بعثي في سجون الأسد

د. خالد أحمد الشنتوت

بعثي في سجون الأسد

د. خالد أحمد الشنتوت

إن الحمد لله وحده لاشريك له، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد :-

فإن كتابة التاريخ حق لأبنائنا في أعناقنا،حق علينا لأجيالنا الصاعدة؛ لأن ماعشناه وشاهدناه وسمعنا به في حينه؛ سيصبح مجهولاً عندهم يبحثون عنه خلال الوثائق والآثارالتاريخية، وقد لا يصلون إلى معرفة الحقيقة فيه،خاصة وأن مزوري الحقيقة يعملون بدأب لتضليل المسلمين، وإبعادهم عن معرفة تاريخهم([1])،والذكرى تنفع المؤمنين.

 وقد كتبت الروايات التالية ( عذراء حماة ، ميج وميراج ، أطفال في شوارع حماة ، فتاة بابا عمرو  ) باسم عبد الله أحمد الدهامشة ، والدهامشة اسم قبيلتي ، وأنا عبد الله ، واسم والدي ( أحمد ) لم يتغير...  وهدفي أن أؤرخ لهذه الحقبة التاريخية التي عشت شاهداً عليها ، وكل يكتب من الزاوية التي عاشها وشاهدها...وقدوتي في ذلك رواية عذراء جاكرتا التي دخلت مركز عقلي ، يرحم الله كاتبها حياً وميتاً ،  والله أسـأل أن يحفظني من الطواغيت، ومن أعداء الحقيقة، وأن يثيبني يوم لاينفع مال ولا بنون،وعلى الله توكلت وعليه يتوكل المؤمنون ...   

1 -

كنت جالســـاً في المسجد الحرام ، أمام الميزاب ، حيث يجلس أهل الشام عادة ، يحدثون انتماءهم للشام بعد أن هاجروا منها منذ حوالي نصف قرن ، هاجروا فارين بدينهم ودمائهم بعد أن سيطر الفرس  الصفويون  على سوريا ، وصارت  ملكاً شخصياً لحافظ الأسد([2]) وأولاده ،واضطهدوا كل متدين ،ولفقوا له تهمة(الإخوان المسلمون) ، وبعد عودتي من الجزائر عشت عام (1980) في مدينة حماة ، أدرس  علم الاجتماع والفلسفة في ثانوياتها ، وخلال ذلك العام صففت على الجدار مع بضعة رجال ليقتلوننا دون أن يعرفوا أسماءنا ، لندخل في عداد المفقودين ، الذين وصل عددهم إلى عشرين ألفاً ...لذلك تركت وظيفتي وتقاعدي ( ولم يبق عليه سوى سنتين فقط )، تركت بيتي وأقاربي وتركت سوريا ، فاراً بديني وعرضي ودمي ....

    *        *      *

كنت جالســــاً  بين المغرب والعشـــاء ، شمال الكعبة ، أمام ميزاب الرحمة ،  فيما يسمى باب ( الشامية ) ، أحاول أن أجدد ما أنتمي له ، أمعن النظر في الكعبة المشرفة ، واندمج مع المكان فأشعر بقدسية الكعبة أول بيت وضع للناس ، وأحس بعلو الانسان المسلم الذي رفعه  الإسلام من عالم المادة والتراب إلى عالم الروح والسماء ، من غلظة المادة إلى شفافية الكلمة وسموها ،ومن أنانية الإقليمية  والعرقية إلى مفهوم الأمة ( خير أمة أخرجت للناس ) ، وبينما أنا هائم كالفراشة  بين أزهارالربيع ... اقترب مني أحدهم وسلم قائلاً :

أنا أعرفك يا أستاذ، كنت طالباً عندك قبل حوالي ثلاثين سنة ، وبالتأكيد لاتذكرني ، وكيف تتذكر شكلي ، كنت تلميذاً في الابتدائية ، واليوم غزا الشيب عارضي ... وقد رأيتك على شاشة إحدى الفضائيات العام الماضي ، تتكلم عن القضية السورية ، تذكرتك جيداً، وعــرفت أنك تكتــب عــن ســـورية ، وقد ساعدني ( الانترنت ) فقرأت كتاباتك واستفدت منها، كما عرفت أنك تعيش في الحرمين ، لذلك أريــد أن أقــص عليك حكايتي ، لأنها مادة دسمة للكتابة عن سوريا ؛ وما يعانيه الشعب السوري .

قلت : أهلاً وسهلاً ، وأعانكم الله يا أهلنا في سوريا . أما أنا فقد آثرت السلامة وخرجت من سوريا منذ (اكتوبر1980) ولم أدخلها حتى الآن ( 2013) ...

قال :   ( وبدا عليه الخجل ) يا أستاذ معذرة أنا بعثي ، عضو عامل ، ومسؤول في الحزب ، أمين الفرقة الحزبية في منطقتي ، اعتقلتني المخابرات العسكرية يوماً ، وأذاقوني العذاب والإهانة،،،

قلت له (مستغرباً ): حتى البعثيين تعتقلهم المخابرات العسكرية !!؟  مـن سـلم إذن من المخابرات العسكرية السورية !!؟ وأما نحن يابني فنرى أن حزب البعث مغضوب عليه ، وأعتدوا عليه ، كما فعلوا بالشعب السوري، وأنا شخصياُ لا ألصق أفعالهم وجرائمهم بحزب البعث أبداً ... لأنهم كما قلت اذاقوا البعثيين كأس العلقم كما فعلوا ببقية الشعب السوري ، وربما أشد .... لأنهم خططوا ليجعلوا حزب البعث سلماً يصعدون عليه إلى مآربهم ، ومن وقف في وجههم من البعثيين ، داسوا عليه بأرجلهم وأحذيتهم العسكرية ، وأكملوا مسيرهم نحو هدفهم المرسوم منذ عشرات السنين ... ولم يسلم منهم أحد في سوريا !!!

قال : سلم منهم الجواسيس الصهاينة الذين يدخلون سوريا ويسرحون ويمرحون فيها ، ويلتقطون الصور قرب دير الزور كيفما يشاءون ، دون أن تدري عنهم المخابرات الأسدية ..

في الدول المستقرة المخابرات العسكرية تراقب جواسيس العدو الذين يخترقون القوات المسلحة ، وتراقب من يتعاون معهم من المواطنين الذين يبيعون شرفهم ووطنهم للعدو....

أما المواطنون المدنيون ( غير العسكريين ) فتتابعهم الشعبة السياسية ...   أما في سوريا الأسد (كما سموها ) فالمخابرات العسكرية همها الأول بل الوحيد مراقبة المواطنين ، واعتقالهم وتعذيبهم والتنكيل بهم ....

قلت : هات ماعندك منذ البداية ، أعانك الله .

قال : كنا في اجتماع حزبي ، في مكتب حزب البعث العربي الاشتراكي ، في إحدى فرق الحزب ، وقد رفع علم الحزب فوق مقر الاجتماع ، ومن المؤلم أنني كنت أترأس الاجتماع ، وكنت أجتهد في إقناع السوريين أن حزب البعث العربي الاشتراكي ، حزب قومي عربي ، لايعادي الإسلام ، بل يعترف بالدور الحضاري الذي قدمه الإسلام للأمة العربية ......

وإذ تدخل مجموعة من عناصر المخابرات العسكرية ، قال قائدهم موجهاً خطابه لي : أنت الرفيق ( .......) ، قلت : نعم .... فوجه لي لكمة فنية بعقب المسدس على هامتي ، غيبتني عن الوعي ؛ وسقطتُ على الأرض مغشياً علي ، ولم أستيقظ إلا بعد ساعة في زنزانة للمخابرات العسكرية ، وعرفت فيما بعد تفصيل ماجرى ذلك اليوم المشؤوم .

 وهو أن زميلاً لي في الستينات الميلادية ، حيث كنا في المرحلة الثانوية ، كنت معه في المدرسة ، والحق أنني كنت من المقربين له ،  فقد كان مؤدباً ومجتهداً ، مواظباً على الصلاة والصوم ، والبعد عن الخمر وما يجره ، ولايعاكس  البنات في الشوارع كما يفعل الآخرون  ، وكنت أتودد لـه لأنني أشاركه هذه الصفات التي تبين لي أخيراً أنها نادرة في البعثيين، وعرفت أنني كنت شاذاَ فيها عن سائر البعثيين ... لذلك أسندوا لي وظيفة أمين صندوق شعبة الحزب في الثانوية ؛ بعد انضمامي للحزب ببضعة أيام ، وكأنهم عثروا على من يكلفونه بهذه المهمة التي تتطلب الأمانة ، وعرفت أنهم يلقبوني في أحاديثهم الخاصة ب( الشيخ ) لأنني كما قلت أختلف عنهم اختلافاً كبيراُ .... 

