التضامن مع شارلي إيبدو لا يعني قبول الإساءة إلى شخص الرسول الأكرم

التضامن مع شارلي إيبدو

لا يعني قبول الإساءة إلى شخص الرسول الأكرم

محمد شركي

[email protected]

يبدو أن الموقف المغربي الرسمي من الاعتداء على شارلي إيبدو كان حكيما ومشرفا في نفس الوقت من خلال اشتراط حضور وزير الخارجية التظاهرة المتضامنة مع ضحايا الأسبوعية الفرنسية الكاريكاتورية عدم رفع الصور الكاريكاتورية المسيئة لشخص الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم ، ومن خلال منع توزيع النسخ المسيئة لشخصه عليه الصلاة و السلام في المغرب . وإذا كانت عبارة " أنا شارلي " أو " نحن جميعا شارلي " التي رفعها الفرنسيون تعني التضامن غير المشروط مع ضحاياها ، فإن رفع بعض المغاربة لهذه العبارة يجب أن يكون مشروطا بشرط عدم الإساءة إلى المقدس الإسلامي . وشتان بين التضامن مع الذين قتلوا من صحفيي هذه الأسبوعية الساخرة وبين قبول إساءتهم لشخص الرسول الأكرم .

ولا يمكن استغلال ظرف التضامن مع ضحايا شارلي لتبرير وتمرير الإساءة إلى المقدس الديني في المغرب أو حتى في فرنسا وغيرها من دول العالم ، ذلك أن هذه الإساءة هي في الحقيقة إساءة إلى مشاعر كل المسلمين في العالم وعددهم مليار وثلث المليار. ولا شك أن الاستمرار في المساس بمشاعرهم هو تكريس لنشر الكراهية في العالم خلافا لما تنص عليه مواثيق الأمم المتحدة . وعلى الدولة العلمانية الفرنسية أن تراجع مفهوم حرية التعبير عندها ، والذي أصبح يستغل من أجل استفزاز المشاعر الدينية للغير والتعريض والسخرية بما يقدسونه من رموز دينية .

وإذا ما كان الإنسان في العقيدة العلمانية اللائكية الفرنسية حرا في تعبيره ، فهذا لا يعني أن حريته تكون على حساب كرامة غيره لأن ذلك يعتبر سلوكا عنصريا إذ كيف يحق للعلماني أن يستخف بعقائد غيره ؟ وهل هو مخلوق أفضل من غيره ؟ ولا يختلف استفزاز المشاعر الدينية للغير عن أنواع الاستفزاز الأخرى من قبيل التحرش الجنسي أو تسفيه وتكذيب القناعات والمعتقدات ... والسؤال المطروح على الأسبوعية الساخرة هو : هل بإمكانها أن تنشر صورا كاريكاتورية ترمز إلى معاداة السامية أو التشكيك في المحرقة اليهودية ؟ لا أعتقد أنها تجرؤ على ذلك ، وما ينبغي لها وما تستطيع . ويذكر الجميع كيف أن فيلسوفا كبيرا في حجم رجاء جارودي نبذ في فرنسا لمجرد إبداء ملاحظة بخصوص عدد ضحايا المحرقة .

وإذا ما كانت السامية والمحرقة خطين أحمرين لا يمكن للعقيدة العلمانية تخطيهما بالسخرية الدالة على التشكيك أو التعريض كاريكاتوريا ، فهناك خطوط حمراء أخرى ، وهي عبارة عن معتقدات وقناعات لأمم أخرى من المفروض أن تحترم لأن المواثيق الدولية تفرض احترام حقوق الإنسان ، ومن احترام حقوق الإنسان احترام معتقداته ومقدساته وقناعاته . ولا شك أن الأمين العام للأمم المتحدة في دعوته مؤخرا إلى تعايش الديانات يهدف إلى توجيه دول العالم وأنظمتها خصوصا العلمانية منها نحو التخلي عن أساليب استفزاز المشاعر الدينية تجنبا لتنامي مشاعر الكراهية بين شعوب العالم . وإذا كان المسؤولون على أعلى مستوى في فرنسا وعلى رأسهم الرئيس قد عبروا في تصريحاتهم عن التمييز بين العمل الإجرامي أو الإرهابي وبين الإسلام فيتعين عليهم اتخاذ قرارات جادة من أجل منع الإساءة إلى الإسلام من خلال الإساءة إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومن خلال الاعتداء على المساجد ، والتضييق على الجاليات المسلمة بإجراءات تعسفية تمنعهم من ممارسة شعائرهم الدينية بالحرية المرفوعة كشعار في بلد علماني . وأخيرا نأمل أن تكون حادثة شارلي إيبدو منعطفا هاما من أجل القضاء على ظاهرة ترويج أساليب الإساءة بين مختلف شعوب العالم بذريعة حرية التعبير.