آثار انخفاض أسعار النفط على الاقتصاد التركي

خاص ترك برس

يمثل قطاع الطاقة عموما، والنفط منه على وجه الخصوص أحد العوامل المؤثرة في الاقتصاد التركي، خصوصا إذا ما علمنا أن تركيا تستورد ما يقرب من 75 بالمئة من احتياجاتها للطاقة من الخارج، وهو لذلك يعكس أثرا كبيرا على الاقتصاد ارتفاعا وانخفاضا، حيث تظهر له آثار مباشرة على معدلات التضخم والنمو والبطالة، والميزان التجاري، ورصيد العملات الأجنبية، والديون الخارجية، ومعدلات أسعار المنتجين، ورفع القدرة التنافسية للصادرات التركية، بالإضافة إلى آثار غير مباشرة على رفع القدرة الشرائية الداخلية، ومستوى الرفاهية، ونشاط السوق المحلي.

تستهلك تركيا ما معدله مليون برميل من النفط يوميا في الوقت الحالي وفقا لبعض الباحثين المتخصصين(1)، ويتوقع زيادة هذا المعدل مع الازدياد المطرد في عدد السكان، و نمو معدلات الإنتاج الزراعي والصناعي، وحكومة تركيا تتخذ سياسة لا تتحمل أعباء دعم الطاقة، فهي تتبع نظام تسعير يتماشى مع أسعارها العالمية ارتفاعا وهبوطا، وقد رفعت تركيا فعلا أسعار البنزين والنفط الأسود قبل عدة أشهر بنسبة 9 بالمئة، بعد فرض ضريبة "استهلاك خاص على أسعار المحروقات، كما قامت برفع أسعار الطاقة للقطاع الصناعي بنسبة 14 بالمئة منذ سبتمبر/ أيلول الفائت.

ولكن هذا لا يعني عدم تأثر الحكومة التركية والقطاع العام بآثار المتغيرات التي يحدثها تغير أسعار الطاقة، إذ أن الحكومة في النهاية، هي المعنية بوضع وضبط ومراقبة السياسات المالية والنقدية والاقتصادية وما يفرضه ذلك من أعباء والتزامات وواجبات وتحديات، خصوصا ونحن إزاء اقتصاد نام ونشط، حظي بإقبال واهتمام كبيرين من قبل المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال الدوليين طوال أكثر من عقد من الزمان، قبل أن يواجهه مطب هوائي تمثل في تأثر سعر العملة بفعل المضاربات والشائعات الدولية، وهو ما يفرض على الحكومة التأني والدقة في اتخاذ القرارات، والحذر من التقلبات والمفاجآت، والسعي الدائم لسد الثغرات ومعالجة نقاط الضعف التي تتشكل لأسباب داخلية أو خارجية، اقتصادية وغير اقتصادية.

الآثار المباشرة

أول وأهم هذه الآثار المباشرة يظهر في تأثير أسعار النفط على نسبة التضخم، وقبل أن نتكلم عن هذا الأمر فإن علينا أن نذهب إلى مراقبة مؤشر التضخم خالل الأعوام الأربعة الماضية، والمخطط(2) أدناه يرينا ذلك لغاية شهر أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي:

https://www.turkpress.co/sites/default/files/untitled_149.png

وبالنظر للشكل البياني أعلاه، نرى أن معدل التضخم ارتفع خالل تلك الفترة بنسب متفاوتة، ولكن ارتفاعه الأوضح جاء في الربع الثالث من العام الفائت، حيث ارتفع فيه لمستويات غير متوقعة وغير مسبوقة خلال الخمسة عشر عاما الماضية، ويعزو الخبراء أغلب هذا الارتفاع إلى تأثير أزمة انخفاض العملة التركية والمضاربات الدولية عليها والتي نوهنا عنها قبل قليل، مع أن هذا لا يعفي الأداء الاقتصادي التركي من بعض المسؤولية في ما جرى.

هذا الصعود في منحنى التضخم لم يدم طويلا، فبحسب ما نشر مركز الإحصاءات (turkstat) التركي(3)، فقد سجل معدل التضخم خلال الشهر الذي تلاه، أي تشرين الثاني/ نوفمبر 21,61 بالمئة على أساس سنوي، انخفاضًا من 25,24 بالمئة الذي سجله في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وهو مؤشر على التعافي الحذر الذي بدأ يعود إلى الاقتصاد التركي شيئا فشيئا. ووفقا لمدير المركز الاستراتيجي للدراسات الاقتصادية في إسطنبول، محمد ديميرال(4) فإن كل انخفاض لأسعار النفط الخام بقيمة 10 دولارات، سيكون له انعكاس على انخفاض مباشر في حجم التضخم في البلاد بنسبة 5،0 بالمئة، وهو ما يعني أن الانخفاض الذي شهدته الأسعار مؤخرا سيؤدي إلى خفض نسبة التضخم بمقدار 1,5 بالمئة في حالة استمرارها على وضعها الحالي مع افتراض بقاء بقية العوامل ثابتة.