كنت أتقرب منه كي يطمئن لي فأشده للانضمام إلى حزب البعث العربي الاشتراكي ، لذلك حضرت معه ذات يوم درساً في التجويد مع بعض زملائه ، ومازلت أذكر أدبهم الرفيع ، واحترامهم لي ، وحرصهم على أن أتعلم ديني ، مع أنهم يعرفون اني ( بعثي ) ، قلت حضرت في المسجد مرة واحدة فقط ، حضرت  معه كي أشجعه  ليحضر معي لقاءات الحزب ، واليوم كم أنا نادم لأنني لم أواظب على حضور ذلك الدرس ... حضرت معه كي أشجعه فيحضر معي لقاءات الحزب ؛ فأنسبه وأضمه لحزب البعث العربي الاشتراكي ، كما يوصينا قادتنا ، لكنه أبى وأصر أن لاينتسب للحزب ،وبعد أن يئست من استجابته للالتحاق بالحزب ؛ حيث كنت مكلفاً بدعوته  إليه ـ كما قلت ـ  تركت رفقتـه ، وبحثت عن غيره ...كما هو منهج نشاطنا الحزبي في حزب البعث العربي الاشتراكي ...

هذا الزميل في المدرسة الثانوية في الستينات ، اعتقل  بعد عشرين سنة في الثمانينات مع عناصر الطليعة المقاتلة([3]) ، وقد التحق بالطليعة واقتنع أن استخدام السلاح هو الطريق الوحيد للقضاء على النظام الأسدي ، الذي أذل العباد وخرب البلاد ، والذي ينفذ ما تحلم به إسرائيل من تدمير سوريا ، لتكون خارج المعركة ،وتخليص الشعب السوري من ظلمه واستبداده ... وتحت التعذيب والإلحاح لمعرفة أسماء رفاقه وزملائه ، أعطاهم اسمي ، لأنني من زملائه في الثانوية قبل عشرين عاماً ... ولما راجعوا ملفي وجدوا أنني بعثي ، ومسلح من طرف الحزب ، لذلك جن جنونهم، وتحسبوا كثيراً كيف يعتقلونني وأنا بعثي مسلح !!؟ ، وكنت زميلاً لطالب التحق بالطليعة فيما بعد !!!؟  وجاءوا لاعتقالي وهم يرتجفون من الخوف لأنني مسلح ، وقد قرروا سلفاً أنني نقطة اختراق من طرف الإخوان المسلمين للحزب ....

الاعتقـال المهيـن :

تقدم قائد الدورية نحوي وناداني :  أنت الرفيق ( .....) فقلت : نعم ...  وعلى الفوروجه لي ضربة بعقب المسدس على هامتي سقطت مغشياُ عليَّ ، فأسرعوا إلى مسدسي ، واستلموه ، ثم حملوني من الأيدي والأرجل كما تحمل الذبيحة إلى السيارة ....أما الرفاق بقية أعضاء الاجتماع الحزبي  فقد انفضوا هاربين وتركوا الاجتماع  يتلفتون وراءهم خوفاً من الضرب بقبضة المسدس على الهامة ....بعد أن رأوا ماحل برفيقهم الكبير ...

وفي سيارتهم عصبوا عيني ،وقيدوا يدي، وكوموني في أرض السيارة كما تكوم الذبيحة ...  وراحت اللاندروفر تنهب الأرض إلى مبنى المخابرات العسكرية في حي الصابونية  ، فرحين بصيدهم الثمين ، وفوزهم باعتقال جاسوس للإخوان المسلمين داخل حزب البعث العربي الاشتراكي .....

قلت : ضربني قائد الدوريـة ، الضابط المـدرب على القتال القريب ، وعلى قتال الشوارع والمدن ، ظناً أنه سوف يقاتل الصهاينة في شوارع القنيطرة عاصمة الجولان المحتل ؛ وقاتلوا الشعب السوري وقتلوه ، ولم يعكروا صفو الصهاينة الذين سلموهم الجولان منذ نصف قرن ، ولم يخطر في ذهنهم ،  ولم يرد في تفكيرهم وخططهم استرجاع الجولان الحبيب ...

 ضربني بقبضة المسدس على هامتي بقوة ، فسقطت مغشياً علي ، وعندها حملني إثنان من العسكر ، أحدهما من يدي ، والآخر من رجلي ، كما تحمل الدابـة بعد ذبحـها ، إلى ( اللاندروفر ) وكوموني في أرضها ، ثم قفلوا الباب ، وانطلقت السيارة تأكل الشوارع بنهم ، حتى مبنى المخابرات العسكرية ...

ربطوا عيني ، ولم يرفعوا عنهما الرباط حتى أخلوا سبيلي ، بعد أكثر من عشرين يوماُ ،  لذلك بعد أن رفعوا الرباط ، بكيت بألم لأنني فقدت الرؤية لمدة دقائق ، ثم عادت بالتدريج ولله الفضل والمنة ، كما قيدوا يدي حتى أدخلوني في ( براكة ) أقصد بيت مؤقت بنوه من صفائح معدنية ، تصير ثلجاً في الشتاء ، وناراً في الصيف ... وكنا في حزيران حيث الحر في أشده ...

وجدت عدداً من المدرسين والمحامين والأطباء والطلاب الجامعيين  وسائر أعيان البلد سبقوني ، ويبدو أنني لم أكن البعثي الوحيد ، ولم نتمكن من التعرف على بعضنا في الأيام الأولى ، التي تركونا فيها نشوى بحـر ( البراكة ) التي حشرونا فيها ...

كان فيها ( مرحاض ) واحد فقط ، بني على عجل ، يقودنا العسكري مرة واحدة في اليوم ، لنقضي حاجتنا ، والباب مفتوح ، والعسكري على بعد مترين أو ثلاثة مننا ، يشبعنا شتماً وكلمات فاحشة وبذيئة ، وكان يشتد معي أكثر من الآخرين ...

أما كبار السن ومرضى السكر فكانوا يعطونهم علبة فارغة قذرة ، يتبول فيها كلما احتاج ، ثم يفرغها في المرحاض عندما يأتي دوره ، وكانت رائحة البول تملأ المكان ، وبقيت بضعة أيام أتقزز من رائحة البول التي غلبت كل شيء في المكان ، لكن لطف الله يجعل المرء يعتاد على واقعه ويتعايش معه ، مهما كان صعباً ، ولايموت بسهولة وبسرعة ...

كما أننا لانحتاج المرحاض كثيراً لأن طعامنا كان قطعة جبن واحدة (جبنة  مثلثات) مع نصف رغيف خبز ، مرتين في اليوم ، ومضت عدة أيام وأنا أحترق ألماً ، لماذا اعتقلوني !!؟ ماهي التهمة الموجهة لي !!؟ هل استلم الإسلاميون الحكم !!؟ وصاروا يعتقلون البعثيين !!؟ ولكن هذه الفرضية سقطت حالاً لأن معظم المعتقلين معي يصلون وأسمعهم يقرأون القرآن ، أي أنهم من الإسلاميين ....إذن اعتقلوني وهم يعرفون أنني بعثي !!! واعتقلوا عدداً من الإسلاميين معي ، فما معنى ذلك !!! ؟؟  ومازال البعثيون في الحكم !! فلماذا اعتقلوني إذن !!!

عندئذ قاطعته وقلت : يا أخ هل تسمي ذلك الحكم الذي اعتقلك ، وأهانك كما ترى وأنت بعثي ، تسميه حكماً بعثياً !!؟ إذا كان بعثياً !! فلماذا يعتقل البعثيين !!؟ يجب أن نسميه حكماً استعمارياً عميلاً لأعداء الشعب السوري ،حكماً صفوياً مجوسياً وسينكشف أمره ، ويتبين ما أقوله للقاصي والداني ، ونسميه النظام الأسدي ...

قال : والله ، أنا لا أرى أنه يمت للبعث بصلة ، لأنه لم يترك ذرة من الحرية أو الوحدة أو الاشتراكية ، محق شعارات الحزب كلها ، يعتقل الشاب والشيخ والمرأة والطفل ، يعتقل العامل والفلاح ، والمدرس والطبيب والمهندس ، يعتقل كل سوري يعيش في سوريا ، وآثر البقاء فيها ...

قلت : اسمح لي أن أقول لك أن حافظ الأسد استخدم حزب البعث سلماً صعد عليه ، واستخدمه حتى وصل مبتغاه ، ثم رماه ، وركله برجله ، وشرد مؤسسيه ، وقتل كثيراً منهم ...

