الوثنية السياسية الفلسطينية, إلى متى

الوثنية السياسية الفلسطينية, إلى متى؟

أحمد الفلو /فلسطين

[email protected]

من الطبيعي أن قيادات الشعوب تستمد شرعيتها من  مصدرين أولهما الشرعية الانتخابية أو الشورى أو الخيار الشعبي وثانيهما الشرعية الثورية النضالية أو ما يُسمّى شرعية من يحمل البندقية للدفاع عن مصالح الشعب, ولكن من الشذوذ الذي لا يمكن تقبّله هو وجود قيادة تتسنّم قمة الهرم السياسي الفلسطيني تُدعى السلطة الفلسطينية تتكئ على عصا منظمة التحرير المكسورة , وهذا الشذوذ يعود مردّه بالدرجة الأولى إلى حالة الازدواجية التي تعيشها السلطة والمنظمة بحيث أصبح لتلك السلطة خطابين متناقضين الخطاب الأول وهو الذي تتبناه فعلياً وتتفاوض عليه مع العدو منذ ثمانية عشر عاماً ويتلخّص بأنها تحاول عقد تفاهمات مع العدو حول مصير الضفة الغربية وما تبقى من أراضيها والأوضاع المعيشية لسكانها, أما الخطاب الآخر فهو مجرد خطاب إعلامي فارغ تدّعي فيه السلطة أنها تمثّل الشعب الفلسطيني بأكمله .

    ولعل استئثار تلك السلطة وربيبتها منظمة التحرير بالخطاب السياسي الفلسطيني العام وكونها تمثل جميع أبناء الشعب الفلسطيني لم يعد حالة من الكذب والدجل المكشوف فحسب بل إنه بات يمثل خطراً داهماًً محدقاً بالشعب الفلسطيني والأرض الفلسطينية لأن تلك الزمرة المستحكمة في رام الله لم تكن ولن تكون ممثلاً لثلاثة أرباع الشعب الفلسطيني هم اللاجئون, هذا إن سلّمنا جدلاً بأنها تمثل ثُمن سكان الضفة الغربية  وبالتالي فإن تلك السلطة وأزلامها ومن خلال احتكارها لمسألة تمثيل الشعب الفلسطيني على طريقة الوكلاء التجاريين الحصريين للشركات, لا يفكرون مطلقاً بملايين اللاجئين ولا بأرض فلسطين وكل الوقائع تؤكد حالة من التكالب والسعار على الرواتب والامتيازات والمناصب,التي هي الهم الأول والأخير لأمثال عباس وقريع وعبد ربه وعريقات , وبالتأكيد فإن هكذا قيادات ليست مستعدة للتنازل عن الوطن والقدس واللاجئين فحسب, بل إنهم متأهبون دوماً للعق أحذية الإسرائيليين.

    أما الأزمة التي تم حشر الشعب الفلسطيني بها فهي تلك الهالة من القدسية التي تم إضفائها على منظمة التحرير وعدم المساس بها والخطوط الحمراء التي تم رسمها حولها وتجريم كل من يتحدث عن إيجاد مرجعية وطنية بديلة عن تلك المنظمة , تماماً كما مررنا بتجربة مريرة سبقت ذلك وهي تقديس ياسر عرفات وتخوين من ينتقده بل جعلوه رمزاً خالداً للفلسطينيين لنكتشف بعد ذلك أنه كان أول من اعترف بالكيان الصهيوني وحق اليهود في دولة على 80% من فلسطين على أن يتم التفاوض على 40% من أراضي الضفة , وأنه السبب في طرد نصف مليون فلسطيني من الكويت وما تبع ذلك من تدمير للبنية الاقتصادية والاجتماعية لملايين الفلسطينيين وجعلهم ينتظرون المساعدات الأوروبية وليرتهن القرار السياسي والحالة الاقتصادية لشعبنا بيد مانح المال الأوروبي, ومع ذلك مازال الكثير من الفلسطينيين مع شديد الأسف غارقون في ظلمات الوثنية السياسية وعبادة الأصنام الزائفة , وما زالت الساحة السياسية الفلسطينية تعاني من العقليات الجاهلية التي تتمسك بما يُسمّى منظمة التحرير التي انتهت شرعيتها التمثيلية للفلسطينيين منذ أن ألغت الميثاق, ومنذ سمعنا الختيار الرمز يقول كلمة [ كادوك] للميثاق الوطني, فأي مهزلة بعد هذا وأي وثنية تتحكم في عقول شعبنا.

    إن خشيتنا على مستقبل أجيالنا ومخاوفنا من التفريط بحقنا نحن اللاجئون جعلتنا نحاول أن نتدارك الأمر لأن مفاوضي المقاطعة في رام الله غير مؤتمنين على قضيتنا المقدسة بل إننا كلاجئين فلسطينيين نطالب كافة القوى التنظيمية والشعبية الفلسطينية بإيجاد مرجعية وطنية جهادية تعيد الأمور إلى نصابها ولا تتنازل عن حقوقنا المشروعة بأرض فلسطين من البحر إلى النهر, بل وتعلن براءتها من المفاوضات سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة  وتعلن براءتها من منظمة التحرير وسلطة أوسلو فلا شرعية لمن فرّط بالأرض والقدس ولا شرعية أيضاً لمن يعترف بدويلة إسرائيل.

   لا يمكن لشعب يريد الحرية لأرضه ولأبنائه أن يعيش تلك الحالة من الوثنية السياسية , فلا بد للمبادئ والأرض والحقوق أن تتقدّم على الأشخاص والتنظيمات السياسية ولا أحد مهما علا شأنه أن يكون فوق فلسطين ولا فوق القدس, وإذا كانت أربعون عاماً من الحياة السياسية الخادعة التي تمكنت خلالها تلك القيادات الماسونية والمتصهينة بمساندة قطعان اللصوص الفتحاويين قد أُتيحت لها فرصة التحكم بالمسيرة السياسية الفلسطينية فإن الانقلاب الشعبي الفلسطيني على القيادة الوضيعة لسلطة رام الله وربيبتها منظمة التفريط وإيجاد قيادة وطنية بديلة قد أصبح الآن أكثر من أي وقت مضى ضرورة شعبية فلسطينية.