المؤشر الآخر الذي يتأثر بتغير أسعار النفط هو مؤشر النمو العام السنوي للاقتصاد التركي، ووفقا للسيد ديميرال فإن كل انخفاض لأسعار النفط بقيمة عشر دولارات سيؤدي كذلك إلى ارتفاع في حجم النمو بنسبة 0,3 بالمئة، وهو ما يعني ارتفاعا قد يصل إلى 1 بالمئة في حال بقيت الأسعار وبقية العوامل على وضعها الحالي. و يصبح من نافلة القول إن انخفاض نسبة التضخم من جهة، وارتفاع نسبة النمو سيؤديان إلى خفض مستو ى البطالة في البلاد، مما يساهم في تقليل الأعباء والتبعات الداخلية وتنشيط الدورة الاقتصادية.

الميزان التجاري بين الصادرات والواردات سيتأثر هو الآخر بتغير أسعار النفط، إذ من المعلوم أن النفط يرتبط حاليا بالدولار، وهو ما يفرض على الدولة التركية أن توفر عملات صعبة كافية لتغطية احتياجاتها من النفط، وعلى فرض استمرار أسعار النفط عند مستوى 50 دولار للبرميل، فإن ذلك سيوفر على تركيا ما يزيد عن 30 مليون دولار يوميا، أي ما يقرب من عشرة مليارات دولار سنويا، مما يؤدي إلى تعديل وضع الميزان التجاري بانخفاض الواردات في مقابل الصادرات، خصوصا إذا ما علمنا أن الصادرات التركية شهدت ارتفاعا غير مسبوق، ووصلت ر قما قياسيا في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وفقا لتصريحات وزيرة التجارة التركية روهصار بكيجان(5). وهو ما سيؤدي عمليا بدوره، بالإضافة إلى تقليل الاحتياجات من العملات الصعبة، إلى خفض الدين التركي الخارجي بنفس حجم انخفاض تكلفة استيراد النفط، وهذا المؤشر يعد أحد أهم المؤشرات التي تستند عليها مراكز التصنيف الدولية عند تقييم أداء الاقتصاد التركي عموما.

القطاع الآخر الذي يتأثر بشكل مباشر هو مؤشر أسعار المنتجين (PPI) وهو مؤشر يقيس كلفة الإنتاج من مواد أولية ونقل وتصنيع، و وفقا لما نشرته وكالة الأناضول(6)، يشير تقرير صادر عن المعهد التركي الإحصاءات (TÜİK) إلى انخفاض مؤشر أسعار المنتجين في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر بنسبة 2,53 بالمئة، ومن المعروف أن النفط يدخل في مكونات الكثير من المواد الأولية ونصف المصنعة، كما يؤثر بصورة مباشرة على نقل المنتجات (الأولية والمصنعة)، وعلى استهلاك الطاقة في التصنيع، مما سينعكس إيجابا على هذا المؤشر في حال محافظة أسعار النفط وثبات بقية المؤشرات على وضعها الحالي، وهذا سيقود بدوره إلى رفع القدرة التنافسية للصادرات التركية الآخذة بالنمو باطراد.

من الطبيعي في حالة انخفاض مؤشر أسعار المنتجين أن يتبع ذلك انخفاض تدريجي – وإن كان بصورة أبطأ - في مؤشر أسعار المستهلكين (CPI)، ويشير التقرير أعلاه، الصادر عن المعهد التركي للإحصاءات إلى حصول انخفاض في هذا المؤشر في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر بنسبة بلغت 1,44 بالمئة(7)، وهو أحد أهم المؤشرات في قياس معدل التضخم والتأثير عليه، وينبغي أن يحظى باهتمام ومتابعة من قبل الأجهزة الرقابية الحكومية ومنظمات حماية المستهلك.

الآثار غير المباشرة

بالإضافة للآثار المباشرة، فستظهر آثار غير مباشرة لتغير أسعار النفط، حيث سيزيد من معدلات الادخار والقدرة الشرائية، الداخلية، ورفع منسوب الرفاهية العامة في المجتمع، وذلك كله يصب في صالح تنشيط الدورة االقتصادية المحلية.

مقترح

لغرض االستفادة المستقبلية لتركيا (دولة واقتصادا ومواطنين)، فإنني أقترح في حالة استمرار انخفاض الأسعار أن يتم تخفيض أسعار المستهلكات النفطية بنسبة 90 بالمئة فقط من معدل الانخفاض في أسعار النفط دوليا، وتجنيب 10 بالمئة المتبقية منها في صندوق خاص، يقوم بمهمتين أساسيتين، الأولى هي تغطية نسبة من تكاليف النفط في حال عودة أسعاره إلى الارتفاع عند مستوى معين يحدده الخبراء، والثانية هي استخدامها في عمليات استكشاف واستخراج الطاقة من الأرض والمياه التركية، والعمل على تطوير مصادر بديلة للطاقة.

(1) https://www.turkpress.co/node/55547

(2) www.bbvaresearch.com

(3) https://www.dailysabah.com/economy/2018/12/03/turkeys-inflation-rate-dro...

(4) https://www.turkpress.co/node/55547

(5) https://www.turkpress.co/node/55547

(6) http://www.hurriyetdailynews.com/amp/turkeys-annual-inflation-declines-t...

(7) http://www.hurriyetdailynews.com/amp/turkeys-annual-inflation-declines-t...

وسوم: العدد 806