وأتقن حافظ الأسد سياسة المراحل بشكل مذهل ، فقد نفذ العقيد زياد الحريري (الحموي) الانقلاب العسكري يوم (8/3/1963)، حيث ترك موقعه على الخط الأول مع العدو الصهيوني واحتل دمشق ونفذ الانقلاب العسكري ، على مرآى ومعرفة إسرائيل ، بعد أن ترك زياد الحريري موقعه في الجبهة ، وحرك لواءه باتجاه دمشق ، تحت نظر إسرائيل ومراقبتها ؛ فاحتل الأركان والإذاعة .... وأعلن البيان رقم (1) ...ولو أرادت إسرائيل لدخلت مكانه واحتلته بدون قتال ، لكن كأن إسرائيل تعرف هدف الانقلاب العسكري ، وتعرف أنه سيحقق ماتريده ...لذلك وقفت تتفرج وتراقب ، كما وقفت فيما بعد تتفرج على الجيش السوري وهو يذبح المقاومة اللبنانية ، ويسلم حدود لبنان مع الأرض المحتلة لحزب ( اللات ) الصفوي المجوسي ....

 ثم استخدم حافظ الأسد سائر البعثيين للقضاء على الضباط غير البعثيين مثل راشد القطيني وجاسم علوان وزياد الحريري وغيرهم ، ثم استخدم حافظ الأسد سليم حاطوم للقضاء على البعثيين من أهل السنة يوم (23/2/1966) وقد سموه الحركة التصحيحية الأولى؛ وعلى رأسهم الفريق محمد أمين الحافظ ، ثم استخدم زمرته المقربة من العلويين بقيادة  الرائد (  علي مدني ) ـ وهو طبل حموي مثل الطبل زياد الحريري؛ للقضاء على صلاح جديد وأزلامه يوم (16/11/1970)  بما سمي الحركة التصحيحية الثانية....

ثم استند إلى أخيه رفعت وأسرته بالذات للقضاء على من تبقى من البعثيين العلويين وغيرهم ، لتصبح سوريا ملكاً لأل الأسد ، ومن ثم لأولاد حافظ الأسد بالذات ....

يقول اللواء عبدو الديري وهو بعثي قديم : ( أمَّا عن الحريَّة في عهد الأسد وبعد 23 شباط/ فبراير 1966، فقد اعتُقِلَتْ في زنزانات السجون والمعتقلات، وعُلِّقتْ على منصَّات الإعدام بموجب قوانين الطوارئ والأحكام العرفيَّة وتعطيل القضاء. أمَّا الاشتراكيَّة، فكانت الأسوأ حظًّاً في شعارات الحزب، فقد مسخوها بفساد الاقتصاد وفساد المجتمع بعد أن استشرت ظاهرة الرشاوي وجني العمولات والمصادرات والأتاوات في كوادر السلطة وجنرالات النظام، وتفاقمت ظاهرة الفقر والبطالة، وبروز "لوردات" المال من أبناء الكادحين ممَّن ادَّعوا "الثوريَّة والعفَّة"، وكانوا قبل ذلك من ذوي الدخل المحدود ).

قال  محدثي : هذا صحيح ...

قلت : أرجو أن تستمر ....

قال :

كنا في المعتقل ننام على بطانية واحدة ، كثير منا تركها ونام على الأرض ، لأن رائحة البطانية لاتطاق ... وقد عرفت أن بعض المعتقلين يناهز الستين من العمر ، أمضى أكثر من أربعين منها في التدريس ، فتراكمت عليه الأمراض ... أعانهم الله ، وبدلاً من مراعاة سنهم وماضيهم في خدمة المجتمع ، وقد ربوا أجيالاً متعاقبة ، احترقوا لينيروا لهم الطريق ، ومع هذا يعاملون بهذه القساوة  والحقد .

وبعد ثلاثة أيام سمعت العسكري الذي يقودني إلى المرحاض يشتمني ويقول ( بعثي إخونجي ) ، فصعقت وعرفت أنني متهم بالإخوان المسلمين ، وصرت أراجع ذاكرتي لأجد الثغرات التي دخلوا منها إلى هذا الاتهام ، فلا أجد شيئاً منها ... لقد التحقت بحزب البعث وأنا في المرحلة الثانوية ، ولم تكن لي أي صلات مع الإخوان المسلمين ، أو غيرهم ...أما محافظتي على الصلاة والصوم فلا تكفي لهذا الاتهام ، ولا أجد دليلاً غيرها ...

التحقيــق :

على مدى ثلاثة أيام أسمع صراخ المعتقلين ، تحت سياط العساكر الجفاة الغلاظ ، مدرسون وأطباء ومحامون ، زهرة المجتمع ؛ يجلدون من قبل عساكر قد لايعرفون القراءة والكتابة .... ويتشفى هؤلاء العسكر الجلادون الذين فشلوا في متابعة دراستهم ، ولم يصبروا على العناء ومتابعة تحصيل العلم ، ومن ثم الشهادات مفتاح الدخول إلى المجتمع في عصرنا ،  يتشفى هؤلاء العساكر الجهلة  بخيرة أبناء البلد الذين واظبوا على الدراسة والجامعة وحصلوا على مراتب اجتماعية عالية ...وكنت أراجع نفسي وأقول : أهؤلاء يحكمون باسم حزب البعث العربي الاشتراكي !!!؟  باسم الوحدة والحرية والاشتراكية !!؟ أي حرية هذه !!! أهؤلاء يحكمون باسم الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة !!!؟ عندما يجلد المواطن قبل أن يعرف اسـمه !!؟ وقد يموت تحت التعذيب قبل أن يسأل عن اسمه!!! ... يجلد المواطن حتى يشرف على الموت لأنه قريب أحد المتهمين !!؟ فأي حريـة هذه !!؟ لقد لطخوا سمعة الحزب ، وسودوا صفحاته لدى الشعب ... ودفنوه في مزابل التاريخ ؛ فلن تقوم له قائمة بعد اليوم  ...

وقد جاء الملحق رقم (1) في تقرير منظمة رقيب الشرق الأوسط لعام (1990) تحت عنوان أنواع التعذيب في سوريا : قائمة منظمة العفو الدولية ...

يقول التقرير : فيما يأتي تفاصيل التعذيب والمعاملة السيئة التي تجمعت لدى منظمة العفو الدولية خلال سنوات عديدة من السجناء والمحتجزين السابقين ...مع ملاحظة أن هذه الأنواع لم تستعمل كلها مرة واحدة ، ومع سجين واحد ...

1 – الضرب على جميع  أقسام الجسم باللكم والصفع والركل والرفس ، باستعمال قبضة اليـد والأقدام وحبال الجلد والأحزمة والعصي والأسواط والمطارق والكيبلات الفولاذيـة المضفورة أو الكيبلات داخل الأنابيب البلاسـتيكية ذات النهاية المفتوحة والمهترئـة .

2 – الدولاب : تعليق الضحية بشدها إلى دولاب مشدود في الجدار أو السقف وضربها ( رجلاً أو امرأة ) بالعصي والهراوات والكيبلات أو الأسواط .

3- الفلقـة : الضرب على باطن القدمين ( بالعصي أو الأسواط أو الكابلات حتى تتمـزق القـدمين ، وتنزف منها الدمـاء ، ومن ثم تتورم ، ولايتمكن السجين من المشي عليها .

4 – بسـاط الريـح : شـد وثاق الضحية إلى قطعة خشب لها شكل الجسم البشري ، ومن ثم ضربها ( رجلاً أو امرأة ) أو توجيه صدمة كهربائية إلى كل أجزاء الجسم .

5 – الشــبح : شـد وثاق الذراعين خلف الظهر ، وتعليق الضحية ( رجلاً أو امرأة ) من ذراعيها الموثقتين أو القدمين ، وتضرب بالعصا أو توجه لها الصدمات الكهربائية .

6 ـ العبـد الأسـود : شـد وثاق الضحية إلى آلـة متحركة عندما تتحرك تطلق سـيخاً معدنياً يدخل في مخرج ( دبـر ) الضحيـة .

7 – الكرسـي الألماني : كرسي معدني له أجزاء قابلة للحركة يشد غليها وثاق الضحية من اليدين والقدمين ... يتجه مسند الكرسي الخلفي إلى الوراء فيسبب توسعاً كبيراً في العمود الفقري وضغطاً مؤلماً على هنق الضحية وأطرافها . ويقال أن نتيجة هذا التعذيب حصول حالة يصعب فيها التنفس حتى يحصل الاختناق ، مع فقدان الوعي ، وفي بعض الأحيان تتكسر الفقرات .

8 – الكرسي السوري : وهو تعديل  أدخله خبراء  التعذيب السوريون على الكرسي الألماني حيث أضيفت له شفرات معدنية على الأرجل الأمامية للكرسي في موضع شـد قدمي الضحية مسببة نـزفاً دموياً حاداً في رسـغ القـدم ، وكاحله  .

