفق ما ينفقه ، وأحصى ما ينفق عليه لوجد أن الله عز وجل يخلفه له وزيادة  بفعل ما تعهد به سبحانه للمنفقين بالزيادة والفضل،  فضلا عما يخلفه لهم. ولقد أوكل الله تعالى كل يوم ملكين أحدهما يدعو للمنفقين ، والآخر يدعو على الممسكين كما جاء في الحديث الشريف : " ما من يوم  يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم اعط منفقا خلفا، ويقول الآخر اللهم اعط ممسكا تلفا " وهذا الحديث يؤكد أن الإنفاق يجب أن يلازم المؤمن كل يوم ليخلف الله عز وجل عليه استجابة لدعوة الملك الكريم الذي أوكله سبحانه بذلك . ولقد فصل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحوال الناس باعتبار الإنفاق في حديثه الذي يقول فيه : " إنما الدنيا لأربعة نفر : عبد رزقه الله مالا وعلما ، فهو يتقي فيه ربه ،ويصل فيه رحمه ، ويعلم لله فيه حقا ، فهذا بأفضل المنازل ، وعبد رزقه الله علما، ولم يرزقه مالا ، فهو صادق النية ، يقول لو أن لي مالا  لعملت بعمل فلان ، فهو بنيته فأجرهما سواء . ورجل رزقه علما فهو يخبط في ماله ، لا يتقي فيه ربه ، ولا يصل رحمه فيه ، ولا يعلم لله فيه حقا ، فهذا بأخبث المنازل . ورجل لم يرزقه الله مالا ولا علما ، فهو يقول لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان ، فهو بنيته ، فوزرهما سواء " . إن حيازة أفضل المنازل إنما تكون بالإنفاق ، وبنية الإنفاق الصادقة ، وحيازة أخبث المنازل تكون بالإمساك وبنية الإمساك لأن ديننا الحنيف  تتوقف  فيه الأعمال على ما يسبقها من نيات لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى " . وفي الأخير لا بد من الإشارة إلى أن أوجه الإنفاق متعددة وتكون مالية وعينية كما تكون بالجهد والوقت وبالموقف ، وبغير ذلك مما يتحقق به الخير . وعلى الذين يتلون القرآن ويقيمون الصلاة خصوصا في رمضان  أن يستكملوا تقربهم من الله عز وجل بالإنفاق  سرا وعلانية رجاء تجارة لن  تبور ورجاء أن يوفر أجورهم ويزيدهم من فضله رب غفور شكور . اللهم وفقنا للإنفاق في ما بقي من هذا الشهر الفضيل . والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله  وصحبه أجمعين.

وسوم: العدد 725