9 – استعمال وسائل محلية الصنع لحرق أجزاء من الجسم كالصدر أو الظهر ، أو الأعضاء التناسلية ، أو الأرداف أوز الأقدام ... مثل المراجل الكهربائية ( أوعية مياه حارة ) حيث يضغط جسم الضحية إلى داخلها ... ومنها مواقد البارافين المغطاة بقطع معدنية يكره الضحية على الجلوس عليها .... ومنها الحديد المكهرب ... وأدوات اللحام الكهربائية الأخرى ..

10 – الغســالة : طبل مغزلي أجوف يشبه حوض ماكينة الغسيل المحلية الصنع ، حيث تجبر الضحية على مـد يـديه أو يديها إلى داخله حتى يدخل الذراعين كلهما مما يؤدي إلى سـحق الذراعين أو اليدين والأصابع .

11-  الحـرق : وضع قطعة من القطن أو الصوف مبللة بالنفط على مختلف مناطق الجسم ثم إشعالها ، أو سكب النفط على قدمي الضحية وإشعالهما ..

12 ـ ثـقب ظهر الضحية أو صدرها بقضيب معدني مدبب وساخن .

13- إطفاء السجائر في الأجزاء الحساسة من الجسم ، واستعمال الولاعات لحرق اللحى أو الشارب أو شعر أي منطقة في الجسم .

14 – استعمال الكهرباء في إي جزء حساس من الجسم بما في ذلك الأذنان والأنف واللسان والرقبة واليدان والأعضاء التناسلية والمخرج والقدمان .

15 – استعمال الأملاح والمواد القلوية ( المحاليل الحامضية ) مع جروح الضحية وحرقـها .

16 – تشريط وجـه الضحية الشفتين والأذنين والأنف ، بسكين حادة أو موسى الحلاقة .

17 – إجبار الضحية على الوقوف حافية القدمين إلى الجدار ويداها موثوقتان فوق الرأس ، وسحق القدمين

18 – النفـخ الموجـه إلى مناطق حساسة في الجسم ، ومنها الوجـه .

19 – تعليق الضحية من اليدين والقدمين إلى عمود السرير أو الدرابزون وضربها ( رجلاً أو امرأة ) .

20 – الفـروج : شـد الضحية إلى مزلاج دوار من الخشب يشبه شريحة الدوست وجعلها هدفاً للضرب بالعصي .

21 – تعليق الضحية من العنق بطريقة لاتكسر الفقرات .

22- تعليق الضحية بمراوح السقف وضربهم وهي تدور .

23 – الاستلقاء بكامل الثياب في ( بانيـو ) ماء ليلة كاملة .

24 – صب المــاء الساخن من الدوش بشكل متوالي ، ثم يعقبه ماء بارد جداً .

25 – قـرص الجلد أو لف الشعر بالكلابتين ( البلايس ) .

26- قلع أظافر اليدين والقدمين .

27- الاغتصاب الجنسي أو الاعتداء على الحرمات وهتك العفـة .

28 – الجلوس فوق أعناق القناني أو دفع القناني أو العصي داخل الشرج والمستقيم .

29 – الوقـوف على رجـل واحـدة مـدة طويلـة جداً ، أو الجري مع حمل أثقـال .

30 – إبقاء الأنوار الساطعة والضحايا في النوم لمدة أيـام .

31 – استعمال مكبرات الصوت لنقل الجلبة والضوضاء والموسيقى الصاخبة ، وعويل ناس يتعذبون ويصرخون .

32- العزل التام في زنزانة صغيرة مظلمة من غير اتصال مع أي إنسان لمدة أيام .

33 – تغطيس رأس الرجل أو المرأة في الماء حتى لحظة الاختناق .

34 – المكسالة : الاضطجاع على الظهر في مواجهة شفرة تتقدم نحو الضحية قبل أن تمس العنق مباشرة .

35 – تهديد الضحية بأحد القارب ( رجلاً أو امرأة ) كالتعذيب و الاغتصاب الجنسي أو بتر الأطراف .

36 – تعذيب سجناء آخرين بحضور الضحية وأمامها .

37 – التعـري أمام الجنس الآخر ( رجلاً أو امرأة ) مع الشتم .

38 – حـرمـان الضحية من النوم أو الطعام أو الماء أو الهواء النقي أو المرحاض أو المعالجة الطبية .

39 – التعليـق في السقف من اليدين .

هذه الأصناف المذكورة من التعذيب من إنجازات النظام الأسدي التي عـَـذبَ بها البعثيين وسائر الشعب السوري .... ومن تهمه معرفة الحقيقة  فليقرأ ماكتبه محمد سليم حماد عن سجن تدمر ، حيث فصل أصناف التعذيب التي مرت عليه في سجن  تدمر ....وللعلم فسجن تدمر أصله لتأديب العسكريين المرتكبين مخالفات أمنية يحولون لسجن تدمر ، وسمعته مخيفة منذ أن أسس الجيش العربي السوري ، لكن النظام الأسدي جعله للمدنيين من الشعب السوري عامة وذوي التوجه الإسلامي خاصة ...

   *       *      *

وجاء دوري في التحقيق عندما قادني ذلك العسكري الجلف ، وهو يكرر شتمي ، ويقول ( بعثي إخونجي ) ، حتى أوصلني أمام المحقق ، فأجلسني وسمعت صوت المحقق يطلب اسمي وكافة المعلومات عني ، ومنها أسماء إخوتي وأولادهم وبناتهم  وأخواتي وأولادهن وبناتهن ، وأعمامي وأخوالي ،وأولادهم وبناتهم ، والمدارس التي التحقت بها ، والأعمال التي مارستها حتى هذه اللحظة ، وكان يختبرني بعد أن أنهيت الكتابة فيسألني : كم عدد أولاد أختك ( فلانة  ) ؟ وكنت قد عرفت ذلك من قبل لذلك كتبت الواقع الذي احفظه ولا أنســـاه ... ثم قال :

-- كيف استطعت أن تكون جاسوساً لعصابة الإخوان المسلمين في حزب البعث العربي الاشتراكي !!؟

-- أنا لست جاسوساً ، ولا أعرف أحداً من الإخوان المسلمين ..

-- لا تضيع الوقت ، وتجلب لك البطش والتعذيب ...لقد عرفنا كل شيء عنك ، وقد اعترف أحدهم ، أحد أفراد العصابة عنك ...

-- أنا لا أفهم هذا الكلام الذي تقوله ... أنا أصلي وأصوم ، والحزب لا يمنعني من ديني ، ولم يقولوا لي يوماً اترك صلاتك وصومك ...بل أنه يطلب منا كل يوم أن نهتف ( أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة ) ، فأي رسالة للأمة العربية !!؟ إن لم يكن الإسلام ؟  ومع ذلك أنا قيادي في الحزب وأمين فرقـة ، والصلاة والصوم ليست من صفات الإخوان المسلمين فقط ، ليس الإسلام ملكاً للإخوان المسلمين فقط ، وأنتم بهذا الأسلوب تمدحون الإخوان المسلمين من حيث لاتدرون ، وتلطخون صفحة حزب البعث العربي الاشتراكي بالعار ... الصلاة فرض واجب على كل مسلم  ومسلمة ، والبعثيون مسلمون ، لا يستطيع أحد أن ينكر ذلك ... ولم تطلبوا منا يومأ أن نترك الصلاة ، ولو طلبتم لتركنا الحزب وأنتم تعلمون ذلك .... لأن ديننا لامساومة عليه ، بل أكدتم لنا دوماً أن الرسالة الخالدة التي يرفعها الحزب شعاراً له ؛ هي الإسلام ...

-- ( ضحك وهرب من السؤال ) وقال : هذه الصلاة والصوم خربت بيتك ، وشدت لك التهمة ، تهمة عصابة الإخوان المسلمين ...

-- لا يستطيع أحد أن يمنعني من أن أكون بعثياً يحافظ على صلاته وصومه، والبعث ليس حزباُ ماركسياً ، بل هو حزب قومي عربي ، يؤمن بأن الإسلام وحد العرب وجمع كلمتهم ، وحررهم من الفرس والروم و ....

-- و....انتهى دوره يا رفيق أو يا أخ ...انتهى دور الإسلام ، هذا هو فكر البعث ، وإذا كنت تعتقد أن دور الإسلام باق ولم ينتـه فأنت رجعي ، لاتصلح لحزب البعث ....

ـ إذا قلنا انتهى دور الإسلام ، كأننا نقول انتهى دور الأمة العربية ، لأن العرب لم يصبحوا أمة إلا مع الإسلام ، كانوا قبائل متناحرة يقتل بعضهم بعضاً ، ويأكلون الجعلان من شدة فقرهم ، فلما حملوا الإسلام صاروا خير أمة أخرجت للناس ، وإذا تركوا الإسلام سيعودون كما كانوا قبائل متناحرة ... لامكانة لهم في مسيرة التاريخ ... وهذا خطير جداً لأنه يلغي دور حزب البعث العربي الاشتراكي ، الذي يهتف كل صباح أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة ....أم أنكم تريدون أن تحذفوا الإسلام من مضمون الحزب ، لتضعوا الاشتراكية بدلاً منه !!!؟ إنكم تخلطون بين حزب البعث العربي الاشتراكي ( القومي العربي ) تخلطونه بالماركسية ، بل إن حقيقتكم الماركسية ، فأنتم ماركسيون ، وتكذبون أو تضحكون على العرب بأنكم قوميون !! وليس بعربي من ينكر أن العرب يحملون الرسالة الخالدة ، يحملون الإسلام للعالم أجمع ، وصاروا أمة موحدة ذات وجود بين الأمم عندما حملوا الإسلام الذي وحدهم بعد أن كانوا قبائل متنابذة .... يأكل القوي الضعيف ، ويقتل بعضهم بعضاً من أجل داحس والغبراء ، عشرات السنين ، يأكلون الجعلان ، وتعشعش فيهم الأمراض الاجتماعية ، حتى أن بعض الأغنياء يشتري جواري جميلات ، ويطلب منهم العمل بالزنا ، ليجمعن المال ويدفعن له حصة من هذا المال ، أي خسة ونذالة بعد هذا ، هكذا كان العرب قبل الإسلام ... يتاجرون بفروج الجواري ليجمعوا المال ، لكن الإسلام طهرهم من هذه النجاسات وجعل منهم خير أمة أخرجت للناس ، حتى قادوا العالم كله ، حتى أن هارون الرشيد يرحمه الله يقول مخاطباُ السحب : ( شرقي أو غربي ، امطري حيث شئت ؛ سيأتيني خراجك ) ...

لكن كيف تتهمني بأنني من عصابة الإخوان المسلمين !!؟ وأنا بعثي منذ أن كنت طالباً في المرحلة الثانوية ، وأمين شعبة في الحزب ...

-- اعتـرف عليك أخوك في العصابة ( .....) . ما رأيك ؟

-- هذا الرجل كان طالباً معي في المرحلة الثانوية ، قبل عشرين عاماً ، ولم أره بعد أن تركنا الثانوية ، درست في الجامعة ، ولم أره أو أسمع عنه في الجامعة ....

-- أخوك في العصابة ( ......) أعتقل بسلاحه ، وهو مقاتل من الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين ، التي قتلت مئات الرفاق البعثيين ، والتي زلزلت الأرض من تحت أقدامنا ، وصرنا نرتجف من سماع اسمها ....ولم  نعرف طعم النوم الهانئ منذ أن عرفناها ، هذه زميلك فـرد من هذه العصابة ....

-- وما ذنبي أنا إذا كان هذا من الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين !!!؟

ـ أنت كنت زميله ، وصديقه ، وعلى ود وعلاقات متينة ....

ـ قبل عشرين عاماً ....ثم مضى كل منا لحاله ، ومن يومها كنت بعثياً ، وكنت أحاول ضمه إلى حزب البعث ...و ....

ـ ولكنه ضمك إلى عصابة الإخوان المسلمين ، بدلاً من أن تضمه إلى حزب البعث ...

ـ يومها لم يكن هذا الزميل من الإخوان المسلمين ، وإلا كيف كنت أحاول ضمه إلى حزب البعث ، كان طالباُ مؤدباً ومجتهداً ونشيطاً ، لذلك رغبت أن يكون معي في حزب البعث ...

ـ مؤدباً ، مجتهداً ، نشيطاً ،،، هكذا يتظاهر الإخوان المسلمون ، ليضحكوا على الناس أمثالك يا ( ......) .

  عليك أن تعتر ف بكل صغيرة وكبيرة ....قبل أن نقرر أنك جاسوس للإخوان المسلمين في الحزب ...

ـ أعترف أن هذا الرجل كان زميلي في الثانوية ، وأنني كنت أحاول ضمه لحزب البعث ...ولم أفلح في ذلك ...ثم افترقنا ...ولم أقابله أو أسمع عنه شيئاً من يومها ...

التفت المحقق إلى عسكريين من الجلادين حوله ، وقال لهم :

اسلخوه بكرباج البعثيين .... فسحبوني على الأرض من أمام المحقق ، سحبوا أمين شعبة حزب البعث كما تسحب الدابـة ، وانهالوا عليّ ضرباً بقطعة من الجلد المتين ، يترك أثراً في جسمي كلسع النار، يسمونها كرباج البعثيين  .... وشعرت بألم نفسي أشد من الألم الجسدي ، عندما تذكــرت أنهم يجلدون بعض المعتقلين ب( كابلات ) معدنية ، يتفطر اللحم تحت ضرباتها ، وصرت أفكر في كرباج البعثيين ، وهذا أكد لي أنه يوجد غيري من البعثيين في المعتقل ، حتى خصصوا لهم كرباجاً خاصاً للبعثيين ... ، هكذا هو النظام الأسدي خصص كرباجاً خاصاً للبعثيين ، وبالتأكيد أخف ألماً من كرباج الشعب السوري ،وزاد عجبي وحيرتي !! من هؤلاء !!؟ الذين يبطشون بالشعب ، بكل فئات الشعب ، حتى البعثيين ... وقد خصصوا ( كرباجاً ) لهم ، سموه كرباج البعثيين ، هل هؤلاء من البعثيين !!!؟ غريب جداً !!؟ هل يبطش البعثيون برفاقهم بهذه الكرابيج !!؟  لكن الله عزوجل يعين البريء على البلاء ، فتخدرت أطرافي ولم أعد أحـس بالضرب عليها .... لكنني لم أستطع الوقوف على قدمي بعد انتهاء حفلة الضرب بكرباج ( البعثيين ) لذلك سحبوني إلى الزنزانة الجماعية سحبا ً، كما تسحب الدابة ، وقد اعتادوا على سحب المواطنين المتهمين بهذه الطريقة ، وتبلدت مشاعرهم ، فلا يتحرك لهم ضمير عندما يسحبون مثقفاً أو طبيباً أو مهندساً أو عالماً ، وكلهم من وجهاء البلد .... بل حتى عندما يسحبون البعثي الذي قام النظام الأسدي على أكتافهم ، ووصل إلى تملك سوريا لعائلة الأسد  ....

    بعد جهود مضنية ، وبعد عدة أسابيع ، تمكن أحد أعضاء قيادة فرع حزب البعث العربي الاشتراكي ، ممن يثقون بهذا الرفيق المعتقل ، ويعلم علم اليقين أنه بـريء من هذه التهمـة ، تمكن من الوصول إلى فرع المخابرات العسكرية ، حيث يعتقل الرفيق أمين الشعبة ، وتواضع العقيد يحيى زيـــدان  مدير فرع المخابــرات  العســـكرية فاستقبله ،بعد عدة وعود استمرت عدة أيام ، سمح له بمقابلة الضابط المحقق ، ليقنعـه أن هذا البعثي ( أمين الفرقة ) عضو في عصابة الإخوان المسلمين ...

- وبعد أن أعلم مدير فرع المخابرات العسكرية الضابط المحقق ، بأن عضو قيادة فرع الحزب يريد مقابلته ، جلس المحقق مع ذلك الضيف ،

 بعد أن سحبوا البعثي المتهم من عنده وقال المحقق  :

 خمس شبهات دامغة تدل على أنه من الإخوان المسلمين :

الشبهة الأولى : أنه مواظب على الصلاة والصيام مذ كان طالباً في المرحلة الثانوية ، ولكنه يدافع بجرأة على أن الحزب لايمنعه من الصلاة والصوم ، ويقول أن رفاقه وقادته البعثيين يعرفون ذلك ، وأنه يعرف قادة بعثيين يحافظون على صلاتهم وصومهم ، ومع ذلك رقوه في الحزب حتى أمين فرقـة ، ولذلك تبقى هذه شبهة لدينا ، بل قرينة ، وفي وحدات الأمن نراها كافية لإثبات التهمة على أنه من الإخوان المسلمين . ويجب أن نأخذ بالشبهة كي نحافظ على النظام الأسدي ضد أعدائه الرجعيين ....

الشبهة الثانية : أنه لا يشرب الخمر ، وقد حضرعدة مـرات مع الرفاق الذين شـربوا وسكروا ، ولكنه أصر أن لايشرب الخمر، وبعد التمعن نجد أن هذه الصفة تكاد تكون خاصة بالإخوان المسلمين ، فالبعثي يشرب البيرة مثلاً ويساير رفاقه ، بل يشرب قليلاً من الخمر للمسايرة ، أما الإصرار على عدم الشرب ، على مبدأ ( ما أسكر كثيره فقليله حرام ) فهؤلاء هم الإخوان المسلمون .... ولولا قليل من الرجال الذين يتشبثون بالقيم والأخلاق البالية ويترفعون عن شرب الخمر ؛ حتى لو كانوا بعثيين !! لكانت هذه الشبهة قاطعة ودامغة  . وقد حضرت مرة حفلة غداء فيها عدة ضباط أحدهم تبين لنا فيما بعد أنه من الإخوان المسلمين ، وهو الوحيد الذي أصر أن لايمسك الخمر بيده ، وأما الآخرون فتناول أحدهم( ضابط احتياط ) كأساً صب فيه قليلاً من العرق البلدي ومزجه بالماء وقال : معدتي مريضة وأكد علي الطبيب أن لا أشرب الخمر لكن هذه كي لاتقولوا أنني  من الإخوان المسلمين[4] ، وأما الضابط العامل ( شاب صغير ) فقد فهم أنه  إن لم يشرب سوف يسرح من الجيش ، لذلك اصفر وجهه وازرق ثم شجع نفسه وقال : هات صب خيو إذا جنوا ربعك عقلك ما ينفعك ، والنقيب البعثي ( الدرزي ) ضابط الأمن يراقب بجد وانتباه ...ليتعرف على الضابط العامل قبل أن يثبت بعد ترفيعه إلى الملازم أول ....

الشبهة الثالثة : أن زوجتـه محجبـة كما تلبس نساء الإخوان المسلمين ، وإن كانت تختلف عنهن في كشف وجهها فقط ، ومع أن كثيراً من النساء يتمسكن بهذه القيم والتقاليد البالية ، والتي عجز الحزب عن تجاوزها ، ونشر الحرية ومنها تحرر المرأة من هذه القيود .

الشبهة الرابعة : وهي الأقوى أنه كان زميلاً لهذا المعتقل ، الذي ضبط مع سلاحه ، يقاتل مع عصابة الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين ، التي قتلت مئات البعثيين . ودوخت النظام الأسدي في عامي (1979) و (1980) ...

الشبهة الخامسة : أنه داوم على درس ليتعلم التــلاوة والتجويد ، وكان معه في هذا الدرس هذا العنصر المعتقل ...

قال عضو قيادة الفرع :

أما هذه الشبه الخمسة يا سيادة الضابط فلا ترقى إلى درجة اليقين ، واسمح لي أن أرد عليها :

في الحزب لانمنع أحداً من الصلاة والصوم ، صحيح أننا لانشجع عليها ، ونهزأ ممن يتمسك بها بهدوء ،وبدون ضجيج ،فلا نوفر مكاناً للصلاة في دوائرنا الحزبية ، ونهزأ بهدوء ممن يصلون ويصومون ، وصحيح أن معظم البعثيين لايصومون ، بل يسكرون  ويعربدون في رمضان نفسه ، ولكننا لانمنع أي رفيق من الصلاة والصوم ، بل نرى أنه من مصلحة الحزب أن  يكون بعض رفاقنا مثل هذا المعتقل عندكم ، بعثي يصلي ويصوم ، وزوجته محجبة ، كي يرى عامة الناس أن بعض البعثيين يصلون ويصومون ، وأن البعث ليس حزباً ملحداً أو ماركسياً ...!!! ولا تنس يا رفيق أن معظم  شعبنا يصلي ويصوم ، وحتى من لايصلي ولايصوم يحترم هذا النوع من الناس الذي يصلي ويصوم ...ولم نستطع حتى اليوم  تحرير الشعب من هذه القيم البالية ... على الرغم من معسكرات الشبيبة ، وتشجيعنا على الاختلاط ، وتحرر المرأة  ولم نستطع القضاء على هذا السلوك المتجذر في الشعب ، أقصد الصوم والصلاة والحجاب وعدم الاختلاط وأمثالها ....

ونفس الحجة عندي على شرب الخمر ، حيث أن من مصلحة الحزب أن يكون من رفاقه من لايشربون الخمر ، لأنها صفة وسلوك مشين لدى عامة الناس ، حتى لو كنا نختلف معهم في هذا التقييم ، لكن نحن مضطرون أن نجاري عامة الناس في تفكيرهم وثقافتهم ، ولا يجوز أن ننفصل ونبتعد عنهم ...

أما أن زوجته محجبـة ، فأغلبية النساء في سوريا محجبات ، أو قل رجعيات ، والمتحررات منهن قليلات جداً ، وهذا يحتاج إلى جهود تمتد حتى الجيل الصاعد ، ونحن نعمل على هذا بجد ودأب كما ترى في مؤسسة الطلائع والشبيبة واتحاد الطلبة وغيرها ...حيث نربي جيلاً متحرراً من هذه القيم البالية ، ونعقد له المعسكرات والدورات لنسلخه من ماضيه المتعفن الرجعي ...

أما أنه كان زميلاً لهذا الذي هو من عصابة الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين ، وقد عرفت أنهما كانا في المرحلة الثانوية ، أي قبل عشرين عاماً ، وهذا الرفيق المعتقل عندكم انتسب للحزب منذ بداية المرحلة الثانوية ، أي أكثر من عشرين عاماً ، فهذه شبهة ضعيفة جداً ، بل هي الشبهة الأضعف ، فهل نحاسب الرفيق على أصدقائه قبل عشرين عاما!!!؟؟؟ .

وأما درس التجويد والتلاوة ، فهل كان الشيخ الذي درسهم التجويد من الإخوان المسلمين ؟ أم لم يكن منهم ؟ هل عرفتم ذلك ؟

عرفنا أنه ليس من الإخوان المسلمين ، وقد أحضرناه ، فلم يتذكر هذا الطالب الذي كان عنده في درس التجويد قبل عشرين عاماً ...أي أنه لم يكن مهتماً به ، ولو كان من الإخوان المسلمين لحرص على هذا العنصر الذكي والنشيط ...ولكن عدم تعرفه عليه يدل على أنه غير مهتم بـه ...

إذن كل ما عندكم  يا سيادة الضابط شبهات لا ترقى إلى درجة اليقين ، فكيف يعتقل بعثي ( أمين فرقة ) بهذه الشبهات !!؟ وياحبذا لو اعتقلتموه من بيتـه ليلاً كما هي عادتكم ، وإنما من الخزي والعار أن تعتقلوه من مكتب حزب البعث ، ومن اجتماع حزبي ، فهتكتم ستر الحزب وشرفه وتجاوزتم على الرفيق بدون أدلة ، مجرد شبهات فقط ...

غريب منك ذلك يا رفيق !!! ألا تعلم أن اللواء صلاح جديد ، الأمين القطري لحزب البعث سابقاً ، معتقل منذ عقد من الزمن !!! هل هذا رفيقكم يصل إلى قدمي صلاح جديد !!؟

الرفيق صلاح جديد معتقل بعد معركة حزبية مع سيادة الرئيس حافظ الأسد ، وقد أراد طرد الرفيق حافظ من منصبه كوزير للدفاع ، وكاد يصل هدفه ، ولو ترك طليقاً وصل مايريد ، فذلك يستحق الاعتقال ، وهذه ليست شبهه بل واقـع باشره الرفيق صلاح ، وكاد أن يحققه لولا أن الرفيق ( أبو سليمان ) كان يقظاً ، وكان بالمرصاد !!!

قام المحقق معلناً نهاية اللقاء مع الرفيق عضو مكتب الفرع ، وهو يتمتم :

عندنا في الوحدات الأمنية ، شبهة واحدة من هذه الشبهات الخمس كافية ليقذف المتهم بها إلى سجن تـدمر مع بقية الإخوان المسلمين .

    *    *     *

   

الدكتورة فـداء أكرم الحوراني ، مديرة مستوصف الحوراني في حماة ، وابنة الزعيم المؤسس لحزب البعث العربي الاشتراكي ، الأستاذ أكرم الحوراني ، والذي توفي خارج سوريا ، ولم يسمح حافظ الأسـد بدفنـه في سـوريا ، فدفن في عمان عاصمة المملكة الآردنية الهاشمية ، وكان معظم المشيعين لـه في جنازتـه من الإخوان المسلمين السوريين اللاجئين في الأردن الشقيق ، ليس حباً واحتراماَ له ، وإنما حرصاً على هيبــة  الشعب السوري ، عندما تخرج جنازة سوري مثل أكرم الحوراني ، ويمشي وراء الجنازة بضعة رجال فقط .

الدكتورة فـداء أكرم الحوراني ، درست الطب في جامعة بغداد ، وتزوجت بطبيب فلسطيني ( قومي الاتجاه) ، وكان يعمل في مستوصف الحوراني بحماة ، مع زوجتـه المناضلة الدكتورة فـداء أكرم الحوراني ، ولكـن الدكتورة فـداء أغضبت السلطة والنظام الأسدي ، عندما انتظمت في مؤتمر إعلان دمشق ، ثم قبلت أن تكون أميناً عاماً لـه ، فماكان من النظام الأسدي إلا أن اعتقلها ، ورحل زوجها خارج سوريا ، وربما للمرة الأولى في التاريخ تطرد سوريا عربياً من أراضيها ، فقد كانت سوريا ، كما كانت عراق صدام حسين بلداً للعرب كل العرب ... وهذه واحدة من حسنات سوريا الكبيرة جداً ، وهي أنها تسمح لأي عربي بدخول أرضها والإقامة فيها ....

وأذكر أن مواطناً عربيا جزائرياً ، كان طالباً لي ، زارني عام (1980م)  في سوريا  ، وكانت الأحوال الأمنية سيئة ، فأخذته إلى فرع الهجرة والجوازات ، وقلت لهم هذا الصديق العربي يزورني ، وقد يمكث عندي شهراً ، فما هو الإجراء اللازم ؟ قالوا : لاشيء ، يجلس في سوريا كما يشاء ، ثم يسافر متى شاء مزوداً بالسلامة ، فسوريا بلد العرب كلهم ....

فكيف يطرد النظام الأسدي الدكتور الطبيب زوج السيدة الدكتورة فـداء الحوراني ، فيخرج إلى الأردن مع أطفاله ؟؟؟ وما مدى انسجام هذا السلوك  الهمجي مع أطروحات حزب البعث ، التي ينادي بها منذ نصف قرن ، الوحدة والحرية والاشتراكية ، والأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة ، أي وحدة هذه ، عندما يطرد العربي من سوريا ، لأنه زوج السيدة المناضلة فداء الحوراني ، ابنة مؤسس حزب البعث العربي الاشتراكي ...

ثم يصدر الحكم  على الدكتورة فداء بالسجن سنتين ونصف ، لأنها أوهنت سمعة النظام في سوريا !!!

فهذه الدكتور فـداء البعثية ، ابنة مؤسس حزب البعث الأستاذ أكرم الحوراني ، تقبع في سجون الأسد ، وقد صارت بدهية أن تجد البعثي في سجون الأسد ، وسأحاول أن أستعرض عدداً من البعثيين في الماضي والحاضر سجنوا في سجون الأسد ، لأؤكد أن النظام الأسدي ضـد البعثييـن ، وضد العلويين ، وضد الشعب العربي والكردي السوريين .....

    *     *      *

ـ روى لي الأخ أبو بدر يرحمه الله وهو أحد المدرسين من زملاء محمد رباح الطويل في المرحلة الثانوية في سوريا، ( والطويل عضو قيادة قطرية ، ووزير داخلية سابق ، من رفاق حافظ الأسد المقربين منذ المرحلة الثانوية )،  و هذا المدرس الذي يروي الخبر من جماعة الإخوان المسلمين، التقى مع محمد رباح الطويل في سجن المزة العسكري، وكلاهما معتقل، في السبعينات، وتحدث الزميلان القديمان مع بعضهما وقال محمد رباح الطويل موصياً زميله الإخواني : سلم لي على والدتي، لما تخرج، وطمنها عني، وقل لها صحتي جيدة والحمد لله، ولاتقلق علي ، أكل ومرعى وقلة صنعة ، فأجابه الإخواني : سبحان الله، أنا وأنت في السجن، وأنت البعثي الوزير، تظن أن يفرج عني قبلك !!!؟ فأجاب محمد رباح الطويل : أنا لن يفرج عني، وسوف أموت في السجن، وسوف أشرح لك لماذا ؟ كي تصدق، وكي تحفظ هذه الشهادة للتاريخ، أنا شاهد على جريمة العصر، وسوف أموت في السجن، وهؤلاء الرفاق معي، كلنا سنموت في السجن، لأننا شهداء على جريمة العصر !!!؟

قال أبو بدر المدرس الإخواني متلهفاً : وماهي جريمة العصر !!؟ أجاب محمد رباح الطويل :

في عام (1966) حضر من الولايات المتحدة الأمريكية وفد من اليهود الصهاينة الأمريكان، ووصلوا إلى دمشق لأنهم يحملون جوازات سفر أمريكية، وجنسياتهم أمريكية أيضاً، وكلهم من كبار أثرياء العالم، جاءوا يعرضون علينا في القيادة القطرية أن نؤجرهم هضبة الجولان، أو نبيعها ونطلب الثمن الذي نريد !!! ورفض هذا الطلب بالإجماع من القيادة القطرية، وسافر الوفـد إلى بيروت تمهيداً لعودته إلى واشنطن، وهضبة الجولان مزعجة جداً للعدو الصهيوني لأنها تطل على شمال الأرض المحتلة كلها ،ــ  وكتب الله لي أن ازور الجولان مع الاتحاد الوطني لطلبة سوريا عام ( 1963) ،وأرى بام عيني كيف يسيطر على شمال الأرض المحتلة ، وشمال فلسطين ( طبريا ، وسهل الحولة ) تحت مرمى نيران مدفعية الميدان السورية ، المنصوبة في الهضبة ، لذلك رأى الصهاينة ان يتخلصوا من ذلك الوضع المزري بأي ثمن ...ولم يتمكنوا من ذلك إلا في حرب حزيران (1967) ...عندما تآمر معهك حافظ الأسد وسلمهم الجولان ...

 وفي بيروت لحقهم وزير الدفاع يومذاك حافظ الأسد، ووبخهم على جهلهم في الأمن والسياسة ، فكيف يطلبون هذا الطلب من عشرين عضواً ، يشكلون القيادة القطرية ،  حتى لو أن بعضهم يوافق على هذا الطلب !! لايجرؤ أن يصرح برأيه أمام رفاقه الآخرين ..لأن كلأ منهم يزاود على الآخرين بالوطنية والنزاهة ...  

وتابع يقول حافظ الأسد : مثل هذا الطلب يطلب من واحد أو اثنين فقط ، يطلب من شخص فاعل يستطيع أن ينفذ ما وعد به ... اطلبوه مني ــ أنا وزير الدفاع ــ  (1966) الرجل القوي في سوريا اليوم، وتعهد لهم بتسليمهم الجولان، وتعاقدوا على أن يساعدوه بواسطة المخابرات المركزية الأمريكية على استلام الحكم في سوريا، ثم تثبيت حكمه فيها، وتعهد لهم بتسليم الجولان، وحصل على سلفة مقدماً، عشرات الملايين من الدولارات وبقية الدفع عند الاستلام ...

وهكذا كانت حرب (1967) كما عرف العالم كله أنها( استلام وتسليم ) . وكلكم تعرفون إذاعة بيان سقوط القنيطرة، وكلكم تعرفون مجرى الحـرب .. الحرب الخيانة، التي اعتقلنا نحن عندما قررت القيادة القطرية تنحية حافظ الأسد عن وزارة الدفاع، ومصطفى طلاس عن رئاسة الأركان، وهذا أقل مايجب فعلـه لنحفظ ماء وجـه الحزب، فكانت النتيجة كما ترى، الحركة التصحيحية التي اعتقل فيها حافظ الأسد رفاقه أعضاء القيادة وزجهم في السـجن، ولن يخرجوا إلا أموات كما أعتقد . (انتهى كلام رباح الطويل ).

[والأغلب أنه أجرها للصهاينة لمدة ثلاثين عاماً] . وقد لاحظنا في عام (1997) أي بعد ثلاثين عاماً على حرب حزيران (1967) حيث سلمت الجولان للصهاينة، لاحظنا حافظ الأسد يجتمع وحده مع كلينتون في جنيف، مدة ساعات، اجتماعاً منفرداً وحدهما فقط ، ويخمن بعض السياسيين أن الصهاينة ممثلين بكلينتون عرضوا عليه تمديد المدة ثلاثين سنة أخرى، أو حتى إشعار آخر مقابل مساعدة حافظ الأسد على توريث الحكم الجمهوري لولده بشار . وكان في مشكلة بعد هلاك ولده باسل الذي أعده منذ نعومة أظفاره ليورثه حكم سوريا ، لأنها صارت ملكاً له ولأولاده ... ومشكلته أن بشار لايملك مؤهلات الحاكم  الكفؤ إذا ماقورن بأخيه باسل ، الذي اختطفه الموت رأفة ورحمة بالشعب السوري ، الذي كان سيرضخ لحكم باسل وحافظ ابن باسل ، وباسل ابن حافظ وسيستمر حكم العائلة الأسدية إلى ماشاء الله ....

وقد لاحظنا ( مادليـــن أولبــــرايت ) وزيــــرة الخارجية الأمـريكيــــة  ( الصهيونية ) يومذاك ؛ تحضر جنازة حافظ الأسد، وتجتمع ببشار بضع ساعات على انفراد كذلك، بشار الذي لايهتم بغير الحاسوب وبرامجه والانترنت ، ولا تغادر وزيرة الخارجية الأمريكية دمشق إلا بعد أن اطمأنت على تثبيت بشار خلفاً لحافظ الأسد، كما ظهر في المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث (2005) أن مصطلح الجولان لم يذكر في هذا المؤتمر البتـة .

      *     *    *

عندما تشكلت اللجنة العسكرية في مصر عام (1959) تقريباً كان الرائد محمد عمران رئيساً لها لأنه أكبر الأعضاء سناً وأقدمهم رتبـة ، وهم حافظ الأسد ، صلاح جديد ، عبد الكريم الجندي ، محمد عمران ، محمد الميـر .

ومحمد عمران علوي من المخرم شرق مدينة حمص، يحب المطالعة، ودمث المعاملـة، درس في مدينة حماة كما يقول الأستاذ عدنان سعد الدين يرحمه الله تعالى في المجلد الثالث من مذكراته .

كان محمد عمران يريد المصالحة مع الناصريين، وعارض استخدام الدبابات في حماة (1964)، وساءه بروز محمد أمين الحافظ كثيراً، وكان محمد عمران يرى أنه أكثر معرفة بأهالي حماة، وكان يعتقد أنه يمكن كسب أهالي حماة بدلاً من إخضاعهم بالقوة، وكان عمران يحجم عن سفك الدمـاء، وكان حافظ الأسـد ينصت لعمران وجديد عندما يتجادلان، وتحالف فيما بعد مع جديد، ( ويرى فيما بعد أن هذا التحالف مع جديد كان إلهاماً)  [يقصد أنه كان عليه أن يقف مع الأقوى، كي يبقى ويستمر حتى تصل له الغنيمة باردة بعد أن يتخلص من جميع زملائه . ولو أنه وقف مع عمران ضد جديد لانتهى مع عمران، وليته فعل ذلك ...،]،  وفي كانون الأول رفع حافظ الأسد إلى رتبة لواء وعين قائداً للسلاح الجوي [رفع المرة الأولى من نقيب إلى مقدم،في (8/3/1963)  والمرة الثانية من مقدم إلى لواء (1965)، والثالثة من لواء إلى فريق، ويلاحظ أنها كلها ترفيعات استثنائية، بدون حق. وكانوا يومها فيهم بقايا حياء، أما زمن بشارالأسد فقد رفع من طبيب ( نقيب ) إلى فريق مرة واحدة .... ] .

وعندما شعر عمران بالعزلة في اللجنة العسكرية اتجه إلى القيادة القومية للحزب، وعندئذ خالف عمران العهد وباح لعفلق بسر اللجنة العسكرية [وكانت اللجنة العسكرية تخفي تشكيلها وعملها عن حزب البعث العربي الاشتراكي .] ، وعاقبته اللجنة بتجريده من كل مناصبه، وإرساله سفيراً في إسبانيا. وقد استفاد حافظ الأسد حيث حل شقيقه رفعت مكان عمران في رئاسة القوة التي تحمي النظام،والتي صارت فيما بعد ( سرايا الدفاع ).

( وفي 23 /2/1966م) اعتقل الفريق محمد أمين الحافظ ، واللواء محمد عمران وأودع كل منهما في سجن المـزة ، ليمكثا فيه مدة سنة ونصف تقريباً ، ويفرج عنهم خلال حرب حزيران (1967م) فيغادران سوريا حالاً إلى لبنان .

وفي عام (1970) قام الأسد بحركته التصحيحية الثانية واعتقل صلاح جديد وأنصاره ويوسف زعين ونور الدين الأتاسي وغيرهم وزجهم في السـجن ، واطمئن إلى ملكية سوريا ، ولم يعد يناوئه أحد غير اللواء محمد عمران الموجود في طرابلس بلبنان .

ونوى محمد عمران العودة إلى سوريا ، لعلمه أن عدداً من الضباط الذين ساعدوا حافظ الأسد ضد صلاح جديد سوف يحمونه ولايسمحون للأسد أن يسـجنه ، وقبل أن ينطلق عائداً إلى سوريا ؛ وفي (4/3/1972) اغتيل العقيد محمد عمران أول رئيس للجنة العسكرية ، وقد كان اغتياله في لبنان ، في بيته في طرابلس ، وقيل أن القتلة من مخابرات حمص أرسلهم ( نزيه زرير ) الذي صار فيما بعد مديراً للمخابرات العامة .

أستطيع أن أقول أن محمد عمران مثال للعلويين الشرفاء، لذلك تخلص منه حافظ الأسد في وقت مبكر جداً، ورأى حافظ أن العلويين الشرفاء لايقل خطرهم عليه من خطر أهل السنة الشرفاء بشكل عام والإخوان المسلمين بشكل خاص ... فهؤلاء جميعاً لايرضون أن يباع وطنهم ، كما بيع الجولان ....ولايرضون أن تتحول سوريا من دولة جمهورية إلى ملكية وراثية مستبدة ...

               

(([1]) في عام 1982م هدمت السلطة بضعة وثمانين مسجداً، بعضها أصيب بالقصف المدفعي والصاروخي، وبعضها فجر بالديناميت عن قصد وعمد، وبعد بضع سنوات أراد أهالي الحي إصلاح مسجدهم وترميمه، ولابد من موافقة العقيد يحيى زيدان مدير المخابرات العسكرية في حماة، ولما تقدموا بطلبهم له، سألهم : من هدم هذا المساجد ؟ فسكتوا، ونظروا إلى بعضهم متعجبين من السؤال !!؟؟؟  فلم يعجبه سكوتهم، بل قال لهم إذن أنتم لاتعرفون شيئاً مما جرى في حيكم عام ( 1982م )، لقد فجرت مسجدكم عصابة الإخوان المسلمين، ويلزم أن تقدموا طلباً لي موقعاً من وجهاء الحي تقولون فيه : نرجو  الموافقة على ترميم المسجد الذي دمرته عصابة الإخوان المسلمين عام ( 1982م )، وأعطاهم ورقاً أبيض للكتابة ، وطبعاً لايجرؤ أحد أن يقول غير صحيح، أو أن لايكتب ، لأنه لو لم يفعل سيكلف نفسه ملا يطيق البشر ، ولايتحمله العقل أو يفهمه المنطق ...  وبالفعل تقدم وجهاء الحي بهذا الطلب للمخابرات العسكرية، وصار هذا تقليداً متبعـاً لكل حي يريد أن يرمم مسجده .

[2] ـ يفهم من باترك سل أن أسرة الأسد وافدة على سوريا ، وأهل القرداحة يجمعون على ذلك ؛ كما قالت لي الدكتورة سلمى بنت  الشيخ عبد الرحمن الخير ( من شيوخ العلويين في سوريا ، وهي شقيقة الدكتور عبد العزيز الخير) قالت : أهل القرداحة يجمعون على أن أســرة الأســــد التي كانت تسمى ( الوحـــش ) ثم صار اســــمهم  بيت ( الحسنة ) لأن أهل القرية يتصدقون عليهم حيث لا أرض لهم  ، وقد بنوا عند مدخل القرية ....ويرى الباحثون ومنهم ( باترك سل ) أنهم أسرة فارسية هاجرت من إيران إلى شمال العراق ، ثم انتقلت إلى جنوب تركيا ، ثم وصلت أخيرا إلى شمال سوريا  ... وقد كشفت الثورة السورية حالياً صحة هذا القول ، حيث اتحد بشار مع إيران وصاروا كلمة واحدة ويدأَ واحدة ضد الشعب العربي المسلم في سوريا...  

[3] ـ والطليعة المقاتلة ـ كما أفهم ــ شباب مؤمنون بعضهم من أبناء الإخوان ، والآخرون من أبناء الأسر الفاضلة في حماة وغيرها ...ومن تلاميذ العلماء الأفاضل ... وبالتأكيد ليست الطليعة فصيلاً يتبع الإخوان المسلمين ، أو يلتزم بأوامرهم ، وقد تأكدت من ذلك في صيف (1969أو 70 ) أن بعض شبابهم مزدوج الولاء مع الإخوان ومع الطليعة ....وذلك بأن شاب فاضل من الإخوان أجابني على سؤالي بأنه ذهب وتدرب مع فتح في الضفة الغربية ،قلت له : هل تعلم الجماعة ذلك ؟ قال : لا ...

[4] - هذه بدهية عند البعثيين ، الذي لايشرب الخمر يصنفونه من الإخوان المسلمين ، وهذا اختبار استخدموه مع بعض الضباط الذين لم تتأكد براءتُهم من الإخوان المسلمين ....وحكى لي أحد إخواننا الطيارين انهم ذات مرة كانوا في حفلة غداء ـ وشرب الجميع ، وتعاونوا عليه وصبوا الخمر في فمه بالقوة ....دون أن يشربه ، وفي اليوم التالي لم يكن غيره يصلح للطيران .... يعني لو هجم عليهم طيران العدو كلهم لايصلحون للطيران ، ماعدا واحد منهم .... الذي لم يشرب الخمر !!!